الفصل الثاني والثلاثون والأخير
"استعدادات الرحيل"
داخل القصر، غرفة فسيحة تملؤها أضواء المشاعل ودفء الغروب. الطاولة في المنتصف تغطيها الخرائط والسيوف المصفوفة بعناية، والدروع اللامعة تنتظر من يرتديها. الجو يفيض بحزمٍ لا يعرف التردد.
سليمان يشد حزام درعه بقوة، عينيه متقدتان بالعزيمة. يقف بجانبه نزار وهو يراجع خريطة مفتوحة:
—كل شيء جاهز يا مولاي. الخيل تنتظر عند البوابة، والرجال الموثوقون يحيطون بالطريق. لن يجرؤ أحد على اعتراضنا.
يتقدم ليث، يمرر أصابعه على مقبض سيفه الجديد، ونبرة الفخر لا تخفى في صوته:
—لم يعد في القلب مكان للتردد. هذه رحلتنا، ولن نعود إلا ومعنا ما سنذهب من أجله.
غفران ترتدي عباءة سفر داكنة، تضع غطاء رأسها وتقول بثبات:
—لن يهزّنا الخوف ولا مكائد بلال. سنكون معك يا سليمان خطوة بخطوة حتى نصل إليها ونحررها.
يتوقفون جميعًا عندما يدخل الملك فهد بخطوات هادئة. يقف أمامهم، ينظر في أعينهم واحدًا واحدًا، ثم يقول بصوتٍ يحمل وقار الملوك ودفء الآباء:
—أنتم عماد هذه الأرض، وحملة الأمانة الثقيلة. اذهبوا بقلبٍ واحد، واثقين أن العدل لن يُهزم ما دمتم متماسكين. لتكن قوتكم في وحدتكم، ولتكن عودتكم نصرًا يكتب للتاريخ.
يتبادلون النظرات وقد امتلأت قلوبهم بالإصرار. سليمان يلتقط سيفه ويرفعه قليلًا أمامهم، صوته يخرج كالوعد:
—إذن فلنبدأ… إلى اليمامة.
تتقدّم المجموعة بخطوات ثابتة، يعلو صدى وقع أقدامهم في الأرجاء كأن القصر بأسره يشيّعهم نحو مصير مكتوب بالنار والعزيمة.
"رسالة لملك الفيروز"
في قصر الفيروز، حيث الجدران المرصعة بالزمرد والأحجار الكريمة تعكس أضواء المشاعل كأنها نجوم متلألئة. الملك هاشم يجلس على مقعدٍ عالٍ، حوله لفائف الرسائل الممهورة بأختام الملوك. يدخل أحد مبعوث مسرعًا، يركع أمامه ويقدم لفافة مختومة بختم مملكة النور.
هاشم يفتح الرسالة بعناية، عينيه تجول على السطور بسرعة، ثم يتوقف قليلًا، يزفر بعمق، كمن وجد ما كان يخشاه. يرفع نظره إلى السماء، ثم يقول بصوتٍ عميق:
—إذن… بلال لم يكتفِ بمكائده، بل جعل من خطف كارمن أداة جديدة للضغط. وسليمان… سيذهب بنفسه لمواجهته.
ينهض واقفًا، خطواته تهز الأرضية الرخامية، ويلتفت إلى قادته المجتمعين:
—سليمان ليس وحده في هذه المعركة. لقد عاهدت نفسي أن أقف بجانبه، كما يقف بجانبي القدر منذ عرفته. أعدّوا فرقة جديدة من الجنود، صفوة المقاتلين، ليكونوا سندًا له إلى جانب رجال فهد.
القائد الأول ينحني باحترام:
—كما تأمر يا سيدي. الجنود جاهزون لأية إشارة.
يقترب هاشم من النافذة الواسعة المطلة على الفيروز المتلألئ بضوء القمر، صوته يخرج كهمسٍ يحمل عزمًا لا ينكسر:
—سليمان يواجه قدره… وأنا لن أتركه يقاتل وحده. لتتحرك الفيروز، ولتعلن أن زمن الوحدة قد بدأ.
يرتفع صدح الأبواق من أبراج القصر، والجنود يصطفون في الساحة استعدادًا للرحيل، كأن الفيروز كلها تستعد لكتابة فصل جديد من حكاية الممالك.
"لحظة الرحيل"
أبواب مملكة النور الضخمة تنفتح ببطء، تصدر صريرًا كأنها تنهض من سباتٍ عميق. خلف الأسوار، يصطف الجنود في صفوفٍ متراصة، دروعهم تلمع تحت وهج المشاعل، والخيول تصهل كأنها تبصر نذر المعركة القادمة.
سليمان يقف في المقدمة، مهيبًا بهيبته، نظراته ثابتة تحمل خليطًا من العزم والحزن على ما عرفه. إلى جانبه نزار، عيناه لا تفارق سيده، وجهه صارم كالحجر. خلفهما ليث، ممتطيًا جواده بفخر واعتزاز، بينما غفران تقترب، عباءتها تتطاير مع نسمات الفجر، وصوت قلبها يكاد يفضح قلقها.
يتقدم الملك فهد، يضع يده الثقيلة على كتف سليمان، بنظرةٍ أبوية تمزج الحزم بالحنين:
—طريقك محفوف بالمخاطر يا سليمان، لكنك لست وحدك. مملكة النور كلها معك، وابني ليث سيكون عونًا لك، كما كنتَ أنت عونًا لي يومًا.
ينحني سليمان احترامًا، ثم يرفع رأسه بعزم:
—وعدت نفسي ألا أترك أحدًا يعبث بمصير هذا الشعب، وسأعيد كارمن مهما كلّف الأمر.
غفران تتقدم خطوة، تحدق فيه بعينين دامعتين لكنها ثابتة:
—لن أدعك تخوض هذه الرحلة وحدك، حتى لو وضعت حياتي ثمنًا.
ليث يرفع سيفه عاليًا، صوته يجلجل بين الجموع:
—أقسم أن أقف إلى جوارك حتى النهاية، عمي سليمان.
نزار يضع يده على مقبض سيفه، ويقول بصرامة:
—نحن أربعة، لكن عزيمتنا تعادل جيوشًا.
من بعيد، تُسمع أصوات الأبواق تعلن ساعة الرحيل. الخيول تُقاد إلى الأمام، والسيوف تلمع مع أول خيوط الشمس الصاعدة.
سليمان يعتلي جواده، يرفع يده نحو الجنود:
إلى اليمامة… إلى حيث ينتظرنا القدر.
فتتعالى هتافات الجنود، وتتحرك القافلة ببطء، لتبدأ رحلة لا عودة منها إلا بالنصر أو الفناء.
"خطة الإلهاء"
في قصر الفيروز، حيث النوافذ المزخرفة ينساب منها الضوء الذهبي على جدران منقوشة بالزمرد، جلس الملك هاشم في مجلسه الفسيح. السكون يملأ المكان إلا من خفق أجنحة طائر يحوم عاليًا، كأن القصر نفسه يترقب ما سيخرج من بين شفتي الملك. عيناه كانتا تلمعان بدهاء يفضح ما يحاك في صدره، وكأن كل زاوية في القاعة تحفظ سرًا من أسراره.
