الفصل الحادي والثلاثون
"لقاء العودة"
أشعة الشمس تتناثر فوق الزهور المزدهرة، والنسيم العليل يمرّ عبر أغصان الأشجار، يحمل معه رائحة الأرض الندية. جلست غفران قرب النافورة، تحدّق في صفحة الماء الساكنة، كأنها تبحث فيه عن إجابة لأسئلتها القلقة.
خطوات ثابتة قطعت سكون الصباح، رفعت رأسها بسرعة، لتتفاجأ بـ سليمان يقف أمامها، وجهه مضاء بنور خفيف، وابتسامته تحمل خليطًا من الندم والاشتياق.
غفران بدهشة ممتزجة بارتجاف:
–سليمان…! حقًا عدت؟
سليمان يتقدم نحوها بخطوات بطيئة:
–نعم غفران… عدت. لم أحتمل البقاء بعيدًا عنك أكثر، كان قلبي يشتعل شوقًا إليك مع كل يوم مضى.
ارتعشت أنفاسها، لكنها سرعان ما عقدت ذراعيها على صدرها، ونظرت إليه بحدة يشوبها الحزن:
–شهر كامل تركتني فيه بلا خبر… أتعلم ماذا يعني ذلك؟ كنتُ أعد الساعات بقلق، أنظر إلى الأبواب كل صباح منتظرة عودتك، وأبكي في الليالي خوفًا من ألا أراك ثانية.
سليمان يمد يده برجاء:
–أدرك يا غاليتي… وأقسم أن كل لحظة ابتعدت فيها عنك كانت عذابًا لي أكثر منكِ. لكنني لم أغب عبثًا… غبتُ لأن الطريق من حولي محفوف بالأعداء، وأردت أن أحميك من أن تصلك نارهم اردت ان اواجه هذا وحدي دون ان يصيبك اي ضرر
غفران:
–ما الذي تقوله أنت؟! هذه تسمي انانيه لماذا لم تصارحني بحقيقتك من البداية تخشي مني؟ ام كنت تظن اني سأغدر بك؟ وهل كنت ستخفي عني حقيقتك لامتي؟ لولا مصارحة كارمن لي كنت سابقي غافلة حتي الآن.
سليمان:
–لا.. كنت سأقول لكي حتما ولكن عندما اتخلص من كل هذا الضجيج الذي يشغل عقلي
غفران بعينين دامعتين وصوت متقطع:
–لو كنت أسمع منك كلمة واحدة… رسالة صغيرة… كانت ستكفيني لأطمئن. لكنك اخترت الصمت، وتركتني وحدي في خوفي وحيرتي.
سليمان يقترب أكثر، صوته ينخفض بصدق:
–كنت أخشى أن يصلهم صوتي إليك، فيكشفوا أمري ويستخدموكِ ضدي. كنت أقاتل من أجل حمايتك، لا من أجل إيلامك.
غفران تشيح بوجهها، ثم تلتفت نحوه ببطء:
–اشتقت إليك… نعم، ولكنك جعلتني أذوق مرارة الوحدة. هل تُدرك كم من الليالي كرهتُ فيها صمتك أكثر من أي عدو؟
سليمان بحزن عميق:
–ٱدرك… وأتحمل ذنبي. لكن صدقيني، كل خطوة خطوتها كانت من أجلك. إن كان غضبك عليّ ثمنًا لأمانك، فأنا أقبله، لكني جئتُ اليوم لأعيد لك طمأنينتك، وأستعيد مكانتي في قلبك.
سكتت لحظة، قلبها يتأرجح بين اللوم والشوق. ثم تقدمت خطوة، والدموع ما زالت في عينيها:
–لا أريد كلمات كبيرة يا سليمان… أريد وعدًا صادقًا. لا تغب عني مرة أخرى… ولا تجعلني أنتظر بلا أمل.
سليمان يضع يده على قلبه، بوجه جاد:
–أعدُك… أمام الله وأمام قلبك… لن أتركك وحدك بعد اليوم. ما دام في صدري نفس، سأبقى بجانبك.
حينها لم تستطع مقاومة مشاعرها، اندفعت نحوه تعانقه بقوة، دموعها تنهمر على كتفه.
غفران وهي تبكي:
–أشتاقك… وأخاف فقدانك أكثر مما أطيق.
سليمان يمسح على شعرها بحنان:
–لن تفقديني بعد الآن… لقد عدت، ولكني ساعود إلي اليمامه مجددا شعبي في أشد الحاجه إليه الآن ٱريدك ان تتفهمي ذلك، ولكن عندما اتخلص من اعدائي لن اتركك ابدا ولكني اريد منكِ ان تبقي هنا ساكون مطمئن عليكِ
غفران:
–اتفهم جيدا ما تقوله واتفهم المسؤوليه الملقاه على عاتقك احببتك يا سليمان وانا اجهل حقيقتك ومازلت أحبك حتي بعدما علمت هويتك ولكن الأن اكثر فخرا بك ولكن اعدني ان تبقي بخير لأجلي ولإجل مملكتك وشعبك يا ملكي العظيم.
