بين قلبين - الفصل الثاني عشر - بقلم اريج | روايتك

اسم الرواية: بين قلبين
المؤلف / الكاتب: اريج
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: الفصل الثاني عشر

الفصل الثاني عشر

لم أكن أؤمن أن المدن يمكن أن تكون باردة إلى هذا الحد… حتى وصلتُ إلى ألمانيا. ليس الطقس فقط… بل كل شيء. الوجوه… الشوارع… حتى قلبي… أصبح يتكلم بلغةٍ لا أفهمها. --- قالوا إنني هنا لأتعالج. "راحة نفسية"، هكذا وصفها الطبيب. لكنهم لم يسألوني… كيف يُعالج إنسان من شيءٍ لا يريد أن يُشفى منه؟ كنت أجلس أمامه… أستمع، أومئ، أبتسم أحيانًا، وأكذب كثيرًا. لأن الحقيقة… أنني لم أكن مريضة به. كنت… معلّقة فيه. --- فؤاد. حتى اسمه… لم يغادر رأسي. كان يمرّ في ذهني كأغنيةٍ لا تتوقف، كذكرى لا تريد أن تصبح ماضيًا. كنت أقول لنفسي كل ليلة: "غدير… انتهى الأمر." لكن قلبي… كان يهمس: "لم يبدأ أصلًا…" --- بدأت أتحسن… هكذا قالوا. صرت أستيقظ دون بكاء، أبتسم دون سبب، وأكتب… دون أن أنهار. لكنهم لم يعلموا… أنني فقط تعلّمت كيف أخفيه بشكلٍ أفضل. تعلمت أن أضعه في زاويةٍ هادئة من قلبي، وأعيش… وكأنه غير موجود. لكن الحقيقة؟ أنه كان… كل شيء. --- وفي يومٍ هادئ… أكثر من اللازم، اجتمعت عائلتي. نفس النظرات… نفس الجدية… ونفس القرار الذي لم أُستشر فيه. "سنبقى هنا." قالها أبي ببساطة… وكأنه لا يعلم أنه بذلك… يقطع آخر خيطٍ يربطني بحياتي. "حتى نحصل على الجنسية… هذا أفضل للجميع." الجميع… ابتسمت. لأنني فهمت… أنني لست من "الجميع". --- عدتُ إلى غرفتي، وأغلقت الباب ببطء… كأنني أخشى أن ينكسر شيء إن أسرعت. جلست على الأرض، وضممت ركبتيّ إلى صدري… وبكيت. لكن هذه المرة… لم يكن بكاء ضعف. كان… بكاء وعي. --- لأول مرة… اعترفت. "أنا أحبه." قلتُها بصوتٍ مسموع، وكأنني أوقّع على شيءٍ لا رجعة فيه. ضحكت بعدها… بسخرية موجعة. بعد ماذا يا غدير؟ بعد أن رحلتِ؟ بعد أن اختفيتِ دون تفسير؟ بعد أن تركتِه… دون حتى أن تمنحيه فرصة أن يفهم؟ --- تذكرت وجهه… طريقته في النظر… صوته حين كان يناديني… هل ما زال يتذكرني؟ أم أنني أصبحت مجرد صدفة… مرّت وانتهت؟ --- كنت أريد العودة… ليس فقط إليه، بل إلى نفسي… تلك التي كانت معه. كنت أريد أن أقف أمامه وأقول: لم أهرب منك… أنا فقط… لم أكن أعرف كيف أبقى.لم أتجاهلك… كنت أقاوم شيئًا داخليًا… كان أقوى مني.وحين فهمت قلبي… كنت قد ابتعدتُ أكثر مما يجب. --- لكن المسافات… لا تُختصر بالندم. وألمانيا… لم تكن مجرد بلد. كانت… حاجزًا. بين ما كنتُ أريده، وما فُرض عليّ أن أعيشه. --- صرت أخرج وحدي كثيرًا، أمشي في شوارع لا تعرفني، وأتخيل… أنه يسير بجانبي. أحدثه… أعاتبه… أضحك معه… ثم ألتفت… فلا أجد أحدًا. --- أصبحت أعرف الآن… أن أسوأ أنواع الألم، ليس أن تفقد شخصًا. بل أن تحبه… في الوقت الخطأ. --- وفي إحدى الليالي… وقفت أمام المرآة طويلًا. نظرت إلى نفسي، وسألت: "هل شُفيتِ يا غدير؟" ابتسمت… وكانت ابتسامة حزينة جدًا. لأنني أخيرًا… كنت بخير. لكن… بدونه. --- وضعت يدي على قلبي، وأغمضت عيني… وهمست: "سأعود يومًا… ليس لأستعيدك… بل لأخبرك… أنني أحببتك حقًا." ثم سقطت دمعة… هادئة… وصادقة… كحكايةٍ… انتهت قبل أن تبدأ. اللهم صلي على سيدنا محمد وعلى اله وصحبه أجمعين