رفع هاشم يده ببطء، فأشار إلى أحد رجاله المخلصين ليتقدم، صفوت رجل في منتصف العمر، عريض المنكبين، يقف منتصبًا في انتظار أوامر لا يعلم إن كانت ستكلفه حياته أم تزيده قربًا من سيده.
هاشم بصوت خفيض لكنه نافذ كحد السيف:
– بلال يظن أنه يملك الخيوط جميعها… لكنه لا يعلم أن الخيوط الحقيقية بين أصابعي أنا. لقد انشغل بظلال الثوري الغامض، والآن جاء وقت أن أضيف نارًا جديدة إلى صدره.
ينهض الملك هاشم من عرشه، خطواته بطيئة لكنها تحمل ثقل الملوك، يتوقف أمام الرجل، يضع كفه على كتفه ويقرب فمه من أذنه كمن يزرع سرًا خطيرًا.
هاشم بابتسامة ماكرة:
– الليلة، ستخرج بين الناس. ستدخل الأسواق والطرقات، وتجلس بين التجار والحرفيين، وتهمس في آذانهم بما سيشعلهم… قُل إن الرجل الثوري الغامض الذي يلهب قلوب الشعب ليس سوى راجح نفسه.
يرفع الرجل رأسه بدهشة، وعيناه تتسعان، لكن لسانه يظل مكبوتًا خشية أن يقاطع سيده. فيتابع هاشم بخطاب أقرب إلى السحر:
– اجعل كلماتك كالنار في الهشيم اليابس، لا تترك صدرًا إلا ويدخله الشك، ولا مجلسًا إلا ويعلو فيه اللغط. إذا سمع عشرة، فليكن كل واحد منهم شعلة توقد عشرات أخرى. اجعلهم يتناقلون الأسم حتى يصل إلى آذان بلال نفسه.
يتنهد هاشم، ثم يبتسم ابتسامة واسعة تحمل نبرة النصر، يرفع يده في الهواء كأنه يرسم مشهدًا تخيله مسبقًا:
– حينها سيلتهم الغضب بلال، وسيغدو راجح في نظره خائنًا متآمرًا. سيتحول تركيزه عن الشعب إلى صراع شخصي، ينهش بعضهم بعضًا… بينما نحن نراقب من بعيد ونحرك الخيوط كما نشاء.
يسود الصمت لحظة، لا يُسمع فيها إلا أنفاس صفوت المأمور. ثم يقترب هاشم أكثر ويضغط على كتفه بشدة حتى يكاد يئن، وصوته ينخفض بنبرة آمره:
– تذكّر، لا تترك أثرًا خلفك. كن كالظل الذي يمر ولا يُرى، كن كالصوت الذي لا يُعرف مصدره. وإن عدت سالمًا، ستجد بانتظارك ما لم تتوقعه من مكافآت.
ينحني صفوت احترامًا، صوته يرتجف وهو يرد:
– أمرك مطاع، يامولاي.
ينسحب بخطوات سريعة، وصوت نعاله يتلاشى شيئًا فشيئًا في ممرات القصر. يبقى هاشم وحيدًا، يعود إلى عرشه ببطء، يستند إلى ذراعيه، وابتسامة ماكرة ترتسم على وجهه. يغمض عينيه قليلًا، وكأن الصورة اكتملت في ذهنه، ثم يفتح شفتيه هامسًا لنفسه:
– ليغرق بلال في وهمه، وليغتسل راجح بدمائه… وسأظل أنا، ملك الفيروز، الحَكَم الذي يقرر النهاية. ليستعيد سليمان ما نزع منه بالغدر
"قلق في قلب الشقيقة"
في أرجاء القصر العتيق، حيث يختلط عبق التاريخ ببرودة الجدران، جلست سهام وحيدة للمرة الأولى منذ زمن طويل. الغرفة غارقة في سكونٍ ثقيل، تتمايل ألسنة الشموع فوق المنضدة الصغيرة، ترسم على الجدران ظلالًا مرتعشة كأنها أرواح قديمة تراقبها من بعيد. أرسلت أنفاسًا مضطربة وهي تحدّق في الفراغ، يداها متشابكتان بقوة حتى شحب لون أصابعها.
انفلت منها صوت متهدّج:
_ يا إلهي… إنهم ذاهبون إلى مصيرٍ لا يُعلم منتهاه… غفران التي لم تعرف يومًا معني الدفئ، وليث الذي ما زال يلفه الغموض… وسليمان الذي كنه نجهل هويته بأنه ملك… كيف لي أن أطمئن؟ كيف أهدأ ونيران القلق تأكل صدري؟
انتقلت بنظرها إلى النافذة، حيث السماء تحجبها سحب داكنة، والرياح تعصف بأغصان الأشجار فتصرّ كأنها تئن معها. رفعت رأسها قليلًا نحو السقف وهمست بحرقة:
—لو كان بيدي لذهبت معهم، ولو كان في قلبي بعض الطمأنينة لما مزقتني هذه المخاوف. يا الله كُن حارسهم
شعرت بارتجافةٍ تسري في جسدها، فوضعت كفها على صدرها علّها تهدئ خفقان قلبها. ثم أطرقت رأسها، تغالب دمعة حائرة، وهمست لنفسها بصوتٍ يملؤه الخوف:
— لا أريد أن أفقد أحدًا منهم… لا أريد أن يكون الغياب هو الثمن.
وفجأةً، تردّد صرير الباب في الغرفة، فتسمرت مكانها. انفتح الباب ببطء، وظهر أحد الحراس بخطوات ثابتة. انحنى قليلًا احترامًا، وصوته الجاد يملأ الأرجاء:
—سيدتي، الملك فهد يطلب حضورك على الفور.
شهقت سهام خفيفة، اتسعت عيناها دهشة، وكأن الخبر نزل عليها كالصاعقة:
—الملك فهد… يريدني أنا؟ الآن؟!
أجاب الحارس بحزمٍ لم يخلُ من الوقار:
—نعم يا سيدتي، الأمر عاجل ولا يحتمل تأخيرًا.
نظرت إليه مطولًا، ثم أشاحت بعينيها جانبًا، وارتجفت شفتاها وهي تتمتم:
—ما الذي يريده مني في هذا التوقيت؟ وهل للأمر علاقة بما يحدث لغفران أو لسليمان أو عمار؟
ازدادت أنفاسها اضطرابًا، وكأن الهواء في الغرفة صار أثقل من احتماله. نهضت ببطء، تسند يديها على طرف المقعد الخشبي، وقلبها يخفق بقوة حتى كاد يسمعه الحارس نفسه. خطت خطوة ثم توقفت، ألقت نظرةً خاطفة إلى الشموع المرتعشة، وتمتمت بصوتٍ خافتٍ واهن:
اللهم احفظهم، اللهم أعدهم سالمين، ولا تجعلني شاهدة على فاجعةٍ أخرى.
