سجين في بيتي - الاعتذار - بقلم نهيلة شاكوك | روايتك

اسم الرواية: سجين في بيتي
المؤلف / الكاتب: نهيلة شاكوك
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: الاعتذار

الاعتذار

لم تكن هذه المرة الأولى التي تجمعهما هذه الغرفة، فقد شهدت على الأحداث كلها، وعرفت ما خفي بين الزوايا، وسمعت ما لم يُقال بصوتٍ عالٍ. كأنها كانت شاهدة أولى على حكايةٍ امتدت طويلًا، ورأت منها أكثر مما قيل، وأقل مما فُهم. دخل الضوء من النافذة هذه المرة ليس بخجل، بل بثقةٍ هادئة، كأنه جاء ليضيف عمقًا جديدًا إلى المكان، لا ليكشفه فقط. كان الهواء بينهما أثقل من المعتاد، لكنه أقل حدّة، كأن شيئًا من التوتر القديم قد ذاب دون أن يختفي تمامًا. لم تعد هناك خصومة واضحة، ولا محبة مكتملة، بل شيء عالق بين الاثنين، بين عالمين مختلفين التقيا طويلًا دون أن يندمجا. كل واحدة منهما كانت تدرك أن ما سيُقال الآن ليس مجرد كلام، بل محاولة أخيرة لفهم ما لم يُفهم حين كان الوقت ما يزال يسمح بالفهم. رفعت الحماة عينيها ببطء، وكأنها تتأكد أن ما ستقوله لن يمكن التراجع عنه، ثم قالت بصوتٍ هادئ أكثر مما اعتادت عليه: — سمحيلي. لم ترد زوجة الابن فورًا، لكنها شعرت أن الكلمة وصلت من مكانٍ أبعد من اللحظة، كأنها جاءت من زمنٍ تأخر كثيرًا. سكتت الحماة قليلًا، ليس ترددًا، بل محاولة أخيرة لقول الحقيقة دون أن تجرح أكثر مما ينبغي: — صدق فيك الخير. أجابت زوجة الابن بصوتٍ منخفض، لكنه ثابت: — الله يسامح. كلمة واحدة… لكنها كانت كافية لتُغلق سنواتٍ كاملة، دون أن تمحوها. أُعيد مشهد الموت مرة أخرى بعد شهرين من المرة الأولى. كنا هذه المرة أكثر تقبّلًا لفكرته، كأن الوعي بالألم يجعلنا أقل صدمة، لكن الإحساس نفسه عاد ليعترينا من جديد؛ فالموت، مهما بدا مألوفًا، يضعف الإنسان مهما اعتقد أنه تجاوز قوته. شهدتُ بكاء الأبناء مرة أخرى، لكن هذه المرة كان مختلفًا… لم يكن صدمة البداية، بل وجع النهاية الحقيقية. كان الفقد نهائيًا، والجرح بلا احتمال للترميم، وكأنهم أدركوا متأخرًا أن شيئًا ما قد انتُزع من كل واحدٍ منهم، ذلك المكان الأول الذي كان يجمعهم به دون أن يشعروا. أصبح بيت العائلة أقل حياة، كأنه فقد روحه التي كانت تسكنه أكثر من جدرانه. لم أزره منذ ذلك اليوم. قيل إن غرباء سكنوه بعد ذلك، غيّروا الطلاء، وأعادوا ترتيب كل شيء، وكأنهم يحاولون محو الزمن من المكان. لكن الحيطان بقيت كما هي، شاهدة على كل تفصيل، كل حكاية، وكل صوتٍ مرّ هنا يومًا ثم انطفأ. وكأن البيت لم يتغيّر… بل فقط تعلّم كيف يصمت أكثر. كانت بعض الأشياء لا تزال تقاوم النسيان، لا لأنها باقية كما هي، بل لأنها عالقة في طبقات المكان؛ في الفراغات الصغيرة بين الجدران، وفي الزوايا التي لا تصلها يد التغيير بسهولة. حتى الضوء الذي يدخل من النوافذ الجديدة، لم يستطع أن يمحو ما كان قبل، بل كان يمرّ عليه كأنه يعترف به دون أن يراه. الغرباء الذين سكنوه ربما لم يشعروا بثقله، لم يعرفوا لماذا تقف بعض الجدران صامتة أكثر من غيرها، ولماذا يبدو البيت أوسع من حجمه وأضيق من احتماله في الوقت نفسه. لكننا نحن… كنا نعرف. كنا نعرف أن لكل زاوية هنا ذاكرة، وأن كل تفصيل صغير كان يومًا جزءًا من حياة كاملة: من ضحكة، من خلاف، من صمتٍ طويل لم يُفهم إلا متأخرًا. ومع ذلك، كان أكثر ما يؤلم ليس أن المكان تغيّر، بل أنه استمر دوننا… كأن الحياة تعلمت كيف تكمل طريقها حتى بعد أن تنزع منا كل شيء. أما نحن، فقد غادرناه دون أن نغادره تمامًا. النهاية