لحظة عابرة🖤🦢
قطع حبل أفكارها المسمومة رنين هاتفها. رأت اسمه يتوهج على الشاشة، "الأستاذ رامي". مسحت دموعها بسرعة وكأنها تخشى أن يراها عبر الأسلاك، وحاولت جاهدة أن يستعيد صوتها توازنه قبل أن تجيب.
رامي (بنبرة دافئة): "نوران؟ كنت أفكر بكِ.. العطلة انتهت أخيراً، وأظن أننا نستحق احتفالاً صغيراً بعودتكِ سالمة. ما رأيكِ في عشاء هادئ الليلة؟"
ترددت للحظة، لكن شعوراً غريباً بالتمرد على واقعها دفعها للموافقة. "موافقة.. أحتاج حقاً للخروج."
وقفت أمام خزانتها، قررت أن تخلع ثوب الضحية ولو لليلة واحدة. اختارت فستاناً أسود بسيطاً يبرز رشاقتها وهدوء ملامحها، ولمسات خفيفة من الزينة أخفت شحوب وجهها. حين رأت نفسها في المرآة، لم ترَ "مِلكية أحمد"، بل رأت "نوران" التي تستحق أن تُحب.
في المطعم الهادئ، كان رامي ينتظرها. نهض حين رآها، وبدت في عينيه نظرة إعجاب صادقة جعلت قلبها يخفق بشدة.
رامي: "تبدين.. مذهلة. الفستان رائع، لكن وجهكِ هو الذي يمنحه هذا الضياء."
نوران (بخجل): "شكراً لك.. شعرت أنني بحاجة لأن أبدو جميلة لنفسي أولاً."
رامي (يلمس يدها بلطف): "أنتِ جميلة في كل حالاتكِ، لكن هناك حزناً خلف عينيكِ يا نوران.. أتمنى أن يمحوه وجودي الليلة."
مرت السهرة كالحلم؛ تحدثا عن كل شيء إلا "الواقع". كانت كلماته تداوي جروحها دون أن يدري، ورومانسية الحوار أعادت لها ثقتها بأنوثتها المكسورة.
بعد تلك الليلة، تكررت لقاءاتهما. كانت تنتظر انتهاء المحاضرة بفارغ الصبر. وفي إحدى المرات، بينما كانا يمشيان في ممرات الجامعة بعد رحيل الجميع:
رامي: "نوران، هل تعلمين أن المحاضرة اليوم كانت مملة جداً؟"
نوران (مبتسمة): "حقاً؟ لماذا؟"
رامي (يتوقف وينظر إليها بعمق): "لأنني كنت أقضي الوقت أراقب كيف تدونين ملاحظاتكِ، وكيف تغرقين في التفكير.. كنتِ أنتِ قضيتي الوحيدة اليوم، وليس القانون."
نوران (تضحك برقة): "أستاذ رامي.. أنت تغازل طالبتك الآن."
رامي: "لا.. أنا أتحدث مع الإنسانة التي سرقت انتباهي منذ اللحظة الأولى. نوران، بجانبك أشعر أن العالم أكثر بساطة، وأريد أن أكون السند الذي لا يخذلكِ أبداً."
استندت نوران إلى جدار الممر، وشعرت لأول مرة أن هذا القرب لا يخنقها بل يحييها. كانت حواراتهما مزيجاً من الفكر والعاطفة، كأن رامي يعيد صياغة مفهوم "الرجل" في عينيها؛ الرجل الذي يحترم عقلها قبل جسدها، ويطلب قلبها بالكلمة الطيبة لا بالتهديد.
نوران: "رامي.. وجودك يجعلني أشعر أنني بخير، حتى لو كان كل ما حولي عكس ذلك."
رامي: "ستكونين بخير دائماً ما دمتِ معي.. أعدكِ."
في تلك اللحظات، كانت نوران تنسى أحمد، وتنسى "الستر" القاتل، وتعيش فقط في صدى كلمات رامي التي كانت تهمس لروحها بأن الحب الحقيقي هو الذي يحررنا، لا الذي يستعبدنا.
في يوم من الأيام التي تلت عودتها، اتصل رامي بنوران وطلب منها أن ترتدي ملابس مريحة وتستعد لمفاجأة مختلفة تماماً. لم يخبرها إلى أين يذهبون، واكتفى بالابتسام طوال الطريق حتى توقفت السيارة أمام مساحة خضراء شاسعة يفوح منها عطر الطبيعة، وعلى مدخلها لوحة خشبية أنيقة كُتب عليها: "الخيول العربية".
اتسعت عينا نوران بذهول وفرحة طفولية: "إسطبل؟ رامي، كيف عرفت أنني أعشق الخيول؟"
أجابها رامي وهو يفتح لها باب السيارة: "لأنني أرى فيكِ كبرياء الخيل وحريتها، وشعرت أنكِ بحاجة لمكان لا يحكمه البشر، بل تحكمه الروح فقط."
