الفصل 3
طاغيَة ، لا تخافي ياطاغية ،وسّعي صدرك خبرتك قوية ياطاغية ، طفلة أنتي ياطاغية..."
والكثير من الجمل اللي تحمل هاللقلب دمَرت عقلها فوق تدميَره غزت على كل خلايا مخها ، نفضت كل إنش برأسها ، أمتزجت بمشاعر الخوف العنيفة الي تحاصر قلبها ، أرهبتها بطريقة غريّبة جعلتها تهبَ كل رهبتها في أظافرها التي تغزو على ذراعه بكل كرم ، تغرزها بكل تبجل وكأنها ترمي كل خوف إنتهك صدرها بين جلده الي أدمى بسببها .. كانت كل أوصالها ترتجف وكل بقعة بجسدها تناجي وتبَكي بكل تكلف ، تعرف صاحب هذه النغمة الرنّانة التي إحتوت خوفها هذه اللحظة ، تعرف الشخص اللي أطلق عليها هاللقلب من سنيّن عتى عليها الزمن ، تعرفه ولكنها تجهله بنفس اللحظة
تجهل حضوره بكل لحظة تتسلط عليها هالمخاوف لدرجة تتهاوى ساقها بسببها ، شهقاتها الناعمة الي تصدر من ثغرها كانت مُوجعة ، كانت تبّكي بصمت مخيف والإحراج يكسو ويستقر بصدرها مثل إستقرار الرعب فيه ، كانت تبّكي بكل كثافة عاجزة عن كبح خوفها ومستسلمة له بكل كرم برغم الإحراج الي تلبَسها ، للحظة خاطفة سكنت كل جوارحها برعب هائل وهي تستشعر ذراعه تنسحب من كفوفها كادت تصرخ ولكن الشمعة مازالت مستقرة بالقرب منها معلنة إنه قريَب منها ، حاولت الخروج من إطار هذا الرعب ولكن تهاوي ساقيها جعلها تخر صاعقة على الأرض وهي تبكي بفزع شديد وأصوات الصراخ تنخر طبلة إذنها بدون شفقة ، إستشعرت اليد الخشنة الي تلتف بكل صلابة على كفها والي تطبطب عليه بتأني بدقات رتيبة ولها ترتيب ما تجهله وكأنه يحاول يذكرها إنه هنا وهو يهمس بتفاوت بنبّرة غريبة جمعت الغرابة الي يتسم بها : لا تخافي ياطاغية ، خبّرتك قوية !
خبَرت إن غرورك ماهو ظاهري وبس
كانت خشونة يدينه تلامس نعومتها الطاغيّة يعرف إن حدوده تنتهي عند هالملامسة ، يعرف إن هذي خطوط حمراء لو تعداها أُختل وزن دينه وعُرفه وعاداته والأهم أُختل وزن " شاهيّن " ذاته .. ولكن الموقف ذاته يتكرر ، الخوف ذاته يسيطر ويرعش كل خلاياها ويمنعها من التنفس حتى ، وهل يرضى شاهيّن يسمع شهقاتها الي تُعلن تمسكها بالحياة بصعُوبة ويلتزم بالعُرف ويبَقى خلف حدود الخط الأحمر ؟ كسّره وتعداه من سنين طويلة وهالمرة مارضخ له ، طمّنها بطريقته الخاصة فيه بلقبها الي تمكن من مسامعها من طفولتها ولحد صبَاها ، اللقب الي ظنته مُحي وأنتهى عهده مع صاحبه اللي من سنين طويّلة نسّاهم ، ولكن رفرفة " طاغية" على مسامعها تركتها ترفع رأسها له وتلمح وجهه القريَب منها يمسح على كفوفها بخشونته يطبطب بكلامه على سمعها لعلها تستوعب الموقف !
-
كان يقول بهُدوء شديد ، يناقض شاهيّن تمامًا يناقض تكوين شخصيته : الأمور بخيَر ياطاغية ، بتعدي لاتخافين،خذي نفس وصلي على النبي
كانت ترضخ لكلامها وكأنها تحولت لدُمية تعمل بالأوامر فقط ، وكأن غرورها يبّهت في حضره الخوف ، وحضرته هو !
