رقابة خانقة 🖤🦢
داخل الكوخ، كان الظلام يبتلع الزوايا، إلا من ضوء خافت ينبعث من مصباح قديم. سحب أحمد نوران إلى الداخل، لكن فجأة، سكنت حركته. الغضب الذي كان يشتعل في عينيه انطفأ ليحل محله هدوء مريب.. هدوء النرجسي حين يغير قناعه.
ترك أحمد معصم نوران، ونظر إليها بنظرة انكسار مُصطنعة، وجلس على مقعد متهالك واضعاً رأسه بين يديه.
أحمد (بصوت خافت ومرتعش): "نوران.. أنا لا أريد إيذاءك، أنا فقط أريد أن تحبيني كما كنتِ تفعلين سابقاً. لماذا اخترتِ رامي؟ لماذا جعلتِني أتحول إلى هذا الوحش؟ كل ما فعلته كان لأنني لا أطيق فكرة أن تكوني لغيري."
نوران (تتراجع للخلف بحذر): "أحمد، الحب لا يكون بالاختطاف ولا بالاغتصاب! أنت دمرت كل شيء جميل كان بيننا. أرجوك.. إذا كنت تحبني حقاً كما تقول، دعني أذهب الآن وسترى أن الأمور قد تُحل."
أحمد (يقترب منها ببطء): "هل ستسامحينني؟ هل سنبدأ من جديد؟ سأعوضك عن كل لحظة ألم.. سأكون لكِ الزوج الذي حلمتِ به."
بينما كان أحمد يخطو نحوها، تعثرت قدماه بطرف سجادة قديمة، وبسبب حالة الهياج والارهاق التي كان فيها، فقد توازنه ليرتطم رأسه بزاوية حادة لطاولة خشبية صلبة. سقط أرضاً، وسرعان ما بدأت الدماء تسيل من رأسه ، ليفقد وعيه تماماً.
تسمرت نوران في مكانها. الباب مفتوح.. السيارة مفتاحها بداخلها.. هذه فرصتها الذهبية للهروب. تقدمت خطوة نحو الباب، لكنها التفتت لتراه ممدداً وسط دمائه.
نوران (تحدث نفسها بذعر): "يجب أن أهرب.. هذه نجدة من السماء! لكن.. سيموت إذا تركته هكذا يا ترى!."
عادت إليه مدفوعة بغريزة إنسانية لم يستطع حتى ظلمه قتلها. وضعت رأسه في حجرها، وبدأت تضغط على الجرح بوشاحها. في تلك اللحظة، نظرت إلى ملامحه الساكنة؛ تذكرت "أحمد" القديم، ابن خالها الذي كانت تحبه في صمت وهي طفلة، تذكرت كيف كانت تراه بطلاً لها.. ثم صرخت في سرها بمرارة: "كيف تحول ذلك الحلم إلى هذا الكابوس؟ كيف تجرأت يداك على تدنيسي؟ أنا أكرهك بقدر ما كنت أحبك يوماً!"
حملت ثقله بصعوبة، وبقوة استمدتها من صدمتها، استطاعت جره إلى السيارة. قادت بيدين مرتجفتين حتى وصلت إلى مشفى حكومي بعيد عن المنطقة التي كانو فيها.
بعد أن أدخل المسعفون أحمد إلى غرفة الطوارئ، جلست نوران في الرواق، وجهها شاحب كالموت، وثيابها ملطخة بدمائه. اقتربت منها ممرضة مسنة، وضعت يدها على كتفها بحنان.
الممرضة: "يا ابنتي، أنتِ في حالة يُرثى لها. وجهكِ مصفر تماماً وعيناكِ غائرتان. يجب أن تخضعي لبعض التحاليل فوراً، ربما لديكِ فقر دم حاد أو هبوط في الضغط."
نوران (بصوت خافت): "أنا بخير.. فقط أريد الاطمئنان عليه."
الممرضة: "لقد أوقفنا النزيف، جرحه عميق لكنه استقر. هيا، تعالي معي لإجراء فحص سريع لكِ، لن يستغرق الأمر دقائق."
استسلمت نوران للممرضة، سُحبت منها عينة دم، لكن شعوراً بالخوف من مواجهة أحمد عند استيقاظه تملكها. قررت فجأة أنها لا تستطيع البقاء. تسللت خارج المشفى قبل ظهور النتائج، تاركة خلفها الرجل الذي دمر حياتها.
استيقظ أحمد على صرير باب الغرفة، كان يشعر بثقل في رأسه وضمادة عريضة تلف جبهته. نظر حوله بتيه، ليبحث عن طيف "نوران"، لكنه لم يجد سوى الممرضة التي كانت تدون بعض الملاحظات.
أحمد (بصوت متحشرج): "أين نوران ؟"
الممرضة (تلتفت إليه بابتسامة هادئة): "الحمد لله على سلامتك يا أستاذ. لقد غادرت الآنسة منذ ساعة تقريباً، بدا عليها إرهاق شديد ولم تستطع الانتظار أكثر. يبدو أنها اطمأنت على استقرار حالتك ثم ذهبت."