سليمان ببتسامه وهو يضمها اكثر إليه:
–اعدُك يا غفران أنا إيضاً أحببتك وساظل أحبك.
كانت أشعة الشمس تنير الحديقة، فيما يحتضنها هو بقوة وكأن الزمن انصهر في لحظة هذا اللقاء.
"ظلال القصر"
الغرفة غارقة في عتمة خانقة، لا يكسرها سوى ضوءٍ باهت يتدلّى من مصباح قديم يهتز مع أنفاس الليل. الجدران تحمل شقوقاً تشبه ندوباً صامتة، والأرضية تفوح منها رائحة الرطوبة والقيود المعدنية تصدر خشخشة كلما تحركت كارمن على الكرسي الخشبي.
انفتح الباب بصرير ثقيل، ودخل الملك بلال بخطوات ثابتة، يرافقه صمت مهيب كأن القصر نفسه ينحني له. حدّق فيها بعينين تحملان خليطاً من الوقار والقسوة، أما هي فرفعت رأسها بثباتٍ يُخفي اضطرابها.
كارمن بصوت قوي متحدٍّ: لم أكن أظن أن ملكاً عظيماً مثلك، يحتاج إلى خطف امرأة عجوز ليشعر بالقوة.
بلال بابتسامة ساخرة:
— أنتِ لستِ امرأة عادية، يا كارمن… أنتِ ورقة نادرة في لعبة الممالك.
كارمن باستهزاء:
— ورقة؟! الورقة التي تُمسكها قد تحترق بين أصابعك، سيدي… أنا لستُ أسيرةً كما تظن، لي قوى لا تُقيدها سلاسل الحديد.
اقترب بلال بخطوات بطيئة حتى صار أمامها مباشرة، عيناه تلمعان ببرود.
بلال:
—تهددينني بأسحارك؟ وأنتِ في قبضتي؟
كارمن تحدّق فيه بجرأة، ووجهها يشتعل بإصرار:
—نعم… أخاف أن تُغضبني، فأطلق عليك لعنةً تُطفئ نور عرشك، وتزرع الشوك في دروبك.
ضحك بلال ضحكة قصيرة خالية من الدفء، ثم مال نحوها حتى كاد صوته يلامس أذنها:
— السحر قد يرعب الضعفاء يا كارمن… أما أنا، فملكٌ لم يهتز أمام جيوش، فكيف يهتز أمام أسحارك وكلماتك؟
كارمن ترفع ذقنها متحدية:
—الكلمات يا بلال قد تصير طوفاناً، والسحر ليس سوى انعكاس لإرادة صاحبه… وأنا أملك الإرادة أن أقلب نهارُك ليلاً إذا لزم الأمر.
ساد صمت ثقيل، عيناه تلمعان بدهشة صغيرة، لم يتوقع منها كل هذا الثبات. ابتسم بلال ابتسامة مترددة بين الإعجاب والغضب، ثم استدار ليغادر وهو يقول ببرود:
—سنرى يا كارمن… أيّنا يحرق الآخر أولاً.
أُغلق الباب خلفه، وبقيت هي وحدها في الغرفة، قلبها يخفق بقوة لكنها ابتسمت لنفسها… لقد زرعت بذرة الخوف في صدر ملكٍ طاغي
"حقيقة سليمان"
أروقة قصر النور كانت هادئة في ذلك الصباح، سوى من خرير نافورة صغيرة تتوسط البهو. جلس الملك فهد على مقعد خشبي منقوش بالذهب، وعيناه تتابعان ولده ليث وهو يتقدم بخطوات مترددة، يحمل في قلبه أسئلة لم تجرؤ شفتاه على النطق بها بعد.
رفع فهد رأسه، وصوته خرج ثابتًا يكسوه الوقار:
فهد:
—اقترب يا بني… آن الأوان قد أن لتعرف ما كنتُ أخفيه
اقترب ليث، ملامحه مشوبة بالترقب والقلق، ثم جلس قبالة أبيه، وعيناه معلقتان على وجهه كمن ينتظر حكمًا مصيريًا:
—قل لي يا أبي… ما هذا السر الذي يثقل صدرك؟
تنهد الملك فهد، ثم شبك يديه ببعضهم وقال ببطء:
فهد:
—سليمان… الذي تعرفه بين الناس باسم "نصر الدين"، ليس هو الرجل الذي تظنه.
ليث وقد عقد حاجبيه:
—ماذا تعني؟!
فهد:
—أعني إنه الملك سليمان فخر الدين… ملك اليمامة، وصديقي منذ الصغر.
اندهش ليث، ارتسمت الدهشة واضحة على وجهه، وارتجف صوته وهو يكرر:
ليث:
—ملك اليمامة؟! سليمان؟!