أخذت نفس بصعوبة شديدة وإزداد بعدها تنفسها وكإنها في سبّاق ماراثون ، كانت الشمعة تذبذب بضوءها وكإنها تشح عليها به وهو كابّح نفسه عن النظر لملامح وجهها اللي من شدة قربها، أنفاسها اللاهثة والحارة تلفح شعرات ذقنه الأشعث ، وهو ولو إنه عاقد الحرب مع هالجنس بشتى نساءه ولكنه في النهاية ، رجل وهي غُرور !
ضغطت على يدينه بكل قوة وهي تقول بصعوبة : شاهييّن ، أنت صح صح؟
وكإنها تنتظر تأكيده لأجل تستريح كل سُفنها ، همسه وقربه وصوته يأكد ولكن تحتاج التأكيد الأكيد ، تحتاج همسه اللي نسته من سنيّن طفولتها الغرّة ، ضحكة خافتة تهادت لسمعها أردف بعدها بخفوت : شاهيّن بذاته وبعزه ياطاغية
تحشرج صوته بعدم إرادة منه وهو يبتعد قدر أنملة مِنها لعله يخفف النار الي بصدره ولكنها شدت على يده أكثر فقال بقلق من تغير طريقة تنفسها : أنتي بخير ؟
شهقة رجولة خافتة تمردت من صدره لما إستشعر ميّلان جسدها وكإنه بيتهاوى على الأرض ولكن ذراعاه تلقفتها بكل قوة وهو يجذبها له بخًوف العالميّن أجمع .. يالله !
شاهيّن المتمرد ، البارد ، الهادي بطريقته الخاصة
سكّن رعب العالمين قلبه بهذه اللحظة ! ما ينكر إنه عاش هالموقف معها مرات عديّدة لما كانت طفلة صغيّرة وهو مراهق ، ولكن أختلف الوضع
لإنه ماكان ينتهي الوضع بإغماءها ووصولها لحضنه بطريقة سهلة ، وماكان بينهم حدود الديّن والعُرف !
--
بذات اللحظة كان " هارُون " واقف على عمود الإنارة الطويل تتهادى ضحكاته بطريقة مشاكسة شيطانية وهو يستمع لصراخ أهل ديرته من كل بيت الأطفال ؛ النساء ، وحتى الرجال ، كان يضحك وكإنه ماضحك طوال حياته بهالكثرة ، وبعد نصف ساعة أخذ يرجع الأسلاك بمكانها الصحيح وإنتشر الضوء بأنحاء الديّرة لتهدأ الأصوات بشكل متفاوت ويحل الصمت المتدرج ليبّتسم بخفوت : لأجل تتعلمون الدرس يا أهل الليل ، تصدقون كلام واحد مجنون وتؤمنون بقيام الساعة وهي ما يعلم بها إلا الله! ويّلكم من الله وهذا أصغر الدروس من معلمكم الصغير هارُون !
ضحك من جديد وهو ينزل بطريقة إحترافية من عمود الإنارة ويهذب ملابسه بطريقة مسرحية وهو يرجع بخطواته لبيت الجد شاهِر بإبتسامة ضاحكة على أهل الديرة اللي خرجوا وآخيراً نازعين عن قلوبهم رداء الرعب ليكتشفو الوضع!
