الموت
- توفّى…
في الليلة الماضية، رأته أمي في المنام يقف على عتبة الضوء، يناديها بصوتٍ بعيد : «لا تقلقي سأذهب إلى مكانٍ أفضل.»
وجهه بدا ساكنًا على نحوٍ يوجع، وابتسامته قصيرة، لا تنتمي إلى الفرح، ولا تكتمل فيها ملامح الوداع، كافية لتزرع في قلبها خوفًا صامتًا لم تستطع تفسيره.
استيقظت أمي وقلبها مثقل، كأن الحلم لم ينتهِ، بل انسحب من النوم إلى اليقظة دون إذن. جلست في صمتٍ غير مألوف، وعيناها معلّقتان في فراغٍ لا يشبه صباحها أبدًا.
لم تقل شيئًا في البداية، لكن ملامحها تكلمت .تحركت بين الغرف وكأنها تحمل خبرًا لا يحق لها الإفصاح عنه، أو كأنها تخشى أن يُكذّب الواقع حدسها إن نطقت به. ظلت تحدّق في الفراغ، تنتظر أن يطرق الحلم الباب من جديد ليُصحّح نفسه، لكن الباب لم يُطرق.
ومع أول خيطٍ من الضوء، حسمت أمرها: زيارة بيت العائلة. خرجنا بصمتٍ لا يحتاج تفسيرًا، لا أحد سأل لماذا فجأة، حتى أنا لم أسأل. خطواتها أوقفت الأسئلة قبل أن تولد، كأنها تمشي نحو يقينٍ تخشاه.
الطريق بدا عاديًا؛ الشوارع لم تتغير، والناس يمرّون كما في كل يوم. وحدها خرجت من المشهد. تمشي وكأنها تحمل خبرًا لا تريد أن يخرج من فمها، أو تخشى أن تُصدّق ما لم يُقل بعد.
كانت هي أول زوجة ابن دخلت هذا البيت. لم تكن غريبة عنه يومًا، بل من نسيجه الأول؛ شهدت بداياته، وتحوّلاته، وصوته حين كان يعلو، وضحكاته حين كانت تختفي. تعرفه بطريقة لا يعرفه بها أحد، بينهما خيطٌ خفي من ذاكرة قديمة لم ينقطع، حتى حين تفرّقت الحياة من حولهما. لم تكن تراه كبيت، بل كعمرٍ كامل له ذاكرة خاصة.
في ذلك الصباح، كان في ملامحها شيء مختلف. شيء لا يُرى بسهولة، لكنه يُحسّ كفجوةٍ صغيرة في الهواء قبل الانهيار. شيء يشبه الفقد قبل أن يحدث، والنهاية قبل أن تجد اسمها.
وصلنا إلى عتبة الباب. ترددت لحظة بين الإقبال والانصراف، وهي التي لم تعرف التردد يومًا. ثم رنّت الجرس، وكأنه لم يعد إعلان وصول شخص، بل إعلان اقتراب خبرٍ كامل.
فُتح الباب ببطء، بصوتٍ يشبه انزياح الشك عن وجه الحقيقة. دخلنا، أو دخلت هي بعجلةٍ غير مألوفة، تحاول إخفاء ارتباكها كي لا تتحول إلى سؤال. سلامات عادية، وأحاديث عابرة، أثقلتها اللحظة، كأنها تسحبها من مكانٍ ظنت أنها وصلت إليه. ومع ذلك، لم يظهر شيء غير مألوف.
كنت خلفها أراقب المشهد كأنني داخل فيلمٍ بلا سيناريو مكتمل.
سألت عنه:
– أريد زيارته.
جاء الرد بهدوء:
– في البيت العلوي، فقد صار يختنق في الغرفة المعتادة، في سجنه المألوف.
صعدنا الدرج ببطء، وكل خطوة كانت أثقل من التي قبلها. الهواء في الطابق العلوي مختلف عما عهدناه ليس لأنه بارد أو حار، بل لأنه مشبع بشيء لا يُقال، بشيء يشبه النهاية حين تقترب دون إعلان.
وقفت أمام الباب. لم تطرقه هذه المرة، لم تستأذن.
دفعت الباب بخفة، كأنها تخشى أن ينهار العالم خلفه.
الغرفة ساكنة بشكل غير طبيعي. ذلك السكون الذي لا يشبه الراحة بل يشبه توقف الزمن عن أداء مهمته.الستائر نصف مفتوحة، الضوء يدخل خجولًا، كأنه لا يريد أن يشهد.
اقتربت من السرير، أمسكت يديه وسألت:
– كيف الحال؟
جاء الرد بصوتٍ خافت، أقرب إلى الصمت:
– بخير…
وجهه بدا أكثر تعبًا من المعتاد. رأت فيه الأب الحنون الذي تعرفه، لكن الملامح ذبلت، مالت إلى الصفرة، كأن الزمن قرر أن يختصره دفعة واحدة. جسده نحيل، وعيناه تفتحان بثقل. ومع ذلك، بقي فيه شيء واحد: قلبٌ حنون يعلن حضوره كأنه يعتذر بصمت.
