البجعة السوداء - اللقاء المستحيل 🖤🦢 - بقلم أمينة شيحة | روايتك

اسم الرواية: البجعة السوداء
المؤلف / الكاتب: أمينة شيحة
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: اللقاء المستحيل 🖤🦢

اللقاء المستحيل 🖤🦢

بعد رنين مستمر، اهتز هاتف نوران للمرة العاشرة. نظرت إلى الاسم "رامي" وشعرت بغصة في حلقها؛ فهي لا تهرب منه، بل تهرب من حقيقةٍ تخشى أن تقتلهما معاً. بضعفاتٍ مرتجفة، ضغطت على زر القبول. ​نوران (بصوت يرتجف قليلاً تحاول جاهدة إظهاره ببرود): "أهلاً رامي.. كفى اتصالاً، لقد رنّ الهاتف حتى كاد ينفجر." ​رامي (بلهفة ممزوجة بالألم): "وأنا كدتُ أنفجر قبله! نوران، أرجوكِ.. فقط اسمعيني. لماذا هذا الرفض القاطع؟ لماذا تهربين كلما اقتربتُ خطوة؟ هل أخطأتُ في حقكِ دون أن أشعر؟" ​نوران (تستجمع قوتها وتتحدث بنبرة حادة): "لم تخطئ يا رامي، لكنك تسرعت. لنكن واقعيين، نحن لم يمضِ على أول لقاء بيننا سوى ثلاثة أسابيع. هل تعتقد فعلاً أن هذا وقت كافٍ للحديث عن زواج وارتباط أبدي؟" ​رامي: "الحب لا يعرف الساعة يا نوران، أنا شعرتُ بقلبي يختاركِ منذ اللحظة الأولى." ​نوران (تقاطعه بمرارة تخفيها): "هذا ليس حباً، هذا مجرد 'إعجاب لحظي' وتسرع في المشاعر. أنت أستاذي، ومن الطبيعي أن يحدث هذا الانجذاب، لكنه لن يصمد أمام الواقع. أنا الآن لديّ هدف واحد: إنهاء دراستي. التعليم هو سلاحي الوحيد، ولا أريد لأي عاطفة، مهما كانت، أن تكون مجرد 'تشتيت' يعيقني." ​رامي (يصمت قليلاً، محاولاً استيعاب صدّها القاسي): "تشتيت؟ هل وجودي في حياتكِ صار عبئاً؟" ​نوران (بصوت مخنوق): "أريد بناء مستقبلي أولاً، أريد أن أكون مستقلة.. الزواج ليس في حساباتي الآن." (في داخلها تصرخ: ليتك تعلم أنني أخاف أن أفقدك حين تكتشف ما فعله بي القريب الغريب، وكيف يطاردني شبحه في كل ليلة). ​رامي (بنبرة منكسرة لكنها محترمة): "حسناً يا نوران.. إذا كان هذا هو قراركِ، فإني أحترم رغبتكِ وأحترم قدسية طموحكِ. لن أفتح موضوع الزواج ثانيةً حتى تشعري أنتِ بالاستعداد، لكن.. لا تحرميني من وجودكِ كلياً." ​نوران (تتنهد براحة وهمية): "شكراً لأنك تفهمتني يا رامي." ​رامي (يحاول تلطيف الجو بصوت هادئ): "بما أننا وضعنا هذا الحاجز 'المنطقي' بيننا، أود دعوتكِ غداً لتناول العشاء. هناك صديق مقرب لي جداً، أريد أن أعرفكِ عليه وأن يراكِ.. مجرد عشاء بسيط، بعيداً عن ضغط المشاعر، هل تقبلين؟" ​نوران (تتردد، ثم تجيب بنبرة خافتة): "حسناً.. سآتي. طالما أنك ستلتزم بما اتفقنا عليه." ​رامي: "سألتزم.. سأنتظركِ غداً في الثامنة. ليلة سعيدة، يا نوران." ​أغلقت نوران الخط، وأسندت رأسها إلى الحائط، وهي تتساءل: إلى متى سأظل أختبئ خلف هذه الأعذار؟ استيقظت نوران على صوت رنين هاتفها المزعج في ساعة مبكرة من الصباح. كان الضوء يتسلل من بين شقوق الستائر، وشعور بالثقل جاثم على صدرها بعد ليلة قلقة. مدت يدها بتثاقل، لكن ملامحها تجمدت حين قرأت الاسم: "أحمد" . ​ الصمت لثوانٍ وهي تنظر إلى الاسم باشمئزاز وخوف، قبل أن تجيب بصوتٍ متحجر. نوران: "نعم.. يا أحمد." أحمد (بنبرة واثقة، فيها تملك مستفز): "صباح الخير يا خطيبتي العزيزة. ما بالكِ تأخرتِ في الرد؟ هل كنتِ تحلمين بي؟" نوران (بجفاء واضح): "كنتُ نائمة. لماذا تتصل في هذه الساعة؟" أحمد: "اشتقتُ إليكِ، ألا يحق للخاطب أن يشتاق لخطيبته؟ أريدكِ أن تكوني جاهزة في المساء، سنخرج معاً لتناول العشاء ، كما علينا ان نتفق على تحديد تاريخ زفافنا ." شحب وجه نوران، وشعرت بغثيانٍ يداهمها بمجرد سماع كلمة "زفاف" من الشخص الذي دمر حياتها. نوران (بسرعة واضطراب تحاول إخفاءه): "لا.. مستحيل. لن أخرج الليلة." أحمد (تتغير نبرته للهجة حادة ومريبة): "مستحيل؟ ولماذا؟" نوران: "أنا.. أنا لست بخير. أشعر أنني مريضة جداً منذ الصباح، وبالكاد أستطيع النهوض من سريري. كما أن لديّ اختباراً مصيرياً غداً في الجامعة، ويجب أن أدرس لساعات طويلة. لا وقت لديّ للخروج." أحمد (يضحك ببرود مستفز): "دائماً هذه الدراسة! اسمعي يا نوران، لا تحاولي التهرب. أنتِ تعلمين أنني أستطيع المجيء إلى بيتكِ والجلوس معكِ أمام والدتكِ إن كنتِ مريضة فعلاً، ولن يرفض لي أحد طلباً. لكنني فضلت أن نكون وحدنا." نوران (بحدة): "قلتُ لك إني مريضة، ولن أستطيع التركيز في أي كلام. أرجوك اتركني وشأني الآن، أحتاج للراحة وللمذاكرة." أحمد (بنبرة تهديد مبطنة): "حسناً، سأمررها لكِ هذه المرة بداعي 'المرض'. لكن تذكري، أنتِ ملكي في النهاية، سواء رغبتِ في ذلك أم لا.. وسرنا الصغير هو ما يربطنا للأبد. اعتني بنفسكِ جيداً." أغلق الخط، فارتجفت يد نوران وسقط الهاتف من يدها على السرير. كلمات "سرنا الصغير" كانت كالخنجر الذي يطعنها كل يوم. كيف ستقابل رامي الليلة؟ وكيف ستنظر في عينيه وهي تشعر أن "أحمد" يطاردها في كل زاوية من حياتها؟ حلّ المساء، وكانت المرآة تعكس وجهاً غريباً عن نوران؛ وجهٌ يحاول أن يبدو طبيعياً، هادئاً، وجميلاً، بينما في الأعماق زلزال لا يهدأ. اختارت فستاناً بسيطاً بلونٍ داكن، ووضعت لمسات خفيفة من الزينة لتخفي شحوب وجهها الذي خلفه اتصال أحمد الصباحي. بينما كانت تضع عطرها، دخلت الأم الغرفة، كانت نظراتها تتفحص ابنتها بكثير من الريبة والقليل من الرضا. الأم (بتساؤل): "أرى أنكِ استعدتِ عافيتكِ فجأة يا نوران؟ أخبرتِ أحمد صباحاً أنكِ مريضة ولن تغادري الفراش، فإلى أين أنتِ ذاهبة الآن بهذا الهندام؟" تسمرت نوران في مكانها، لكنها سرعان ما استجمعت شتات نفسها، وهي تعلم أن الصدق مع والدتها هو آخر خيار متاح. نوران (بهدوء مصطنع وهي تعدل حقيبتها): "أنا ذاهبة إلى منزل صديقتي 'هالة'. لقد اتصلت بي وهي في حالة سيئة جداً بسبب ظروف عائلية، ولم أستطع رفض طلبها. سأراجع معها بعض الدروس أيضاً لعل ذلك يخفف عنها وعني." الأم (بعقد حاجبين): "وهل هذا وقت مناسب؟ أحمد قد يتصل أو يأتي في أي لحظة، وأنتِ تعلمين أنه لا يحب خروجكِ بمفردكِ كثيراً، خاصة وأنكما صرتما في حكم المتزوجين." نوران (بمرارة حاولت كبتها): "أمي، أنا لستُ ملكاً لأحد بعد. ثم إنها مجرد ساعتين وسأعود. الاختبار غداً يحتاج لتركيز، وهالة هي الوحيدة التي تفهم المادة جيداً." الأم (تتنهد): "حسناً.. اذهبي، لكن لا تتأخري. ولا تجعلي خطيبكِ يغضب، نحن بغنى عن المشاكل، وأنتِ تعلمين هذا البيت، ودراستكِ التي تفتخرين بها، من وقف خلفها؟ منذ أن توفي والدكِ وتركنا في مهب الريح، لم يفتح لنا أحدٌ بابه سوى خالكِ. لولا ماله وسنده، لكننا اليوم نعيش في ضياع وحاجة." ​نوران: "لكن يا أمي، المعروف لا يُرد بحياتي وبتحطيم مستقبلي مع شخص لا.." كانت كلمات والدتها كالسوط على ظهر نوران. خرجت من المنزل وهي تشعر بالاختناق، الهواء في الخارج كان بارداً لكنه لم يكن كافياً لتبريد النيران المشتعلة في صدرها. دخلت نوران المطعم بخطوات مترددة، كان المكان هادئاً وإضاءته خافتة تزيد من توترها. لمحت رامي من بعيد يجلس إلى طاولة في الزاوية، وكان هناك رجل يجلس معه، لكنه كان يعطي ظهره للمدخل، فلم تستطع رؤية ملامحه. تقدمت بخطوات ثقيلة، وقلبها يخفق بشدة. ما إن رآها رامي حتى نهض بابتسامة عريضة، والبريق يملأ عينيه. رامي (بفخر وسعادة): "أهلاً نوران! كنتُ أعدُّ الدقائق لوصولكِ. تفضلي، أريد أن أعرفكِ أخيراً على أغلى أصدقائي، الشخص الذي طالما حدثتكِ عن رجولته ومواقفه." اقتربت نوران من الطاولة، بينما بدأ الرجل الجالس بالنهوض ببطء.. استدار بجسده وكأن الزمن توقف في تلك اللحظة. تسمرت نوران في مكانها، وشحب وجهها حتى صار بلون الرماد. لم يكن الصديق المنتظر سوى أحمد؛ ابن خالها، وجلادها، وخطيبها الذي ادعت أمامه منذ ساعات أنها طريحة الفراش. أحمد (بابتسامة باردة ومرعبة، ونظرة تخترق روحها): "أهلاً.. آنسة نوران. يا لها من صدفة لا تصدق! رامي حدثني كثيراً عن طالبته المتميزة، لكنني لم أتخيل أبداً أنها ستكون.. أنتِ." كانت الصدمة أقوى من قدرة نوران على الاحتمال. شعرت بالأرض تهتز تحت قدميها، وصوت رامي وهو يتحدث عن "صداقته القديمة بأحمد" صار بعيداً ومشوَّشاً كأنه آتٍ من بئر سحيق. تجمعت كل ذكريات الرعب، والتهديد، والخوف من الفضيحة في لحظة واحدة خنقت أنفاسها. أسودت الدنيا في عينيها، وارتخت أطرافها تماماً. وقبل أن ترتطم بالأرض، كانت يدا أحمد القويتان أسرع إليها، لتسقط مغشياً عليها في حضنه أمام نظرات رامي المذعورة والمنذهلة. رامي (بفزع): "نوران! ما الذي حدث؟ أحمد، احملها بسرعة!" أحمد (وهو يضمها إليه بقوة، وفي عينيه نظرة انتصار مظلمة): "لا تقلق يا صديقي.. يبدو أنها لم تحتمل مفاجأة رؤيتي هنا. اطلب الماء فوراً، أنا سأعتني بخطيبتي.. أقصد، بضيفتنا." كانت نوران غائبة عن الوعي، لا تدري أنها سقطت في يد الشخص الذي هربت منه طويلاً، وفي حضور الشخص الذي كانت تخشى أن تفقد صورته أمامها للأبد. _________________ كانت الأجواء داخل السيارة مشحونة بالتوتر والصمت، رامي يقود بسرعة جنونية وقلبه يكاد يتوقف خوفاً على نوران الغائبة عن الوعي في المقعد الخلفي، بينما كان أحمد يسند رأسها ببرود مريب، وكأنه يستمتع بلحظة الاستحواذ هذه. فجأة، اهتز هاتف رامي. أجاب بسرعة، وما هي إلا ثوانٍ حتى شحب وجهه وصرخ بذعر: "ماذا؟ الحريق في منزلي؟ وعائلتي بالداخل؟" توقف رامي على حافة الطريق، كان ممزقاً بين حبه لنوران وبين نداء الواجب والخوف على أهله. التفت إلى أحمد وعيناه تملأهما الدموع والارتباك. رامي (بصوت متقطع): "أحمد.. أرجوك، منزلي يحترق، عائلتي في خطر! لا أستطيع إكمال الطريق للمستشفى، يجب أن أذهب فوراً!" أحمد (بنبرة هادئة ومطمئنة، تخفي خلفها أنياب ذئب): "اذهب يا صديقي! لا تضيع ثانية واحدة. نوران في أمان معي، سآخذها إلى المستشفى وأبقى معها حتى تستعيد وعيها. اذهب واطمئن على أهلك، وأنا سأوافيك بالأخبار." رامي (يمسك يد أحمد بقوة): "أمانة في رقبتك يا أحمد.. اعتني بها جيدا و لا تتركها ." نزل رامي من السيارة واستقل سيارة أجرة بسرعة البرق متوجهاً إلى الكارثة التي حلت ببيته، بينما انتقل أحمد إلى مقعد القيادة ببطء مستفز. نظر عبر المرآة إلى وجه نوران الشاحب، وارتسمت على شفتيه ابتسامة منتصر سادي. أحمد (يهمس لنفسه وهو يغير مسار السيارة بعيداً عن المستشفى): "أرأيتِ يا نوران؟ حتى القدر يريدكِ لي. رامي ذهب ليطفئ نيرانه، وأنا الآن سأبدأ بإشعال نيراني الخاصة."