-
-
بعد الفجـر .. في أول يوم من أيام الألفية
١-١-٢٠٠٠
--
مستندة بجذعها على أطراف الشبّاك بعشوائية وهي تنقل نظراتها ما بين مزارع الديّرة وما بين أختها الملتصقة بالفراش من ساعات طويَلة ، تناهيد عميقة تستقر بقلبها وهي تتذكر رعبها وخوفها الرهيّب باللحظة اللي إنقطعت الكهرباء فيها والي أستقبلت فيها أول أيام السنة الميلادية ، جفل فؤادها برعب العالمين على أختها غرُور حتى ظنت إن قلبها بيغادرها ، تعرف أشد المعرفة إن كابوس غرور والشيء الوحيّد اللي يكسر غرورها ويوجعها هو " الظلام" تعرف الحالة اللي تعيشها وهالة الرعب الي تسحب الحياة من يدينها بسببها ، لذلك رمت كأس الموية من يدها بدون وعييّ وبسبب رميتها جفلت أهداب اللي كانت واقفة بالقرب منها وحاولت تركض وراها ولكِنها توقفت بمكانها بعجز وأطلقت " آه" مكتومة بسبب كسر الزجاج اللي دخل بقدمها فشل حركتها عن اللحاق بـ غُفران والي لحظة إضاءة المكان توقفت بمقدمة الحوش وهي تعقد حواجبها بذهُول ، وكل مفردات العالمين تلاشت من ثغرها ، إنتفضت كل أضلعها سطوة وإستنكار وعدم إستيعاب و"خوف" وهي ترى جسَد غرُور يتدلى بعشوائية بين ذراع المهيّب " شاهيّن " بملامح جامدة لا تكاد تُقرأ وهو يحتضن جسدها الطرييّ بين ذراعه وبين صدره العريض ، تضيع بأريحية على فوضويته ورأسها مستند على كتفه ، فاقدة للوعي من شدة خوفها !
كانت تنقل نظراتها ما بيّن ملامح شاهيّن الهادية ومابين غرُور المُغلف جسدها بعبائتها وترك حجابها يغطي رأسها وباقي أكتافها بعشوائية ، فأقتربت بخوف وهي تناظره برهبّة لا إرادية عاجزة عن كبَح صدمتها وخوفها من الموقف " شاهيّن الوحش اللي ما يلتفت لأي وجع يحمل يين ذراعينه غرُور اللي تباريّه بوحشيتها .. يالله أي المصايّب رح تكتمل بها هالليلة الغريبة؟"
إرتشعت كل أوصالها وهي تلمح نظراته الثائرة وهمسته الحادة : منتظرة أحمَلك معها؟
إستوعبت إنها واقفة بطريقة وإنتقضت وهي تبتعد بربكة وتقول بخوف : كيفها ؟ بخير هيي ؟ طمنييي ؟ كنت معها ؟ غالـ..
سكتت بذهول وهي تلمحه يتعداها ويكمل طريقه بنفس الصمَت المنبوذ والمكروُهه وهو يصل للجناح المخصص لعائلة عمه مهابَ ، دفع باب الغرفة بأريحية بقدمه وكأنها ملك له ودخل وهو يقترب من الفراش ويسند جسدها الواهي من الوجع النفسي على أطرافه برقة غريبة عليّه وجديدة! لمح ثورة شعرها الهائج واللي تمرد على سواد الحجاب وإنتشر بعبثية على الفراش ، غض بصره بصعوبة وإنتفض جسده وهو يوقف بكل قوة ويشتت نظراته للمكان ، ومن لمح غُفران واقفة ونظرات وجلة تجول بعينها
-
أخذ نفس بهُدوء وقال وهو يثبّت يدينه بطرف جيبه بعشوائية وبرود يُحسد عليه بهالموقف اللي كل خلية بجسد اللي قدامه ترتعش رهبّة ورعب وخوف عجزت تبوح فيه وعجزت توضحه بسبب هالة الشخص الواقف أمامها : هي بخير ، وبتكون أحسن إذا أرتاحت
هالجمل فقط اللي تكرم فيها على مسامع غُفران بعد أن أسبّل أهدابه بهدوء وهو يبتعد بخُطوات متزنة للخارج بصمت شديد وغير محبب ، ولا كأنه الشخص الي قبل لحظات يحمل بين ذراعينه جسد يضج أنوثة ! بارد وثابت ومتزن .. شخصية غريبة بكل حذافيرها وكأنها عُجنت ببرود العالمين شخصية ماتخضع حتى لفطرتها وحتى لو خضعت تتراجع بأول خطوة !
بينما غفران كادت تتهاوى أقدامها وهي تقترب من غرور وتمسح على شعرها بوجع بوقت لمعان عيونها بدموعها الغافية تحت أهدابها ، تناظرها بأسف وعذر كونها تركتها لوحدها ، تركتها تعيش بشاعة هالشعور مع شاهييّن !!