ضغط على يدها بقوةٍ أقرب إلى الضعف، كأنه يقول ما لا يُقال: حب، وحدة، أو ربما اعتذار متأخر.
رفعتُ صوتي قليلًا خلفها :
— جدي… هل تسمعني؟
فتح عينيه بصعوبة، كأنهما تُسحبان من عمق التعب. نظر إليّ طويلًا، ولم يجب في البداية. فقط ارتسمت على وجهه ابتسامة هادئة وغريبة، جمع فيها ما تبقى من طاقته ليقول أكثر من مرة "شكرًا" و"أحبكم"، وكأنها محاولة لتثبيت لحظة قد تكون الأخيرة.
اقتربت أكثر، بصوتٍ أهدأ:
— لا تُتعب نفسك… ارتح قليلًا.
حرك أصابعه ببطء يبحث عن يدي. أمسكتُها فورًا. كانت باردة، لكنها ما زالت تعرفني.
همس بصوتٍ مكسور:
— كبرتم… بسرعة. ثم انقطع صوته مع تنفّسٍ ثقيل كأنه يذوب.
انخفض صوتي دون أن أشعر:
— وأنت لم تترك لنا وقتًا لنكبر معك.
همست أمي:
– نخليوك ترتاح.
وغادرنا الغرفة. لكننا في الحقيقة لم نغادر مكانًا بل حياة كاملة دون أن ننتبه كيف انكسرت داخلنا.
في طريق العودة، بقي كل شيء كما هو. لكن لا شيء يشبه ما كان. كنا نسير خارج الزمن، بخطواتٍ لا تشبهنا، شيئ ما انطفأ داخل كل واحد منا دون صوت. السكون لم يكن عاديًا بل ثقلًا يجلس بيننا في السيارة، يملأ المقاعد، ويخنق أي محاولة للكلام.
ثم، لأول مرة، انكسرت أمي. قالتها بصوتٍ خرج وكأنه لم يُولد من الحنجرة بل من مكان أعمق بكثير:
– أشعر أنه يحتضر…
لم أرد. ليس لأنني لا أملك جوابًا بل لأن الجواب كان في داخلي يصرخ بنفس الحقيقة. لكن الاعتراف به كان أشبه بسقوط شيء في القلب لا يُلتقط. حلّ الهدوء من جديد، هذه المرة لم يكن عاديا بل موجعًا. كل واحد منا يحاول أن يبتلع الحقيقة دون أن ينهار.
جاء الغد…
وجاء الخبر تأكيدًا متأخرًا لشيء عرفناه قبل أن يُقال وكأن القدر نفسه اعترف بأن تلك اللحظة التي ودّعناه فيها لم تكن زيارة بل كانت وداعًا أخيرًا بصوتٍ منخفض.
قيل لنا أنه لم يزره أحد بعدنا ولم تُسمع كلماته الأخيرة، ولم يُلتقط صوته وهو يذوب في النهاية. لم يشهدوا موته بل شاهدوا جسده فقط. أما نحن، فقد شهدنا احتضاره، لحظة بلحظة، كأننا وقفنا على حافة النهاية قبل أن تُغلق.
في صباح الجنارة، رفض البيت الاعتراف بما حدث. الأبواب تُفتح وتُغلق بهدوء مبالغ فيه، كأن كل حركة تخشى أن تفضح الحقيقة. لا أحد ينطق اسمه كاملًا، وكأن الحروف نفسها تثقل في الفم.
تحركت أمي داخله كأنها لا تنتمي إليه، تلمس الأشياء دون حاجة، وتعيد ترتيب ما لا يحتاج ترتيبًا، فقط كي تبقي نفسها واقفة. أما أنا، فكنت أتابع الصمت وهو يتمدد في كل زاوية، صمت لا يواسي… بل يكشف كل ما نحاول إخفاءه.
حين بدأ الناس يصلون، امتلأ المكان دفعة واحدة. أصوات السلام، خطوات متسارعة، وجوه تكرر السؤال نفسه بصيغ مختلفة، وكأن الجميع يحاول إثبات أن ما حدث حقيقي.
رأيته هناك. لم يعد كما كان في الذاكرة، ولا كما كان في الأيام الأخيرة. صار شيئًا ساكنًا أكثر من السكون نفسه. اقتربت أمي، توقفت طويلًا، ثم انكسرت دون صوت…
أما أنا، فلم أقترب كثيرًا. بقيت في الخلف، أحدّق في ملامحه بصمت، أبحث عن أي علامة تدل أنه ما زال هنا… لكن ما عاد هناك ما يُبحث عنه.
كل ما بقي، غرفة فارغة بطريقة لا تُحتمل.