مدت يدها إلى وشاحها ترتبه على كتفيها، ثم تقدمت نحو الباب بخطى مترددة، والحارس ينحني ليُفسح لها الطريق. ومع كل خطوةٍ تخطوها، كانت تشعر أن قدميها تسيران نحو مجهولٍ أكبر من مخاوفها، وأن لقاءها بالملك قد لا يكون مجرد استدعاء عابر، بل بداية فصلٍ جديد في قدرها وقدر من تحب
"ارتباك رجال بلال"
في أسواق المملكة، كان الضجيج يعمّ الأرجاء؛ أصوات الباعة تتعالى بالنداءات، رائحة التوابل تختلط برائحة الخبز الطازج، وأصوات الحمام والخيول تجري بين الأزقة. ومع كل ازدحام، كانت الهمسات تنتشر كالنار في الهشيم.
رجال بلال بملابسهم الداكنة يتوزعون بين الناس، يراقبون بحذر، يلتقطون أطراف الأحاديث. لم يعد صخب السوق كالسابق؛ بل صار مشبعًا بكلمات مبطنة.
مرّ أحد الجنود بجوار دكان صغير، فسمع رجلًا مسنًّا يهمس للآخر:
— سمعت ما يتردد؟ يقولون إن راجح هو الثوري الغامض، ذاك الذي يشعل نيران الغضب في القلوب. ليسقط عرش بلال
قال الثاني بصوتٍ خافت وهو ينظر حوله:
— نعم، الجميع يتحدثون بذلك. يبدو أنه يطمع بالعرش حقا.
شدّ الجندي قبضته على مقبض سيفه، وأسرع إلى رفيقه:
—هل سمعت؟! هذه الأقاويل تملأ المكان!
الجندي الثاني:
—سمعت أكثر من ذلك… يقولون إن تحركات راجح هي التي تقود الشعب ضد الملك بلال.
تجولوا أبعد قليلًا، وفي زاوية أخرى من السوق، تكررت النغمة ذاتها
امرأة تهمس لجارتها، شاب يقسم أنه رأى راجح بين الثائرين، وآخر يحكي وكأنه على يقين أن راجح يريد أن يقتنص الملك.
ارتبك الرجال، تبادلوا نظرات مشدودة، حتى قال أحدهم بقلق:
—هذه لم تعد مجرد إشاعة عابرة… إنها تُزرع عمدًا في القلوب. إن استمر الحال هكذا، فالشعب سيثور لا محالة.
اقترب القائد منهم، كان وجهه متجهمًا وعيونه متقدة بالريبة، قال بنبرة حاسمة:
—علينا أن نرفع هذا الخبر فورًا إلى الملك بلال. لا يُعقل أن يترك الأمر دون رد. إذا ظن الشعب أن راجح هو من يقودهم، فإن مكانة الملك ستتهاوى.
تجمعوا على عجل، غادروا السوق بين نظرات الناس التي امتلأت بالشكوك والهمسات، وكل كلمة يسمعونها تزيد يقينهم أن هناك يدًا خفية تحرك هذه النيران.
ومع اقترابهم من القصر، أدركوا أن ما سمعوه قد لا يكون إلا بداية عاصفة تهدد عرش بلال، وأن أسم راجح بات يتردد كالشبح، حاضرًا في كل حديث، غائبًا عن الأعين… لكنه الأخطر بينهم.
"رسالة تُطمئن القلوب"
في قاعة العرش داخل قصر النور، بدت الأجواء ساكنة كأن الصمت نفسه يتهيّب هيبة الملك الجالس وحده على عرشه. المشاعل المعلقة على الجدران أرسلت ضوءًا متراقصًا رسم ظلالًا طويلة على الأرضية الرخامية. أمامه طاولة كبيرة مرصوفة بالخرائط والرسائل القديمة، كأنها شاهدة على معارك وحيل مضت.
دخل أحد الحراس بخطى ثابتة، يحمل بين يديه رقعة مختومة بالشمع الأخضر، يعلوها شعار مملكة الفيروز. انحنى باحترام شديد، وصوته يخرج بخفوت:
سيدي الملك، رسالة عاجلة من الملك هاشم.
مدّ فهد يده ببطء، كأن ثقلاً خفيًا يستقر على كتفه قبل أن يلمس الرسالة. أخذها، قلّبها بين أصابعه لحظة، ثم كسر ختمها بعناية. عيناه ثبتتا على السطور، وكل كلمة كانت تترك أثرًا عميقًا في ملامحه. قرأ بصوت عميق، يتردد صداه في القاعة:
– أخي في العهد فهد… خطتنا في وقوع بلال وراجح على وشك النجاح. الشعب يغلي غضبًا، والإشاعات التي دسستها الألسنة بدأت تهز ثقتهم. لم يبقَ إلا أن تنغلق الدائرة عليهما، وحينها سيجدان نفسيهما وحدهما في مواجهة المصير. اثبت كما عهدتك، فساعة الحسم تقترب.
هاشم...
صمت الملك لحظة، عينيه معلقتان بالفراغ، ثم أنزل الرسالة على الطاولة. أصابعه أطبقت فوقها بقوة، حتى كاد يثني أطراف الرقعة. ملامحه تمازج فيها الصرامة بالفخر، كأنه يرى في هذه الكلمات وعدًا ونبوءة في آنٍ واحد.
نهض ببطء من مجلسه، وتقدّم نحو النافذة الواسعة المطلة على حدائق القصر. الهواء البارد لامس جبينه، فتنفس بعمق وهو يحدق في الأفق البعيد، حيث تتلاقى السماء مع حدود المملكة. بدا كأنّه يخاطب الغيب بصوت متدرج:
– أخي في العهد هاشم… لن أخذلك. إن بلال وراجح ظنّا أن سلطانهما حصن منيع، لكنهما لا يعلمان أن الشقوق بدأت تنهش جدار قوتهم. حين يسقطان في فخ غرورهما، لن يجد الشعب إلا من يستحق أن يقوده نحو النور.
عينيه اشتدّ فيهما البريق، وابتسامة حازمة مرّت على شفتيه، تحمل يقينًا بالنصر القريب.
عاد بخطوات بطيئة إلى العرش، جلس عليه مستندًا إلى مسنده العالي، بينما الرسالة ما زالت على الطاولة أمامه، كأنها تلمع بوهج غامض تحت ضوء المشاعل.
في تلك اللحظة بدا القصر بأسره وكأنه يحفظ سرًا خطيرًا، سرًا لا يعرفه سوى فهد و هاشم… سرًا قادرًا على قلب الموازين في لحظة.
"قصر اليمامة تحت الحصار"
كان الليل يزداد ثقلاً على قصر اليمامة، والريح تعصف ببواباته العالية كأنها تختبر قوته. ألسنة المشاعل الموزعة على الأسوار ترقص مع الهواء، بينما وقع خطوات الجنود يملأ الباحة الواسعة في انسجام صارم، يشي بأن ساعة الحسم تقترب.
يتقدّم سليمان بخطوات ثابتة، تعلوه هيبة القائد الذي يعرف أن أي خطأ بسيط قد يُفشل كل شيء. إلى جانبه نزار وغفران وليث، والجنود مصطفّون خلفهم بانتظار الأمر. يرفع سليمان يده فيسود الصمت، حتى صرير الأبواب الحديدية كأنّه انحنى له لحظة.