تنهدت وهي تعود للواقع وتأخذ نفس بصعوبة وهي تلتفت لغرُور اللي بدأت تستعيّد وعيها بعد ساعات من فقدانه ، تمشَط المكان بنظراتها التائهه وهي تحاول تفهم وين موقعها ومن لمحت غُفران تجلس بجنبها وهي تمسح على شعرها برقة : وآخيراً صحيتي !
حتى عقدت حواجِبها و حاولت تسترجع الموقف اللي حصّل معها ، وبعد ثواني بسّيطة كل الي تهادى لسمعها " طاااغية " يالله يهالكلمة اللي أشتاقتها ، وأشتاقت سمعها وتذوق إذنها لها !
الكلمة اللي تبّغضها لإنها ماتعرف ليه سُميت فيها وأرتبطت بها ، ولكن بنفس الوقت تشتاقها لأنها كانت تظهر ك مواساة بأسوء أوقاتها ،اللي يحضر فيها شاهييَن بطريقة سرمدية غريبة لمفاهيم العقل !
على مرور سنوات عتيّقة قضت فيها طفولتها بين طيَات هالمكان وبكل مرة تعيش هالة الرعب هذي تلاقيه معها .. يواسيّها ، يطبطب عليها ويغدق عليها من طمأنينته فتطمئن وتستريح
ولكنه أختفى بشكل مثير للشفقة ، لسنين طويلة نسته ونست حضوره ونست إن لها إبن عم ينقال له"شاهيَن" ماكانت تدري كم عدد السنين اللي أختفى عن نظرها ولكن الي تعرفه إنه من أول حضور له بعد كل هالقطاعة ، أهلكها !
بلعت ريقها بصعوبة وهي تزيّح جفنها عن سوادها الحالك وتنشر نظراتها بالمكان بصمَت وقبّلما تنطق أو تتكلم رفعت رأسها بإستنكار لأصوات الزغاريد والضحكات الهائلة والتحميَد والتهليل الي على بالمكان بشكل رهيب !
-
-
فوق سطح بيَت شاهر جلوي، ، واقف بإبتسامة خافتة وهو ينقل نظراته لجيرانه وأصحابه الي يكبّرون ويهللون والفرحة تنتشر بالمكان بشكل هائل بمجرد إنبّلاج نور الشمس وإنتشارها بالمكان ، وكإن بخروجها تدحض كل الأكاذيب والخرافات الي أُلقيت على السّمعx
-
فوق سطح بيَت شاهر جلوي، ، واقف بإبتسامة خافتة وهو ينقل نظراته لجيرانه وأصحابه الي يكبّرون ويهللون والفرحة تنتشر بالمكان بشكل هائل بمجرد إنبّلاج نور الشمس وإنتشارها بالمكان ، وكإن بخروجها تدحض كل الأكاذيب والخرافات الي أُلقيت على السّمع ، وكأنها تحاول تخفف عليهم رعب ليلتهم وخوفهم لليالي طويلة بسبب أقاويل إنتشرت وصدقوها بشكل هائل ، جيرانهم المتوزعين على سطوح بيتهم وبالشوارع وبكل مكان بهالديرة ، والي ماغفت عيونهم ينتظرون هالشروق بفارغ الصبر وبكل رعب ، وبمجرد إستجابة دعواتهم سطّى صوت الفرح بالمكان وإنتشرت الضحكات بكل لهفة
ضحكة ساخرة على وجهه " شاهيّن " اللي يقف على يمين جده وينقل نظراته المتهكمة على الموقف اللي تكّون أمام مرأ عينه ، يستنكر تفكيرهم ويستصغره بكل إقتضاب ، ليه هم جهلة للدرجة هذي!!
أما نظرات إستنكار وعدم فهم تلوح بعيون غالب اللي عاجز عن تصديَق وضعهم لما حكى له حرب ، وبعدما فهم إستوعب إن سبّب طلب جده حضوره كان هذا !
أما هارون كان كاتم ضحكته عليهم بصعوبة ، واقف بجنب أخوه ياسين الهادي الصامت ونظرات اللامبالاة تنطق من عيونه ولكن من وقف حرب بجنبه تغير الهدوء تماماً وضرب كتف بضحكة عاجز يسيطر عليها : تشوف الجهل لوين وصل ، فرحانين لأن الشمس أشرقت من مشرقها !