كانت الأجواء داخل الإسطبل ساحرة؛ صهيل الخيول الممزوج بزقزقة العصافير، ورائحة القش النظيف. أخذها رامي من يدها نحو فرس بيضاء رشيقة، عيناها واسعتان وتفيضان بالهدوء.
رامي: "هذه 'نجمة'.. إنها تشبهكِ كثيراً، هادئة من الخارج لكن في داخلها قوة لا تُقهر. ما رأيكِ أن تحاولي لمسها؟"
اقتربت نوران بحذر، لكن رامي وضع يده خلف ظهرها بلطف ليشجعها. حين لمست يدها جبهة الفرس، شعرت برعشة غريبة، وكأن طاقة هذه الكائن النبيل بدأت تغسل التعب من روحها.
نوران (بصوت يملؤه التأثر): "رامي.. أشعر وكأنني أتنفس لأول مرة منذ دهر. هنا لا أحد يراقبني، لا أحد يملكني."
رامي (يقترب منها ويهمس): "وهذا هو الهدف. أريدكِ أن تتذكري دائماً أنكِ حرة كخيل لا تقبل القيد. أريد لروحكِ أن تركض هنا دون خوف."
خرجا بالخيل إلى ساحة الركض الواسعة. لم تكن نوران تجيد الركوب باحتراف، فجلس رامي خلفها على حصانه القوي، يمسك باللجام بيد، ويحيط خصرها باليد الأخرى لضمان توازنها، لكن لمسته كانت مختلفة تماماً؛ كانت لمسة حماية، لمسة تحترم كيانها وتمنحها الأمان لا التملك.
رامي: "تمسكي جيداً.. لن تقعي ما دمتُ خلفكِ."
نوران (تضحك من قلبها وهي تشعر بالهواء يداعب وجهها): "أشعر أنني أطير يا رامي! شكراً لأنك أعدت لي هذه الضحكة."
توقف الحصان في زاوية بعيدة تحت شجرة بلوط كبيرة. نزل رامي ثم ساعدها على النزول، وظلت يده ممسكة بيدها لثوانٍ إضافية.
رامي (ينظر في عينيها بعمق): "نوران، في هذا المكان، بعيداً عن صخب الجامعة وضيق الجدران، أعدكِ أنني سأكون لكِ الغابة التي تختبئين فيها، والساحة التي تتباهين فيها بقوتكِ. لن أسمح لأي إنسان أن يكسر هذا النور الذي في عينيكِ."
أحست نوران في تلك اللحظة بدمعة فرح تفر من عينها. رامي لم يكن يقدم لها مجرد "نزهة"، بل كان يقدم لها "وطناً" آمناً. مالت برأسها على كتفه، ولأول مرة، لم تشعر بالخوف من القرب، بل شعرت بأنها أخيراً وجدت المرفأ الذي تستحق أن ترسو فيه، بعيداً عن عواصف الماضي وغدر الذئاب. كانت الأجواء مليئة بالسعادة النقية، وكأن الشمس التي غابت عن حياتها طويلاً، قررت أن تشرق فقط من أجلها في ذلك اليوم.
تعددت اللقاءات وتوالت الأيام، وأصبح "رامي" هو المحطة الوحيدة التي تستريح فيها نوران من وعثاء واقعها. لم يكن رامي مجرد حبيب يغدق عليها بكلمات الغزل، بل كان يحيطها بنوع من الحب النادر، حب يمزج بين حنان الأب، وتقدير المعلم، وشغف الشريك.
كان يعاملها وكأنها "ابنته" التي يخاف عليها من نسمة الهواء، يراقب شحوب وجهها فيسألها عن غذائها ونومها قبل أن يسألها عن دروسها. إذا رآها متعبة، كان يترك كتب القانون جانباً ويأخذها لمكان هادئ، يكتفي فيه بالنظر إليها وهو يمسح على رأسها بحنوّ، وكأنه يحاول ترميم الشقوق التي تركها الزمن في روحها.
رامي (يهمس لها ذات مرة وهما يجلسان في مقهى دافئ): "نوران، هل تعلمين أنني أحياناً أشعر أنني مسؤول عن حزنكِ؟ أريد أن أنتزع كل ذكرى سيئة من ذاكرتكِ وأضع مكانها ضحكة واحدة فقط."
نوران (تنظر إليه بامتنان): "أنت تفعل ذلك بالفعل يا رامي.. معك أشعر أنني طفلة صغيرة، لستُ مطالبة بأن أكون قوية أو أن أثبت شرفي لأحد. معك أنا فقط 'نوران'."