سليمان بحزم وهو يوزّع نظراته:
– من هذه اللحظة… كل نفس محسوب. بلال وراجح في قبضتنا، لكن الغفلة هي العدو الأكبر. لتكن كل خطوة كالسيف، لا يراها إلا من تذوق حدّها.
يتقدّم نزار، يضع يده على مقبض سيفه، صوته يخرج عميقًا وقويًا:
–دلنا على مواقعنا، وستجدنا حيث أشرت… لا نتراجع ولا نلين.ولكنِ اشعر بلُ تتحدث في الخفاء ولكنها ليست ضدنا
سليمان يلتفت أولاً إلى غفران، يحدّق في عينيه بثقة:
– وليكن يا نزار، غفران… معك عشرة من الجنود. توجهوا فورًا إلى البوابة الشرقية. اجعلوا أعينكم على الداخل والخارج، لا تسمحوا لظل أن يعبر. إن اقترب غريب، حاسِبوه قبل أن ينطق بكلمة.
غفران تميل برأسها بانضباط:
– البوابة ستكون عيني وعين كل جنودي معي. من يجرؤ على العبور… لن ينجو، لا تقلق
ثم يوجّه سليمان بصره إلى ليث:
– أما أنت يا ليث… الممرات الخلفية في عهدتك. معك خمسة عشر جنديًا، سيروا بخفّة الصقر. لا أريد ضجيجًا ولا ارتباكًا، لكن أي أثر لخيانة أو تحرّك من رجال بلال… اقضوا عليه قبل أن يتنفس.
ليث يضرب صدره بكفه:
–الممرات ستكون قبورًا للخونة… لن يفلت أحد من قبضتنا. سيدي
يلتفت سليمان نحو نزار، وفي نبرته شدّة ممزوجة باليقين:
– نزار… خذ الفرسان المجهّزين واحتلوا الطريق المؤدي إلى الساحة الكبرى. إن فكّر بلال أو راجح في الهرب، فليجدوا سيوفكم في وجوههم. اجعلوا الأرض من تحتهم نارًا.
نزار يشد قبضته على سيفه وعينه حادة تقدح شراراً:
–سيفي لن يعرف النوم هذه الليلة. من يجرؤ على الفرار، سيجد الموت أسرع من خطاه.
سليمان يتنفّس بعمق، يرفع صوته ليلتقطه كل جندي في الساحة:
– أما البقية تقسم قسمين: الأولى تحاصر القصر من الخارج، تترصّد أي تعزيزات قد يرسلها الخائن. الثانية تبقى معي في الداخل، كالسور الحامي. لن ندع شيئًا للصدفة.
لحظة صمت قصيرة تخيّم، يسمع فيها الجنود صرير الريح وارتطام الدروع ببعضها. يتقدّم سليمان خطوة، يخفض صوته وكأنه يضع سرًا في آذانهم:
– اعلموا أن الليلة فاصلة… سنكتب بدمنا أن الخيانة لا تعيش بيننا. من يقف في وجهي اليوم… لن يعرف فجر الغد.
نزار يضع يده على كتف سليمان:
–لن نتراجع، دماؤنا فداء لهذا العهد. يامولاي أنت من يستحق أن يجلس على هذا العرش مجددا وسنفعلها سويا.
غفران تبتسم ابتسامة باردة، وهي ترفع سيفها قليلًا:
– ليكن العدل شاهداً علينا.
ليث ينظر إلى البوابات الضخمة:
– وليكن القصر شاهدًا أن لا خائن يخرج من أحشائه حيًا.
بإشارة واحدة من يد سليمان، تنقسم الفرق وتتحرك في صمت، كل مجموعة تتوارى في الظلام نحو موقعها المحدد، بخطوات دقيقة، كأنهم أشباح تتوزع حول قلب القصر. ومع رحيلهم، يظل صوت سليمان يتردّد بين الجدران العالية:
هذه الليلة… لا مكان للخيانة.
"الغضب يشتعل في قاعة عرش"
في قاعة العرش، حيث الأضواء الخافتة تنعكس على أعمدة شاهقة وأرضية رخامية باردة، جلس بلال على مقعده الكبير، أصابعه تطرق على مسند العرش كأنها مطارق خفية تكسر صمته. الجو مشحون، والجنود والحراس مصطفون على الجانبين في توتر ظاهر.
دخل ثلاثة من رجاله المقرّبين، وجباههم مثقلة بالعرق من أثر الجهد والخوف. انحنوا قليلًا ثم وقفوا في خشوع أمامه.
قال الأول بصوت مرتجف وهو يرفع رأسه:
– مولاي… الأخبار تنتشر كالنار في الهشيم. في الأسواق والطرقات، بين العوام والتجّار… الكل يتحدثون. يقولون إن راجح هو الثوري الغامض الذي يشعل القلوب ويحرّض الشعب ضدك.
تقدّم الآخر، يضيف وكأن الكلمات تخرج من فمه مضطرّة:
– حتى في المقاهي، الأطفال يرددون اسمه، والنساء في البيوت يتناقلن الأخبار. صورته تكبر في أعين الناس، بينما الغضب منك يزداد بينهم
بلال يحدّق فيهم بعينين متّقدتين، ينهض بغتة من على عرشه، صوته يدوّي في القاعة:
– أكاذيب! مؤامرة تُحاك لإسقاطي، وهل الشعب أعمى إلى هذه الدرجة ليتبع رجلاً ضعيفًا مثل راجح؟!
يضرب بقبضته على مسند العرش، فيرتجّ صدى المعدن في أرجاء القاعة. يقترب بخطوات ثقيلة من رجاله، يقف أمامهم كذئب جائع.
بلال بغضب مكتوم يخرج من صدره:
– أريد هذا الرجل… أريد راجح أمامي هنا، مُلقى عند قدميّ. سأجعله عبرة لكل من تسوّل له نفسه أن يتلاعب بعقول الناس ضدي
يتلعثم الثالث محاولا أن يشرح:
– لكن يا مولاي… لم يُرَ في الأسواق بنفسه. لا أحد يعرف من أين يأتي ولا إلى أين يذهب. فقط… الشائعات تسبقه كأنها ظلّ لا يُمسك.
يصفع بلال الهواء بكفه، يقاطعه بنبرة أمر لا تحتمل النقاش:
– ابحثوا عنه بين الأزقة، في الممرات، في الجبال والوديان إن لزم! لا أريد أن أسمع غدًا أن الشعب يرفع اسمه على الألسنة أكثر. من هذه اللحظة… كل ساعة تمر وهو طليق هي خيانة منكم لي
ينحني الرجال برؤوسهم، يرددون بصوت واحد:
–أمرك مولاي.
يتراجع بلال إلى عرشه ببطء، لكن الغضب لا يترك وجهه، يهمس لنفسه بحدة:
– راجح… سأمزّق هذه الأسطورة من جذورها، قبل أن تُثمر نارًا تحرق عرشي.