هز رأسه حرب بضحكة وهو يأشر على ثغره بسبابته : لا تتكلم بالطريقة ذي ، بيأكلونك بقشورك وهم ليالي ماناموا من خوفهم
ضحك غصب عنه وهو ييقول : يارب لا تسخط عليهم
ولكن ذابت ضحكته بوسط ثغره بسبب نظرات شاهر الجامدة والي ضرب بعدها بعصاته الأرض وقال بوقار بعدما شمّخ برأسه وهو ينقل نظراته لأحفاده : لا تبّقون بالبيت وكأنكم تحرسونه كلكم
قال هارون بسخط وهو يناظره بصدمة : تكفى ياجد وش اللي لا تبقون بالبيت ، رمضّااان ياجدي يعني نرقد هالصبح وخصوصًا بعد ليلة أعتبرها جريمة بحق تاريخي ، حرام عليك..
سكت بسبب نظرات جده وتنّهد بينما جده قال بإستنكار : خمسة رجال بترقدون بالبيت بوسط هالصبح؟ يا جهر عينك ياشاهر!
إلتزم الصمت بسبب شاهيّن اللي قال بهدوء وهو يوقف بجنبه : مانيّب جالس يا جلوي، عندي كم شغلة بحلها وأرجع
قبَل رأسه بصمت قبل ينتظر رد جده وأبتعد عنهم والبقيّة تناوبو بنفس فعل شاهيّن وبعدها أنصرفو لذات المكان " محل الذهب " والي ماعندهم مرسى الا هو ، بينما شاهر أبتسم بخفوت وهو يداعب رأس عصاته بهُدوء ويهز رأسه بترقُب : هالحال بيبّقى لسنين طويلة يا أحفاد شاهر، نذر علي لأسخّر باقي عمري لأجل تبقون هنا
-
بعد ساعات الصُبح الأولى ، كانت تمشي بوجع وتسحب رجلها بصعوبة ولكنها عاجزة تبّقى مكانها !
-
بعد الموقف الي حصّل ليلة البارحة تحس إن الحياة دبّت بروحها ، تحس إن الكون كله راضي عليها .. يالله
كلمة وحدة منه قادرة على إحداث هدنة بكل العالم ، كلمة وحدة منه تكفى لأجل ينهد كل الزعل والخصَام والضيق، كلمة وحدة تكفي ولكنه برغم كل هذا بأوقات كثيرة كان شحيّح لدرجة إنه يبخل فيها ولو إنه بيكون بعدها السلام بكل الأرض !
أبتسمت بخفوت وهي تضغط على طرف عبايتها وتتذكر الموقف اللي حصّل ليلة البارحة ، بوسط الخوف ، والرعب والوجع !
" لما كانت تجر خطواتها والدم يقطر من قدمها دون ما تنحني حتى وتمسحه من شدة خوفها من الوضع الغريّب اللي حصل للديرة وترك حتى شيابّها يصرخون بأعلى صوت !
وقفت بوسط الحوش وهي تلمح شاهيّن يخرج من جناح عمها مهاب وملامحه جامدة ، عقدت حواجبها بإستنكار غريب وهي تلمح قطرات الدم على طرف كُمه ومنتثرة بعشوائِية بجيبه ولكن الواضح إن شاهيّن ماهو بمنتبه أبداً ليده المجرّحة بشكل كبير وكأن هالخدوش تفننت فيها قطة وخدشتها بأظافرها! قبل تقترب منه وخوفها عليه طغى على خوفها منه ، توقفت بمكانها بسبب نظراته الوجلة والي كتمت نفسها بذهول من لمحته يقترب منها بهالخوف ، شهقت شهقة خافتة وهي تتأمله ينحني لها ويرفع قدمها وهو يعقد حواجبه من لمح الجرح اللي فيها
بلعت ريقها بصعوبة وبصمت مهيّب كان حاضر دايماً بوقت حضور شاهيّن وكتمت صرختها المذهولة بصعوبة وهي تستشعر نفسها ترتفع للهواء وهو يلتقطها لحضنه ويقترب من الخزان الصغير الي بوسط الحوش، يفتح الصنبور الموجود فيه ويدخل قدمها تحته ومازال صامت ، ومازالت ملامحه هاديّة وطغى على عيونه الجمود والثبَات ، بينما يستشعر إرتجافها ، خوفها ، وجلها ، رعبها بالإقتراب منه بهالشكل
وما كأنها أخوها اللي يكبَرها بست سنين ، أخوها الي بحسّبة أبوها ، واللي اليُتم علمهم إن الأخ ممكن يكون فعلاً أب ، إلا إنه كان صارم ، بارد ، بعيد ، مخيف بدرجة الرعب ؛ ماكان مثال للأب الحنون أبداً
كان دائماً بعيد عنها ، بعيد عن العائلة والجو الحمَيمي ، وبرغم بعده فرض هيَبته ، فرض شخصه وقوته على أكبر شخص بهالمكان ، فرض مكانه وحضوره وحتى غيابه اللي ما يعوض عنه أقوى شخص بهالكون !
