سجين في بيتي - علاقة الإخوة - بقلم نهيلة شاكوك | روايتك

اسم الرواية: سجين في بيتي
المؤلف / الكاتب: نهيلة شاكوك
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: علاقة الإخوة

علاقة الإخوة

لم يكونوا إخوة كما يُفترض أن يكون الإخوة، لم تكن بينهم الألفة المعلنة في الضحكات، ولا التنافر الصريح الذي يعلو الأصوات. كانوا شيئًا غريبًا عالقًا بين الاثنين، علاقة بلا اسم، أقرب إلى الصمت منها إلى القرب. اعتدتُ، كأب، الحوار والالتماس والحب أساسًا لبناء الرابط الأسري، ورأت الأم في الحزم والصرامة أساسًا للانضباط. تأرجح الأولاد بين عالمين متناقضين، يرتكزون على حب واحد مثقل بطريقتين مختلفتين في التعبير. تحت سقف واحد، تقاسموا كل شيء: المأكل، الأحاديث، وحتى القواعد التي لا تُكتب بل تُفرض كقدر لا مهرب منه. ومع ذلك ظل كل واحد عالمًا قائمًا بذاته، بعيدًا عن الآخر رغم القرب المفروض. كنت أراقبهم من بعيد، أراهم يجلسون جنبًا إلى جنب، يتبادلون الكلام أحيانًا ويضحكون أحيانًا أخرى، لكن شيئًا خفيًا يقف بينهم؛ حاجز لا يُرى، لا يُكسر، ولا يُعترف به. كانوا يأتون إليّ حين تضيق بهم الكلمات، ويذهبون إليها حين يخافون من عواقبها. لم يكن في ذلك خلل واضح، بل توازن ظنناه كافيًا، لكنه لم يجمعهم، بل قسّمهم بصمت. كل واحد تعلّم أن يعيش بنصفه فقط؛ نصف يُرضي الأم ونصف يلوذ بي، أما ما تبقّى فقد تُرك معلّقًا في مكان لا يصل إليه أحد. ومع مرور السنوات، تعقد الأمر أكثر، إذ امتدت النزاعات بينهم لساعات طويلة بلا نهاية، كل واحد يحاول الحفاظ على صورة عائلة يشعر بالأمان فيها، أو على صورة والد يشعر أنه وفى بها، بينما الآخر أخفق. كانت خلافاتهم مثل بركان على وشك الانفجار، يحترق داخله كل شعور، لكنه يظل على الضفة، لا يحرق من هم بالقرب منه. الغريب أن الكره لم يتولد بينهم، وبقي الحب قائمًا، محاطًا بشروط، بالالتزام الصامت بالحدود أو بالرضوخ للهيمنة المؤقتة. شهدت أحد هذه الأحاديث عن قرب، رأيتهم يتجادلون بلا نهاية، يصر كل واحد على موقفه كأن العالم كله يتوقف عنده: — "لماذا يجب أن تفعل كل شيء بطريقتك؟" قال الأخ الأكبر، يلوح بيده نحو الصغرى. — "لأنك دائمًا تتصرف كما لو أن البيت ملكك!" ردت الأخرى، عينيها تتسعان من الغضب والصدمة. دخلت ضيفة جديدة، لم يكن حضورها عابرًا، بل اختبارًا لكل واحد منهم. ارتدى بعضهم قناع الانضباط ظنًا أنه سيكسب رضا الأم، متخذين قراراتهم كأنها ثابوت لا ينزاح، وكان الأكثر إثارة للدهشة أنهم أظهروا شرًا خفيًا أحيانًا، يقتنون حظًا من حب الأم بقسوة، تكشفه نظراتهم دون أن يعترف عقلهم به. آخرون فضلوا البرود والتوازن، ملامحهم تحمل ثقل الاستياء المكبوت، يراقبون كل حركة وكلمة، محافظين على شكل من النظام دون السماح للعاطفة بالانفجار. مع مرور الوقت، فقدت المشاهد وهجها الأولى. لم يعد كل شيء بصخب واضح، ولا كانت الكلمات تصرخ كما في البداية. تحوّل الجدال إلى همسات متقطعة، نظرات مشوشة، ومسافات بين الجلوس والحديث. ابتعد كل واحد عن الآخر تدريجيًا، بنفور هادئ يحميه من المواجهة. تحوّل البيت تدريجيًا من مسرح للصراع الخفي إلى فضاء من الصمت والابتعاد. المجالس التي كانت تحتضن الأصوات التصاعدية صارت تُترك بلا حضور، كل واحد يختبئ خلف طاولة أو كرسي، أو يختار زاوية بعيدة ليبقى بعيدًا عن الآخرين. أصبح كل ابتسام مقطوعًا، وكل حركة محسوبة، تحمل بقايا أثر الصراع السابق. حتى الأصوات الطبيعية للبيت صارت خافتة، كأن الجدران تحفظ هذا الصمت المنتشر. لم يعد النزاع صريحًا، لكنه لم يختفِ بالكامل؛ تحوّل إلى فراغ نفسي متبادل، يبعدهم عن التفاعل، ويجعلهم أسرى شعورهم الخاص بالاغتراب، بعيدين عن كل محاولة للتقارب، وعن أي فرصة لإعادة الحيوية التي كانت تهدّد استقرار البيت المرسوم بدقة على حساب القلب. في هذا الصمت، بدا الجميع يتعلم فن الابتعاد عن الذات وعن الآخرين في آن واحد، يعيشون حياة متوازية تحت سقف واحد، كل منهم يهرب من الآخر ومن نفسه، وحين تُلاحظهم ترى ظلالًا لما كانوا عليه، لكنهم لم يعودوا هناك فعليًا. مرت السنوات بلا حربٍ صريحة، بلا مصالحة مفاجئة، بلا فرح، فقط صمتٌ طويل يعكس حقيقة علاقة لا تعرف اسمًا، لكنها موجودة بطريقة هادئة، باردة، ومستقرة على نحو غريب.