"السيطرة من الداخل"
هدوء ثقيل يلف قصر اليمامة، كأن الجدران نفسها تحبس أنفاسها في انتظار الانفجار القادم. أربعة ظلال افترقت داخل الممرات، كل واحد منهم يحمل همًا وسلاحًا، لكنهم جميعًا يتحركون على خيط واحد مشدود نحو غاية واحدة: إنقاذ كارمن والسيطرة على القصر.
سليمان كان يشق طريقه عبر الممرات الشرقية. كل خطوة منه كانت تحمل ثقل ملك عاد ليسترد مكانه. الجنود الذين صادفوه بأسلحتهم توقفوا فجأة، عيونهم اتسعت بدهشة، ثم انحنوا في صمت وخضوع، وتركوا مواقعهم لينضموا إليه دون كلمة. صوته الحاسم اخترق الصمت:
–من اختار الحق… فليتبعني، ومن أختار الباطل، فسيُسحق مع الظالم.
نزار في الممر الغربي كان يراقب بدقة كل زاوية. عيناه كالسهام لا تهدأ، يوجه الجنود بكلمات قصيرة وهادئة، لكن وازنة:
–افتحوا الأبواب… دعوا الطريق خاليًا لسيدكم. لا تخشوا، فأنتم مع صاحب الحق.
وبسرعة انضم إليه عدد من الجنود الذين كانوا يترقبون إشارة، فصاروا صفًا منضبطًا خلفه. حتي جنود القصر انضمه ليهم بنظر فخر واشتياق
ليث تحرك في الساحة الداخلية، خطواته واثقة وصدره مرفوع، كأنه وجد نفسه أخيرًا في مكانه الصحيح. وقف أمام مجموعة من الحراس، رفع سيفه عاليًا، وصاح بحماس:
–أنا حارس الملك سليمان، ومن يجرؤ على الوقوف ضده سيواجهني أولًا.
ارتبك الحراس، تبادلوا نظرات متوترة، ثم ألقوا أسلحتهم أرضًا وانضموا إليه، مبايعين.
أما غفران، فقد تسللت بين الردهات المؤدية إلى الغرف العلوية، متخفية بردائها الداكن. كانت تعرف أن عيون النساء في القصر عليهن أن ينقلن الأخبار قبل أن تصل إلى آذان بلال. اقتربت من إحدى الخادمات، همست لها:
–الحق عاد… وسليمان هنا. لا ترفعي صوتك، لكن انشريها بين الجميع. ليتلقها ملككم المزعوم
ارتجفت الخادمة ثم أومأت برأسها، وكأنها تحمل بشارة سرية تنتظر من يسمعها.
تقاطعت خيوط الأربعة في نقطة واحدة
اندفع جندي نحو سليمان لاهثًا وهو يقول:
–مولاي… وجدناها. المرأة التي تبحث عنها في الغرفة الشرقية، في القبو خلف الأبواب الحديدية.
لم يتردد سليمان لحظة، شق طريقه بقوة حتى وصل. كل جندي يلقاه يفسح له الطريق وينضم إلى صفوفه. وعندما دفع الباب الحديدي، سُمِع صداً صريره في القصر بأكمله. اخذ مفتاح الغرفه من احدي الحراس
داخل الغرفة المظلمة، ظهرت كارمن جالسة على الأرض، مقيدة بقيود غليظة، عيناها نصف مغلقتين من التعب.
ركع سليمان أمامها، أصابعه المرتعشة تفك القيود، وعيناه لا تفارقان ملامحها.
كان داخله ارتباك لم يعرف مثله من قبل، صراع بين صورة العرافة الغامضة وصورة الأم التي حُرِم منها عمرًا كاملاً.
سليمان بصوت يختنق بين الرجفة والعزم:
–أنتِ لستِ مجرد أسيرة… ولا مجرد عرافة. كل كلمة سمعتها… كل همسة وصلتني منكِ… كانت تمهد لهذه اللحظة.
كارمن رفعت رأسها ببطء، عيناها المرهقتان التمعتا كأنهما مرآتان تعكسان قلبه. قالت بصوت مبحوح لكنه حاد كالسكين:
– قلت لك من قبل، أنني لا أنحني ولا أستسلم. لكنك اليوم أثبت أن العدل أقوى من السحر والقيود.
اقترب منها أكثر، صوته يرتجف كطفل وجد نفسه أمام حضن ضائع:
–أمي… لماذا تركتني؟ لماذا كان عليَّ أن أتعلم معنى الغربة بين وجوهٍ لا أعرفها؟ وأنتِ مازلتِ على قيد الحياة.
دموعها انزلقت رغماً عنها، لكنها تماسكت، مدت يدها المرتعشة وربتت على وجهه:
– لم أتركك يومًا بقلبي، لكن قسوة القدر أقوى مما تتخيل. واليوم… عدت إليك، ولو في أسوأ الظروف. المهم أني أمامك الآن. اغفر لي يابني هددوني بكِ جدك هددني أني لو رفض الرحيل سيأذيكِ اباك هو من اقنعني أن أرحل ونحن على اتفاق ان أراك دائما ولكن لم يحدث بأمر من الملك الأب جدك كأن اباك يأتي بك سرآ لأراك خلثه ثم يأخدك سريعا من حضني ويرحل حتي مات أباك فقدت أملي في أني أراك مجددا ولكن لم اغيب بقلبي عنك لحظه.
انفجر الحاجز في صدره، احتضنها بقوة، كأنه يريد أن يعوض العمر كله في لحظة واحدة. عيناه أغلقتا، ودموعه انهمرت على كتفها.
سليمان بصوت متهدج:
– لن يأخذك مني أحد بعد اليوم. أقسم بعرشي وبدمائي… لن يلمسك قيد آخر. وسيوعاد لكِ اعتبارك في هذا القصر
ابتسمت رغم دموعها، همست بصوت خافت أقرب إلى نبوءة:
– إياك أن تنحني… ولا ترضخ… ولا تضعف. أنت ابني، وملك الحق لا يُهزم.
رفع رأسه ببطء، نظر إلى السماء التي لا يراها داخل الغرفة، لكن نورها كان يلمع في عينيه. التفت إلى جنوده ورفاقه الذين بدأوا يتجمعون من كل صوب:
–اليوم نعيد القصر إلى أصحابه… واليوم نثبت أن الحق لا يُهزم.
تحولت الغرفة المظلمة من سجنٍ بارد إلى شرارة أمل، بداية معركة لن تُطفأ حتى ينهزم الباطل.
"راجح بين التهمة والنار"
قاعة العرش بدت كأنها ساحة محاكمة كبرى، الضوء الخافت للمشاعل يرقص على الجدران المذهّبة، فيرسم ظلالًا متكسّرة كأنها أشباح تتفرّج على ما سيجري. جلس بلال على عرشه، متكئًا إلى الأمام، عيناه جمرتان تتوهّجان بالغضب والشك.
انفتح الباب الكبير بقوة، ودخل رجال بلال يجرّون راجح مقيد اليدين بسلاسل ثقيلة. خطواتهم تضرب الرخام فتُحدث صدى مدوّيًا في القاعة، والوجوه المحيطة تترقّب بلهفة. ألقوه أمام العرش، فانكفأ على ركبتيه، والقيود تشقّ الأرض بصريرها المعدني القاسي.