كان رامي يقدس تفاصيلها الصغيرة؛ يلاحظ لمعة عينيها حين تتحدث عن أحلامها، ويشجعها على الكتابة والتعبير عن نفسها، وكأنه يبني لها حصناً من الثقة بالنفس لا يمكن لأحد اختراقه. لم يضغط عليها يوماً لتقترب أكثر من اللازم، ولم يطلب منها ما يخدش حياءها أو يذكرها بوجعها؛ بل كان يكتفي بلمسة يد حانية، أو قبلة رقيقة على جبينها تشعرها بأنها "مقدسة" في نظره، وليست مجرد جسد أو رغبة.
في إحدى الأمسيات، وبينما كان يوصلها إلى مقربة من منزلها، التفت إليها وقال بنبرة تفيض صدقاً:
"نوران، أريدكِ أن تعرفي أنني لستُ هنا لأكون عابراً في حياتكِ. أنا هنا لأكون الأرض التي تقفين عليها بثبات. إذا تعبتِ، اتكئي عليّ.. وإذا خفتِ، اختبئي في صدري. أنتِ لستِ مجرد طالبة في جامعتي، أنتِ قطعة من روحي أقسمتُ أن أحميها من غدر البشر."
كلمات رامي وأفعاله كانت بمثابة "علاج بالحب". ومع كل يوم يمر، كانت نوران تدرك أن الرجل الحقيقي ليس هو من يمتلك جسد المرأة بالتهديد، بل هو من يمتلك قلبها بالحنان، ومن يعاملها كأميرة وكابنة وكرصيد ثمين للحياة، تماماً كما يفعل رامي معها.
في إحدى الأمسيات التي كانت تعجّ بالسكينة، وتحت ضوء خافت في مكانهما المفضل، التفت رامي نحو نوران، وكانت نظراته تحمل ثقلاً عاطفياً لم تعهده من قبل. أمسك يدها بين كفيه بحنان أبويّ مفرط، ثم أخرج علبة صغيرة، وبصوت يرتجف من شدة الصدق قال:
رامي: "نوران.. لقد مررنا بالكثير، وفي كل يوم كنتِ تثبتين لي أنكِ الإنسانة التي أريد أن أكمل معها ما تبقى من عمري. لا أريدكِ حبيبة فقط، بل أريدكِ زوجة، وشريكة، وابنة لقلبي. هل تقبلين أن تكوني لي وأكون لكِ أمام الله والعالم؟"
في تلك اللحظة، تجمدت الدماء في عروق نوران. لم تشعر بفرحة العروس التي تُطلب للزواج، بل شعرت بسكين تخترق صدرها. انقبض قلبها وصار وجهها شاحباً كالموت. صدى كلمات رامي تداخل مع صدى كلمات أحمد: "أنتِ ملكي.. لا أحد سيقبل بكِ بعدما حدث".
نوران (بصوت مخنوق وهي تسحب يدها بسرعة): "رامي.. أنا.. لا أستطيع.. لا يمكنني!"
نهضت من مكانها بذهول، والدموع بدأت تحرق عينيها. لم تكن تهرب من رامي، بل كانت تهرب من الحقيقة المرة التي تلاحقها كظلها. كيف تخبره؟ كيف تقول لهذا الرجل الذي يقدسها أنها "محطمة" في نظر مجتمعها؟ وكيف تخبره أن هناك وحشاً يسمى أحمد يملك وثيقة "ستره" عليها بجريمة ارتكبها هو؟
رامي (بقلق وهو يحاول اللحاق بها): "نوران! ما بكِ؟ هل ضايقتكِ؟ أخبريني ما الذي حدث؟"
نوران (تصرخ بنبرة يملؤها القهر وهي تبتعد): "لا تسألني يا رامي! أنت لا تعرف شيئاً.. أنا لا أستحقك، اتركني وشأني!"
ركضت نوران وهي تشعر بالدوار. كانت تعيش صراعاً يمزق أحشاءها؛ من جهة، هناك رامي الذي يقدم لها الجنة والأمان، ومن جهة أخرى هناك أحمد الذي يهددها بـ "قطرات الدم" والشرف المهدور والفضيلة المزعومة. دخلت في حالة من التردد القاتل: هل تخاطر وتخبر رامي بالحقيقة وتتحمل ردة فعله؟ أم تستسلم لأحمد وتعيش ميتة في سجن الستر؟
كان خوفها من أن يراها رامي "ناقصة" أو "مدنسة" كما يردد أحمد في أذنيها دائماً، أقوى من رغبتها في السعادة. كانت تشعر أن اعتداء أحمد لم يكن على جسدها فقط، بل كان لغماً زرعه ليفجره في وجه كل لحظة فرح قد تعيشها مستقبلاً. عادت إلى غرفتها وأغلقت الباب، وارتمت خلفه وهي تصرخ بصمت: "لماذا يجب أن أدفع ثمن جرمه من سعادتي؟ ولماذا يطاردني الماضي كلما حاولت أن ألمس المستقبل؟".