أحمد (بعصبية مكتومة): "كيف تتركونها تذهب وهي في تلك الحالة؟ كانت متعبة!"
الممرضة: "حاولنا إقناعها، لكنها أصرت. وبالمناسبة..." (تخرج ظرفاً مختوماً من جيب مئزرها) "..لقد أجرينا لها فحصاً سريعاً بسبب شحوبها الشديد قبل أن تغادر، وظهرت النتيجة الآن. بما أنك قريبها، هل تمانع في إيصال هذه النتائج إليها؟ قالت إنها ستتواصل معك."
أحمد (يمد يده بفضول، وعيناه تلمعان بتوجس): "بالطبع.. أعطني إياها، سأهتم بالأمر. هل هي بخير؟ هل تعاني من فقر دم؟"
الممرضة (بتردد مهني): "في الواقع، النتائج تشير إلى سبب آخر لشحوبها وإغمائها المتكرر.. الآنسة نوران حامل في أسابيعها الأولى. كنت اود أن أبشرها بنفسي لتهتم بتغذيتها، لكن الأمانة الآن بين يديك."
ساد صمت مرعب في الغرفة. تجمدت يد أحمد وهي تمسك بالورقة، وشعر ببرودة تسري في أوصاله لم تكن بسبب برودة المشفى.
أحمد (يردد بذهول): "حامل؟ هل أنتِ متأكدة؟"
الممرضة: "التحاليل المخبرية لا تخطئ يا سيدي. مبارك لكما، رغم أن التوقيت يبدو مرهقاً لها صحياً. أرجو أن توصل لها الورقة وتخبرها بضرورة مراجعة طبيبة مختصة في أقرب وقت."
خرجت الممرضة وتركت أحمد يصارع أمواجاً من الأفكار المتضاربة. فتح الظرف ببطء، قرأ الكلمات المطبوعة بوضوح.
أحمد (يهمس لنفسه وهو يشد على الورقة): "حامل.. يا للسخرية! الآن يا نوران، لم يعد رامي ولا العالم كله يستطيع انتزاعكِ مني. هذا الجنين هو القيد الذي سيجعل فراركِ مستحيلاً، وسيجبركِ على العودة إلى حضني ذليلة.. صاغرة.. وباسم 'الستر' الذي كنتِ تحتقرينه."
في هذه الأثناء، كانت نوران في سيارة أجرة، تضع رأسها على النافذة وهي تبكي بصمت ،بينما كان أحمد في المشفى يخطط لكيفية استخدام "ورقة النصر" الجديدة، كانت هي قد وصلت إلى غرفتها. أغلقت الباب خلفها بالمفتاح، وارتمت على سريرها وهي تشعر بفرط إنهاك غير طبيعي. كانت تعتقد أنها نجت بجلدها من الكوخ، لكن غصّة في حلقها كانت تخبرها أن الكابوس لم ينتهِ بعد.
خرج أحمد من المستشفى والورقة مطوية في جيبه الداخلي، كأنها صك ملكية سري. لم يتصل بنوران، ولم يرسل لها تهديداً، بل قرر أن يتركها تغرق في حيرتها وخوفها مما حدث في الكوخ. كان يستمتع بفكرة أنه يعرف عن جسدها ما لا تعرفه هي عن نفسها.
لم تنم نوران تلك الليلة. كانت تجلس خلف نافذتها تراقب بزوغ الفجر، وجسدها يرتجف كلما تذكرت نظرات أحمد وصوت ارتطام رأسه بالطاولة. كانت تشعر بغثيان غريب، ظنت أنه نتاج الرعب والضغط النفسي الذي مرت به.
في تمام الساعة الثامنة صباحاً، قطع صمت غرفتها رنين هاتفها. انقبض قلبها ظناً منه أنه أحمد، لكن الاسم الظاهر كان "لمار"، شقيقة أحمد والوحيدة التي كانت نوران تشعر تجاهها ببعض الأمان، رغم أنها تظل "أخته".
نوران (بصوت مبحوح): "أهلاً لمار.."
لمار (بنبرة حماسية مشوبة بالقلق): "نوران! صباح الخير يا عزيزتي. لقد أخبرني أحمد بما حدث بالأمس، أخبرني أنكِ تعبتِ فجأة وأنه سقط وأصيب وهو يحاول مساعدتكِ.. كيف حالكِ الآن؟ وكيف حال جرحه؟"
نوران (تحاول استجماع قواها): "أنا.. أنا بخير يا لمار، مجرد إرهاق من الدراسة. وأحمد، أخبروني في المشفى أن جرحه استقر."
لمار: "الحمد لله. اسمعي، أنا قادمة إليكِ الآن، أنا في الطريق ومعي بعض الأغراض التي طلبتها والدتكِ، وأريد أن أطمئن عليكِ بنفسي. لا تقولي لا، أحتاج للتحدث معكِ قليلاً."
أغلقت لمار الخط قبل أن تتمكن نوران من الاعتذار. شعرت نوران بضيق؛ فزيارة لمار في هذا التوقيت تعني اضطرارها لتمثيل دور "الخطيبة المهتمة" أمام العائلة، وهي لا تطيق سماع اسمه.