أشار بلال بيده، فوقف الجميع في صمت ثقيل. تقدم ببطء من عرشه ونظر إلى راجح من أعلى، بنبرة مسمومة:
– ها هو الثائر الغامض… ذاك الذي حرّض الناس عليّ، أشعل القلوب بالكذب، وحلم بالعرش الذي لا يليق إلّا بملكي.
رفع راجح رأسه باندهاش، عيناه تشتعلان بالرفض والدهشة:
– ماذا تقول يا بلال؟! أنا ثائر؟! أشعلتُ القلوب؟! لم أكن يومًا غير رجل بين قومك، أحيا بينهم كما يحيا الجميع… لستُ ذاك الغريب الذي تتحدث عنه! هذا كذب.
قهقه بلال قهقهة مريرة جعلت جنوده يهتزون ضحكًا معه:
– تنكر؟! والناس في الأسواق يهتفون باسمك؟! والقلوب تهتف بخيانتك؟! أما علمت أن عرش بلال لا ينازعه حيّ؟! تقول الآن كذب وأنت تحت قدمي أهذه مُزحه؟ أذن.. اضحكوا يا رفاق فأن رأجح يمزح معنا.
تقدم راجح خطوة إلى الأمام رغم القيود، صوته قوي وثابت:
– إن كانوا هتفوا باسمي، فليس لأنني حرّضتهم، بل لأنهم سئموا ظلمك! أنا لم أطمع في العرش، ولم أخدع الناس، لكنك تبحث عن كبش فداء لظلمك الذي فاض.
ارتجّ وجه بلال غضبًا، وازداد احمرار عينيه حتى بدتا كالنار المستعرة. اقترب فجأة وأمسك بسلاسل راجح بيده القوية، جذبها بعنف حتى كاد راجح يسقط أرضًا. اقتاده أمام الجميع، صوته يهدر كالرعد:
–سأريك الآن، وأري الناس جميعًا، من يكون الطامع بالعرش! سأحرقك أمامهم، لتكون النار شهادة على خيانتك!
سار بلال ببطء إلى بوابة القاعة، راجح خلفه مجرورًا، الجنود يصفّون صفّين كأنهم جدار من الحديد. حين فُتحت البوابة، اندفع لهيب المشاعل الخارجية، وضوضاء الساحة الكبرى ارتفعت، حيث تجمّع الناس مذعورين، يتهامسون فيما بينهم.
أمر بلال بإلقاء راجح عند البوابة، وجعلوه يجثو أرضًا، ثم صرخ:
–أشعلوا النار أمامه… اربطوه عند جذع هذه الشجرة، ليشهد كل قلبٍ مايلقاه من يتطاول على الملك!
اندفعت أيادٍ تشعل أكوام الحطب، فارتفع اللهب عاليًا، تراقصت ألسنته كوحوش برتقالية تزأر. قيّدوا راجح بالجذع، والنار أمامه تتقد، ووهجها يلسع وجهه. كان يرمق الناس بعينين ثابتتين، كأن النار لا تخيفه، وإنما الحق يثبته.
من بعيد، في زاوية مظلمة بين أعمدة القصر العالية، كان الأربعة – سليمان، نزار، غفران، وليث – يراقبون المشهد بوجوه مكفهرة. عيونهم مشدودة نحو النار، وقلوبهم تغلي بالغضب. لم يتحركوا، لكن أنفاسهم تتلاحق، كأن كل واحد منهم على وشك أن ينقضّ.
بينما بلال يرفع يده أمام الجماهير، صوته يجلجل:
–هذا مصير كل خائن! وهذا مصير كل طامع بعرش لا يليق إلا ببلال وحده
والنار كانت تزداد اشتعالًا، تلتمع في أعين الناس، وفي أعين الأربعة الذين أيقنوا أن لحظة التدخل تقترب.
"سقوط بلال واعتلاء سليمان العرش"
دخل أحد رجال بلال مسرعًا، أنفاسه متقطعة، عيناه تحملان ارتباكًا لم يستطع إخفاءه، ركع أمام سيده وقال بصوت مضطرب:
–مولاي… خبر عاجل… سليمان سيطر على القصر… وجلس على العرش، ورجاله يحيطون به من كل صوب.
ارتجف وجه بلال، وتصلبت يداه وهو ينتفض، عيناه تتقلبان بين الصدمة والغضب:
–ماذا تقول؟! سليمان يجلس على عرشي؟! لا، هذا مستحيل… لن أُسقط هكذا!
خطا خطوتين نحو الباب، يلوح بردائه الفخم، ثم صرخ بالجنود:
–افتحوا لي الطريق… سأخرج بنفسي!
تحرك بلال مسرعًا نحو بوابة القصر الخارجية، يحدوه أمل الفرار، لكن ما إن وصل حتى توقّف كأنه اصطدم بجدار من الأصوات. أمامه آلاف من الشعب، رجال ونساء، يحملون المشاعل، عيونهم تلمع بالغضب، وهتافهم يعلو كالطوفان:
–يسقط بلال وأعوانه!، يسقط الخائن!، نريد الملك سليمان! ملك الحق والعدل!
تراجع بلال خطوتين للخلف، وجهه شاحب، وصوته خرج مرتجفًا:
–الشعب… كل هذا الشعب هنا؟!
لكن الجنود الذين كانوا يحيطون به، لم يتحركوا لنجدته، بل تقدّم بعضهم منه بصلابة، قبضوا على ذراعيه بقوة، وقيدوه بالسلاسل الحديدية رغم مقاومته:
–اتركوني! أجننتم؟ أنا الملك! أنا صاحب العرش!
سحبوه بقسوة عائدين إلى القصر، وصرخاته تذوب وسط هدير الجموع. كانوا يجرّونه كأنه مجرد أسير لا حول له ولا قوة.
داخل القاعة، كان سليمان قد جلس على العرش، تحيط به غفران ونزار وليث، وجنود فهد وهاشم مصطفّون بسيوفهم كأنهم جدار حصين.
رفع سليمان رأسه بثبات، وفي صوته قوة وإيمان:
–اليوم… يسقط الظلم، ويعلو صوت الحق. هذا العرش لم يُبنَ للباطل، بل للشعب والعدل.
دخل الجنود وهم يجرّون بلال المقيد، ألقوه أرضًا أمام العرش. ارتطمت ركبتاه بالرخام البارد، نظر حوله بذهول، ثم صوب عينيه نحو سليمان، وفي صوته بقايا كبرياء مكسور:
– أأنت؟! أنت من ظننت أنه مجرد غريب، تجلس الآن على عرشي؟!
اقترب سليمان منه بخطوات ثابتة، عيناه تلمعان بصرامة وهدوء:
–هذا ليس عرشك يا بلال… هذا عرش الشعب… وأنت لم تكن إلا غريبًا عليه. ولا يليق بك من البداية وأنت تعلم ذلك.
من النوافذ المفتوحة، تسللت أصوات الجماهير الغاضبة، أقوى من ذي قبل:
– يحيا الملك سليمان!… يحيا ملك العدل والحق! نحن نريد سليمان.