لذلك كان زعله مخيف موجع ومكروهه سواءً منها أو من بقيَة العائلة !
صامتة ، ومرتجفة وهي مغمضة عيونها وصّادة عنه بخوف بينما هو تركها بوسط البّساط اللي يعلوه السعف ، من توقف النزف البسّيط وأستخرج الزجاجة الصغيرة وسط شهقتها المتوجعة ، تنحنح وهو يلتقط أنفاسه بهدوء
وأقترب منها وهو يسحب كيسّ البسكويت ويتركه بجنبها ويهمس بجمود.."
الجمود اللي ألتصّق بنبرته وصوته من سنين طويلة ، حتى بالمواقف الي تستدعي حنانه كان جامد تماماً : أنا واثق فيك وبتفكيرك يا أهداب ، بس ماني واثق بالمحيط الي تعيشين فيه ، أعرف ماهي بنيتك تخالفيني ولكنك سويتيها بالنهاية
سكت وهو يلمح الضيّق البادي على تعابيرها ، ولمعة عيونها المُعلنة إن دمعها على أهبّة الإستعداد ، تنهد بخفوت وأيقن إنه بدال ما يصالحها أوجعها زيادة ، شد على قبّضة يده وهو يحاول يداري ثغره لأجل ينطق بكلمة يجمّل بها الموقف وأخذ نفس بصعوبة يستشعر صعوبة نطقها أو تجميَل أي من حروفه ، لطالما إعتاد على قول الكلام من ثغره بدون تكلف أو تجميّل ولكن الواضح بهالنقطة إنه يحتاج لتلميع حروفه ، وهو يلمح دموعها
"يالله ، هذي بنتك ياشاهيّن ، صغيّرتك أهداب كيف مايحن قلبك لدموعها؟"
رفع رأسه للسّماء وأخذ نفس بصعوبة ، ورجع ينحني لها بنظراته وهو يقترب منها وينحني لها بهامته العالية ، حجب بميلانه عليها كل الضوء عنها ومن شدة خوفها من تصرفه ما أنتبهت لتقّبيله لرأسها الصامت واللي من إستشعرت فيه إمتلأت عيونها بالدمع الحار الكثيّف اللي زارها من فرط الشعور ، "يارب شاهييّن يقبّل رأسي ؟ شاهييَن هنا قدامي يتخبط لأجل يصالحني ؟ معقولة حنّ ؟ يالله يارب.."
بُترت تساؤلاتها البريئة وهي تسمعه يقول وهو يبتعد عنها : لا تبّكين يابنت عسّاف ، بتغضب علينا أم شاهيَن بتقول ما حافظتو على أمانتي ، لاتبّكين يا أخوك
ابتعلت بكاءها بصعوبة وهي تستشعر حشرجة عنيفة بقلبها لما لمحت النظرات الغريبة بعيون شاهييّن ، وبعد لحظة فقط تحولت نظراته للجمود وأبتعد عنها بنفس اللحظة
غمّضت عيونها للحظات وهي تعيد الموقف برأسها وأبتسمت ببكاء ومن فتحتها ولمحت البسكويت جنبها والي ما أنتبهت له ، واللي من عرفت إنه عربون الصلح من شاهيّن حتى أخذته بيدينها وهي تناظره ، وهنا تفجَر الدمع بعيونها بشكل هائل تحتضن البسكويت لصدرها وتبَكي مثل طفلة ، طفلة حُرمت من حنيّة أبوها لسنين طويلة ، طفلة أبوها شحيح عليها حتى ببّسمة لتتفجر كل دموعها بمجرد لفتة رضا منه "آه من قسوتك ياا شاهييّن ، من جمودك وبرودك الي تُحسد عليه !"
