الفراق
في البداية، ظنّ كل واحدٍ من أهل البيت أن الفراق يأتي دفعةً واحدة، بخبرٍ واحد، ثم يُزاح الحمل وينتهي كل شيء. لكن ما حدث لم يكن مشهد انطفاءٍ كامل، بل بداية حريقٍ هادئٍ يتغذّى على الصمت، ويترك الحنين كغازٍ خفيٍّ يبقيه مشتعلاً في الوسط، لا يموت ولا يكتمل احتراقه.
رأيتُ جدتي في مكانها المعتاد، لكن هذه المرة أكثر انطفاءً، كأنها لم تعد تجلس في الجسد نفسه الذي عرفناه. شعرنا بمرور الأسبوع كحزنٍ عابر، أما هي فكانت تعيشه كسنةٍ كاملة من الوحدة واللاشيء، كأن الزمن تمدّد داخلها وحدها.
كنت أستيقظ على صوتها أحيانًا، تبكي وتصرخ باسمه في الفراغ، ثم تعود إلى صمتٍ أثقل من البكاء نفسه. لم تُظهر ضعفها يومًا، ولم تجامل حبها، كانت كالصخر الصلب الذي عرفناه دائمًا، أما اليوم فقد صارت كزهرةٍ ذبلت فجأة، تحتاج السقيا… ولا تجد من يسقيها.
لم يعد البيت كما كان، لم يتغيّر في شكله، لكن شيئًا غير مرئي انسحب منه فجأة، كأن الجدران فقدت قدرتها على احتواء الحياة. الأصوات أصبحت أقلّ، الخطوات أخفّ، وحتى الضوء بدا وكأنه يدخل دون رغبة، يلامس الأشياء ثم ينسحب بسرعة.
كانت تجلس طويلًا في مكانها، لا تتحرك إلا حين تُجبرها الحاجة على ذلك، كأن كل فعلٍ صغير أصبح يحتاج إلى معنى لم يعد موجودًا. الطعام يُحضَّر ويُترك أمامها، لكنها لا تراه أحيانًا، أو تراه دون أن تدرك لماذا وُضع أصلًا. وكأن الجسد ما زال حاضرًا، لكن الداخل انسحب بهدوء لا يُسمع له صوت.
لم نعد نعرف كيف نقترب منها. كل محاولة للكلام كانت تنكسر قبل أن تصل، وكل عزاء يبدو غريبًا، كأنه لا يخصها ولا يخصنا. كانت تبكي أحيانًا دون مقدمات، ثم تمسح دموعها بسرعة، كأنها تخجل من لحظة ضعفٍ لم تعد تملك ترف إخفائها.
ولأول مرة، وبعد ما يقارب الشهرين، طلبت أن تراها… زوجة ابنها الأكبر. قالت إنها تريد إخبارها بشيء، لكن في صوتها كان هناك ارتباك خفي، كأنها لا تناديها فقط، بل تنادي شيئًا داخلها هي أيضًا.
كانت تشعر أن البيت سيعود ليشهد نفس المشهد من جديد، وكأن التاريخ يعيد نفسه، لكن هذه المرة بطريقة مختلفة… وكأن الأدوار بدأت تتبدّل بصمت، وأن من كان واقفًا سابقًا، قد يجد نفسه يومًا ما في نفس المكان الذي لم يتخيّله أبدًا.
دخلت زوجة الابن الغرفة بخطواتٍ مترددة، كأنها لا تعرف إن كانت تدخل لمواجهة شخصٍ ما، أم لمواجهة نفسها. كان الهواء داخل المكان مختلفًا، أثقل مما يبدو من الخارج، كأن الكلمات السابقة ما زالت معلّقة في الزوايا تنتظر من يوقظها.
رفعت الحماة نظرها ببطء. لم يكن في عينيها ذلك الحزم الذي عرفناه يومًا، ولا ذلك الكبرياء الذي كان يسبق كلماتها، بل كان هناك شيء آخر… شيء أقرب إلى الإنهاك منه إلى القوة، كأن الأيام الأخيرة نزعت عنها طبقة الدفاع التي كانت تحميها من العالم ومن نفسها في آنٍ واحد.
سادت لحظة صمت طويلة، ليست صمتًا عاديًا، بل ذلك النوع الذي يُسمع فيه كل ما لم يُقل من قبل. حتى الأنفاس بدت محسوبة، وكأن أي حركة قد تكسر شيئًا هشًّا لا يُرى.
قالت أخيرًا بصوتٍ منخفض، مختلف عن صوتها المعتاد:
— قربي مني… بغيت نهضر معاك.