رفع سليمان يده، فأطبق الصمت على القاعة، ثم قال بصوت عميق يخترق الجدران:
–أسمعت، أنهم يهتفون بأسمي ليس بأسمك أنت يا بلال، تعلم جيدا بأنك لستُ الأ حشره تدعثها الأقدام لذلك فعلت هذه المؤامرة، ولكن اليوم سيشهد التاريخ… أن الحق لا يُهزم، وأن الظلم لا ينجو مهما طغى.
شُدّت القيود أكثر حول بلال، وعيناه امتلأتا بالذعر، فيما كان هتاف الشعب بالخارج يزداد قوة، كأن القصر كله يرتجف معلنًا ميلاد عهد جديد.
"محاكمة الخائن بلال"
تألّقت ساحة اليمامة بنور المشاعل التي حملها الشعب، رجالًا ونساءً، صغارًا وكبارًا، يملأهم الغضب والترقب. كان صوت الحشود يهز الأرض تحت الأقدام، والهتافات تعلو:
–العدل… العدل… نريد العدل!
في قلب المشهد، جلس الملك سليمان على عرش مرتفع أُقيم خصيصًا في الساحة، بجانبه ليث ونزار، وعن يساره وقفت غفران شامخة، بينما جلست في مقعد خاص إلى الخلف قليلًا كارمن، التي استُحضرت لتشهد لحظة الحسم، وعيناها تتابع بلال بحدة ووجع دفين لا يعرف سببه أحد سواها.
أمر سليمان بصوت جهوري، يملأ الساحة هيبة:
–أخرجوه أمام الشعب… ليُحاسب علنًا اليوم وليس الغد
تقدّم الجنود وهم يسحبون بلال مكبّل اليدين، وجهه يقطر عرقًا ورعبًا، عيناه مضطربتان بين الشعب والجنود، كذئب محاصر لا مخرج له. وعندما وقف في الساحة الخارجيه، ارتفعت أصوات الجموع تهتف:
–خائن… خائن! يسقط بلال!
رفع سليمان يده، فحلّ الصمت المهيب. صوته جاء راسخًا كالصخر:
–أيها الشعب…شعب مملكة اليمامه العظيم.. هذا الرجل لم يكن يومًا ملكًا بحق، بل خان الأمانة. استغل ضعفكم وفقركم للبطش بكم، وظنّ أن العرش ملك شخصي لا عهد عليه ولا حساب. لكنه اليوم يواجه عدلكم.
اقترب نزار، وتلا بصوت صارم:
–يُحاكم بلال بهذه التهم
اولا: الخيانة العظمى وهي التآمر على عرش المملكة والبطش الكاذب بملكها
ثانيا: سفك دماء الأبرياء،
ثالثا واخيرا: حرق راجح والامتثال بجثته وهذا أمر مشين يرفضه الشرع والقانون
حتي ولو كان خائنا مثلك
ارتعد بلال، ثم انفجر غاضبًا يصرخ:
–كاذبون! أنا الملك! أنتم جميعًا تتآمرون عليّ، حتى هذه المرأة
وأشار إلى كارمن بعينين مضطربتين وأكمل :
–هي السبب! لقد جلبت الشؤم معها منذ أن دخلت هذا القصر!
ارتجف جسد كارمن للحظة، ثم تماسكت ووقفت، رفعت يدها بثبات وقالت بصوت متهدج لكنه قوي:
–لم أجلب الشؤم… بل الحقائق التي خفت أن تراها. يا بلال، كل ألاعيبك لن تنقذك الآن. أنت زرعت الظلم… وحان وقت الحصاد. قلت لك أنك لم ترتاح يوما
اهتز الشعب بالهتاف مرة أخرى، حتى غطّت أصواتهم صراخ بلال.
اقترب سليمان بنفسه من بلال، أمسكه من ياقته، نظر في عينيه نظرة قاسية وقال:
–الملك لا يبنى على دماء الأبرياء. حكمك او بطشك انتهوا يا بلال.
ثم التفت إلى الجموع، صوته يتردد كالرعد:
–باسم الشعب، وباسم العدل… ٱصدر الحكم على هذا الخائن… بالإعدام شنقًا حتى الموت. ليكون عبره لكن خائن.
انفجر الشعب بالهتاف:
–يحيا الملك سليمان! يحيا العدل!
اقتيد بلال إلى منصة الإعدام، صراخه يتلاشى وسط هتاف الجماهير وفرحتهم. وعندما ٱعدم بلال أمام أعين الجميع، ساد صمت ثقيل للحظة، ثم ارتفع صوت الشعب يهتف أقوى من أي وقت مضى:
–يحيا ملك الحق والعدل… يحيا سليمان! ملك مملكة اليمامه الجليل"
جلس سليمان على العرش، حوله ليث ونزار وغفران، بينما وقفت كارمن تنظر إليه بدموع متلألئة، خليط من الفخر والحرقة.
همس سليمان لنفسه، والجموع لا تزال تهتف:
–العدل أثقل من العرش… لكنه السبيل الوحيد للبقاء.
الشعب يهتف، الجنود يحيطون بالعرش، والليل يعلن ميلاد فجر جديد.
"إعلان الزواج والعهد الجديد"
كانت ألسنة المشاعل ما تزال تضيء سماء المملكة، والجماهير محتشدة أمام القصر تهتف باسم الملك سليمان. وقف سليمان في شرفة القصر الكبرى، وإلى جواره نزار وليث، بينما كانت غفران تقترب ببطء، مترددة بين سعادة غامرة وخجل عميق. أما كارمن، فكانت تتابع المشهد بعينين دامعتين، تتوهج فيهما فخر الأم وحنانها المكبوت لسنوات.
رفع سليمان يده، فعمّ الصمت من جديد. قال بصوت مفعم بالعاطفة واليقين:
—أيها الشعب العظيم… اليوم ليس يوم سقوط الخيانة فقط، بل يوم ولادة عهدٍ جديد. عهدٌ تُبنى فيه المملكة على المحبة والعدل. وقد آن لي أن أشارككم أمانة قلبي كما شاركتكم أمانة الحكم. لسنين طويله من عهدي
تلفتت العيون بين الحشود بفضول، وسليمان يمد يده نحو غفران، ممسكًا بها برفق وهو ينظر إليها بعاطفة واضحة:
_أحب أن ٱعلن بأن هذه السيدة الشجاعة التي ساندتني وقت ضعفي، وحملت معي العبء وقت المحن… ستكون من اليوم شريكتي في العرش والحياة. ٱعلن أمامكم زواجي من غفران، لتكون ملكة القلوب كما هي ملكة حياتي.
اشتعلت الساحة بهتافات الفرح، وارتفعت أصوات النساء بزغاريد متواصلة. غفران احمرّ وجهها، ودموع السعادة تلمع في عينيها، بينما همست له بصوت مرتجف يسمعه وحده:
—لم أظن أن لحظة كهذه ستأتي،وأمام الجميع.
ابتسم سليمان وأجابها بهدوء:
—أردتها أمام العالم، لأنك عالمي.