إستعادت واقعها وهي تجر خُطاها بإتجاه البقالة اللي سبّبت الشرخ بعلاقتها مع شاهيّن ، توقفت أمام بابها وهي تُلقي نظرات خاطفة بإتجاه المكان تمشطه بنظراتها ومن تطمنّت إن كل الزوار هالساعة أطفال الحارة حتى تبّسمت وهي تفتح الباب وتُلقي تحيتها الصباحية على الشخص اللي جسده الهزيل متوسط الكرسي : صباح الخيير على الرجال الحلوين
عقدت حواجبها بإستنكار لما ما تلقت رد التحية ومن أقتربت ولمحته مرخي رأسه على طرف الطاولة ومغمض عيونه بهدوء حتى شهقت وهي تقرب منه وتسحب طرف العصا الي بجنبه ، أخذت تضربه بخفوت على كتفه ولكن لما مالقت منه إستجابة ضربت الطاولة بقوة وهو فز بعجل من مكانه وأنتفض وهو يقول بإحترام خالطه نُعاس : والله وربّ العبّاد يا جد إني مانمت غير دقيقة ، أصلاً قبل تدخل وأنا صاحي...
قاطع كلامه صوت الضحك الأنثوي الخافت ومن إستعاد وعيه تأفف بغضب ورجع يجلس على الكرسي ويقول بقهر : عاجبَك الوضع يعني ؟
ضحكت أهداب بخفوت وتقدمت وهي تجلس على الطاولة بطرفها السفلي وأخذت تدلي أقدامها وتحركها بطفولية وهي تقول له : والله رح يسرقون بقالتي وكل مالي وأنت راقد ، كيف تبيه يعجبني الوضع؟
تأفف أكثر وهو يرجع رأسه للخلف ويناظر نظرة سريعة خارج البقالة ، لمحل الذهب اللي بالشارع الي قبال البقالة وتنهد : يابنت الحلال تغربلت غربلة الله وكيلك الدنيا لو تعرفيها رح تبكي من شدة القهر علي ، يعني من يروح بظهر رمضان بهالحر الي يسّلخ الجلد لأجل يوقف على طاولة ويبيع لبزران الديرة ، لا ومهب بس كذا يجيك رجال الشنب خاط وجهه يقول عطني فطيرة لولد أخوي ، يعني يضحك على من هذا ؟ أي ولد أخ وأنت أصلاً وحيد أبوك؟
ضحكت بعفوية ، ضحكتها الهادية المعتادة وهي تسحب الغطاء عن عيونها وتناظر لهارون بنظرات مفضوحة وهي تقول : أنت اللي مسوي البَلبلة بالديرة أمس صح ؟
ناظرها ببراءة وهو يرمش بطفولية وأخذ يوقف ويقول : أفا ، هذا ظنك بولد عمتك الحنون ؟
وبعدين الديرة هذي والله خارج نطاق العقل ، كلهم مجانين وأولهم جدك
شهقت بعدم إعجاب ونزلت من على الطاولة بضيق : هارون لا تتكلم عن جدي كذا مرة ثانية
عض على شفايفه وهز رأسه بإحترام ، كون فعلاً عدم حضور جدهم مايعني تقليله لإحترامه : له كل الإحترام جلوي الكبير ، وين رايحة الحين ؟
ضحك وهو يجذب حجابها ويغطي عيونها بهدوء : خايفة من الصقر الحقيقي لأجل كذا بتهربين اليوم بسرعة؟
تنهدت بضيَق وهي تسحب الحجاب بعدم إهتمام وتقول بقهر : خايفة وحيل ، خايفة إني أوجعته وقهرته ، وخايفة من نظرته عني
أنا أصلاً جيتك اليوم عشان تشيّل كل الهدب الموجود باللوحة وتخلي هدب واحد
ضحك من قلبه وتزايدت ضحكاته بتعب من جفاف حلقه وأخذ يتوقف مجبر ويناظرها : أصلاً تفكيرك بالمسرحية ذي كلها ماكان لها داعي ، وبيني وبينك البقالة كلها مالها داعي حسبي الله فيكم كسرتو ظهري وأنا جالسٍ على هالكرسي ، ليت جلوي يجيب لها عامل ويعتق هالمسكين هارون
-
ميلت شفايفها بخفوت وأخذت تقول وهي تستعد للرجوع للبيت وتمشي وهي تلتفت له بضحكة ، لإنها ما قررت الخروج إلا لما أيقنت خلو الديرة من شاهيّن : تعرف جدي ، حلاله ما يأمنه غير على أحفاده ، ولكن أنت بالذات مثل الي يأمن الحلال للسـ..
غمضت عيونها بقوة وإرتدت للخلف بشهقة قوية وهي تضم ذراعينها لجسدها بكل طاقتها بعد إصطدامها الخفيف بشيء ثقيل وصلب ، وبرغم خفتها إلا إنها تحس إن ضلوعها إرتجت بعنف
تزايدت دقات قلبها بخوف وعجزت عن فتح عيونها خوفاً من إنها فعلاً صادفت أحد رجال هالديرة ببقالتها وهنا فعلاً رح يذبحها شاهيّن مثل ذبح الأضاحي ، فتحت عيونها بإستنكار لما تهادى لسمعها صوت ساخِر : أعتقد إن رمي نفسك على ضلوع غيرك هواية جديدة نجهلها عنك يابنت العم
رفعت رأسها بإتجاهه وهي عاقدة حواجبها بذهول ، وبإستنكار مهَيب لكلامه ، لصوته ، لمضمون حكيه ، ولوجوده بحد ذاته
بلعت ريقها بصعوبة شديدة وتوشحت عيونها بالضيَق والحرج والخجل الأنثوي الفطري ، والرعب
إرتشعت أطرافها بكل ضلع من ضلوعها فيها ، تذكرت موقفها معه بوقت وجعها من شاهييّن ، سرت قشعريرة مهلكة بكل جسدها لما تذكرت إرتعاشتها بحضنه ، ذراعينه الي ألتفت حولها
ونظراته لها ، تحلف إن الوسن غاب عن عينها طوال الليل وأعتكفت مع السُهاد ليلها كله ولاهو من خوفها مثل سبب أهل ديرتها ، كان بسببه
وبسبب شاهيّن
موقفههم سوا مامر عليها مرور الكِرام ، لأول مرة تتحفز كل حواسها بلحظة من الثانية ، لأول مرة تحس بمعنى " إنتماء " وماكانت تدري هل هي فعلاً مجنونة مثل باقي ديرتها ، لو فعلاً أعلنت الإنتماء بجزء من الثانية؟
إرتجفت أوصالها وتجمدت أعصابها لما أكمل سخريته بصوت متهاون بشخصها : ماكفاك الوجع من شاهيّن أمس لأجل هالمكان ، متعودة على تكسيَر مجاديفك وسكوتك عنها ؟
إمتلت عيونها دموع بشكل تلقائي وعنيّف ، وتحولت العيُون المُهلكة من شدة الرِقة لغيوم سوداء هالكة ، أهلكت كل الناظرين لها لما أمطرت الدموع بلحظة من الثانية على إثرها سكت غالب بصدمة ورجع لورى وهو يحك طرف جبهته ويناظر لهارون الي يناظره بحدة غريبة عليه ، واللي قال وهو يتقدم ويحضن طرف أهداب بحنيَة : يجهلك يا أهداب ، هذا الغبي مايعرف إنك كل يوم لازم تمرين على بقالتك لأنك عارفة إني بضيَع كل شيء لو ما مريتي ، عاد أنتي إرجعي الحين صدق قبل يجي شاهيّن والله ليحرقني ويحرقك بنفس اللحظة
شهقت وشهق هارون بأعلى منها لما إستجمع غالب نفسه بعدما شتّته الغيوم الحارِقة ورفع كتوفه بعشوائية وهو يغمغم ببساطة : شاهيّن بالمحل الي قبالكم!
-
#هوى_ديار_الليل