ثم تقدمت كارمن خطوة، ورفعت يدها لتشير إلى سليمان، وصوتها يخرج قويًا رغم ارتجاف المشاعر:
—اسمعوا يا أبناء المملكة… هذا الملك الذي أمامكم الآن، لم يكن يتيمًا كما ظننتم. أنا كارمن… أنا أم سليمان، وأشهد أمامكم أنني أنحني اليوم فخرًا بما فعله ابني، لا خضوعًا لأحد.
ترددت لحظة من الذهول بين الشعب، ثم انطلقت الهتافات أعلى من ذي قبل:
—تحيا الأم الملكة… تحيا الملكة أم الملك!
التفت سليمان إلى نزار، وقال بصوت حازم:
—وإما بخصوص هذا الرجل ... الرجل الذي لم يتركني لحظة، وكان سندي في أصعب الليالي… من اليوم سيكون نائب الملك، بصوته ورأيه، كما هو بسيفه ووفائه.
ركع نزار احترامًا، لكن سليمان أسرع فرفعه بنفسه قائلاً:
—لا ركوع بعد اليوم، بل وقوف جنبًا إلى جنب.
ثم أكمل سليمان خطابه للشعب:
—وغدًا… ستشهد هذه المملكة عرسًا لم تعرفون مثله من قبل. عرسًا لا يحتفل بزواجي أنا غفران فقط، بل بولادة عهد جديد، عهد الحرية والعدل. عرسًا تملؤه الألوان، وتُشعل فيه السماء بالأنوار، لنثبت أننا لا نُهزم، وأننا نستطيع أن نحب كما نقاتل، ونبني كما ندافع.
انفجرت الساحة بالفرح، وتعانق الناس، وامتلأت الشوارع بأصوات الطبول والأنغام. كانت المملكة كلها ترتجف من نشوة الانتصار والحب، بينما سليمان وغفران تبادلا نظرات صامتة تقول أكثر مما يمكن أن تنطق به الكلمات
"العرس الأسطوري"
تحولت اليمامة تلك الليلة إلى درة متلألئة على جبين الأرض. الشوارع امتلأت بالأضواء، والمشاعل المعلقة أضاءت الطرقات كأنها نجوم اقتُلعت من السماء لتزين الاحتفال. الأقمشة الموشّاة بالذهب والفضة ترفرف على الشرفات، والعطور الشرقية تتصاعد من مبخرة كبيرة عند مدخل القصر، بينما الشعب يتدفق من كل صوب ليشهد ليلة لا تُنسى.
في قاعة العرش، جلس الملك سليمان مرتديًا جبة ملكية بيضاء ينساب عليها التطريز الذهبي، وعلى رأسه تاج خفيف لا يثقل هيبته. إلى جواره غفران بثوب مهيب كأنها زهرة نادرة تفتحت في بستان المجد. عيون الناس تلمع بالفرح، والهتاف يتعالى:
—يحيا الملك سليمان… يحيا العدل… يحيا الحب.
وما إن استقرت القلوب على هذا المشهد حتى دوّى القصر بدخول موكب مهيب، يسبقه صدى الطبول. تقدم الملك فهد بخطوات راسخة، وإلى جانبه الملك هاشم، يتلألأ حولهما بريق الأبهة. لحظة وقوفهما عند بوابة القاعة جعلت الأنفاس تُحبس، ثم انفجر المكان بالتصفيق والهتاف.
ابتسم سليمان وتقدم بترحاب بالغ، باسطًا ذراعيه:
—مرحبًا بكم في بيتكم ومملكتكم. الليلة تكتمل الفرحة بوجودكما، إخوتي وأعمدة عهدي.
صافحه فهد بحرارة وقال بصوت يملؤه الحنان والوقار:
—ما جئنا إلا لنشهد على العهد الجديد، ولنباركك، يا سليمان، في يوم انتصار قلبك ومملكتك.
وأضاف هاشم بابتسامة عريضة:
—إنها ليلة لمّ الشمل، ليلة نكتبها معًا للتاريخ.
اقتربت كارمن، التي كانت تجلس بين المدعوين بملابس فاخرة تليق بمكانتها الآن، ولفت ذراعيها حول غفران وسهام التي انطلقت للتو فور مجيئها إلي غفران، ابتسامتها تشي بعظمة اللحظة وبالسكينة التي ملأت قلبها بعد سنين من الألم والشقاء.
وفجأة، خطف ليث الأنظار. وقف شامخًا، قلبه يخفق بقوة لكنه تمالك نفسه. تقدم بخطوات ثابتة حتى وقف أمام الجميع، ثم رفع صوته وسط الصمت الذي غلف القاعة:
—أيها الجمع الكريم، أمامكم اليوم، وأمام الملك سليمان صديق والدي الملك فهد، أعلن خطبتي على سهام… لتكون رفيقة دربي وشريكة حياتي.
ارتجف قلب سهام، دموعها تلألأت تحت وهج الشموع، ثم مدت يدها نحوه بخجل ممزوج بالفرح، وقالت بصوت خافت لكنه مسموع:
—وأنا أقبل أن أكون لك، قلبًا وروحًا وعهدًا.
تعالت الزغاريد من الحضور، وانطلقت الموسيقى بعزف بهيج، وهتف الشعب كله في صوت واحد:
—يحيا الأمير ليث والأميرة وسهام… يحيا الحب.
في تلك اللحظة، ارتمت سهام بين ذراعي أختها غفران، فاحتضنتهما كارمن بكل ما في قلبها من دفء، وكأنها تختم رحلة طويلة بعناق يليق بالنصر. ارتسمت على وجوههن ابتسامات صادقة، تخبر أن الحب أقوى من المؤامرات، وأن الدمعة إذا اختلطت بالفرح صارت برهانًا على الخلود.
وقف سليمان في صدر القاعة، عيناه تلمعان بفخر وطمأنينة، ثم ألقى نظرة طويلة على أصدقائه فهد وهاشم بعد أن علم بمساعدتهم له لاحقاً، وعلى نزار الواقفً بجواره كنائب مخلص، وعلى شعبه الذي يهتف بحرية وعدل. عندها قال بصوت يعلو فوق كل الضجيج:
—اليوم نطوي صفحة الألم… ونفتح كتابًا جديدًا عنوانه الوفاء، سطوره تحمل المحبة، وروح العدل.
وارتفعت أصوات الشعب بهتاف واحدٍ موحّد:
—يحيا الملك سليمان… يحيا العدل… يحيا الحب.
سرد ختامي:
وهكذا أُسدل الستار على عهد من الصراع، ليبدأ عهد من النور. مملكة اليمامة لم تعد أسيرة الخوف، بل أصبحت رمزًا للشجاعة والإوفاء. والملوك الثلاثة، سليمان وفهد وهاشم، صاروا أعمدةً لوحدةٍ لا تهزها مؤامرة. أما الحب، فقد وجد في قلوب غفران وسليمان، وفي وعد ليث وسهام، موطنًا خالدًا، يظل يُروي للأجيال القادمة أن الحق لا يُقهر، وأن من يزرع الأمل يحصد الخلود.
النهاية....
بقلم / هبة نبيل