ابتسم فهد ابتسامة حزينة، وأومأ برأسه:
فهد:
—نعم، لقد جاء إلى هنا متخفياً، لا ليطلب عرشًا ولا جاهًا، بل ليحتمي وسطنا من أطماعٍ تتربص به وحاشيه تغدر به. هو صديق صدوق عرفته شابًا، وأختبرتُ إخلاصه وقوته كثيراً والآن، واجبنا ألا نتركه وحيدًا. علينا أن نقف إلى جواره، نعينه ونحميه، كما يحمي هو شعبه وملكه.
ظل ليث صامتًا لبرهة، تتصارع في داخله مشاعر الحيرة والانبهار، ثم قال بصوت متقطع:
—لقد ظننت دومًا أنه يحمل سرًا، لكني لم أتصور أن يكون ملكًا يخفي نفسه بيننا… ملكًا وصديقك أنت.
مد الملك فهد يده وربت على كتف ابنه بحنان، وصوته يحمل دفء الأبوة وثقل المسؤولية:
—أثق بك يا ليث… أثق أن قلبك النقي سيجعلك سندًا له، تمامًا كما كان سندًا لي في أوقاتٍ مضت.
أطرق ليث برأسه، ثم رفع عينيه إلى أبيه وقد امتلأت بالعزم:
— إن كان واجبي أن أكون عونًا له، فلن أتأخر يا أبي. سيجدني إلى جواره، كما وجدتني إلى جوارك. انه عمي.
ابتسم فهد، وعانق ابنه بقوة، كأن اللحظة جمعت بين الحقيقة المخبأة طويلًا، والوفاء الذي توارثته الدماء بينهما.
"ورقة كارمن"
جلس الملك بلال في قاعة جانبية من قصره، النور الخافت يتسرب من بين المشاعل، ووجهه الشاحب يوحي بليالٍ ثقيلة قضاها بين الكوابيس والقلق. دخل راجح بخطوات واثقة، عيناه تلمعان بمكرٍ لا يُخفى. انحنى قليلًا ثم تقدم وجلس قبالته.
بلال وقد اعتدل في مجلسه:
– جئتَ في الوقت المناسب يا راجح… الأخبار تتوارد إليّ عن تحركات ذلك الرجل الغامض، وعن قرب سليمان من أنصارٍ لا نعلم عددهم.
راجح بابتسامة ماكرة:
– كل شيء يمكن أن يظل تحت سيطرتك يا سيدي، إن أحسنت استخدام أوراقك.
بلال وقد اقترب بجسده إلى الأمام:
– وأي ورقةٍ تقصد؟ لقد بدأت أظن أن خصومي يتكاثرون كالأشباح.
راجح وهو يخفض صوته:
– كارمن.
اتسعت عينا بلال، ورفع رأسه فجأة:
– العرّافة؟!
راجح:
– نعم هي يا سيدي… والآن هذه المرأة يمكن أن تكون المفتاح للسيطرة عليه. تخيّل وقع الأمر حين نضعه بين خيارين: إمّا أن ينصاع إلينا، أو نُهلكها أمامه.
ظل بلال صامتًا لثوانٍ، عيناه تضطربان بين الحذر والطمع، ثم قال بصوت منخفض كمن يحدث نفسه:
– سليمان… سيُذعن إن مسّت يدانا أمه. سيحني رأسه، ولو كان جبلًا من الكبرياء.
اقترب راجح أكثر وهمس:
– علينا أن نتحرك بسرعة، فالأخبار تنتشر، وكلما طال الوقت ضاعت الورقة من بين أيدينا.
بلال وقد ضرب ذراعه على مسند العرش الجانبي:
– حسنًا… فلنصنع منها فخًا يلتف حول عنق سليمان. ولكن… لا نقتلها، ليس بعد. أريدها حية، لتظل خنجرًا في صدره.
ارتسمت ابتسامة نصر على وجه راجح، ثم انحنى وهو يقول:
– كما تأمر يا سيدي… سيكون بين أيدينا قريبًا جدًا.
تبادل الرجلان نظرات ملؤها الدهاء، كأن الشيطان نفسه جلس بينهما يبارك المؤامرة.
"نداء الصمود"
الغرفة المعزولة في أعماق القصر بدت كقبو منسي، جدرانها الحجرية مغطاة برطوبة ثقيلة، والهواء بارد كأنفاسٍ قادمة من قبر. نافذة صغيرة في أعلى الحائط تسمح لخيط باهت من ضوء النهار أن يتسلل بصعوبة، فيرسم خطًا مرتجفًا على الأرضية الترابية. في هذا السجن المظلم جلست كارمن، ظهرها مستقيم رغم القيود التي تحاصرها، وعيناها تلمعان بصلابة نادرة لا تملكها إلا الأرواح التي خبرت الزمن وقهرته.
الهدوء في المكان لم يكن سلامًا، بل كان أقرب إلى الفخ… كأنه صمت يسبق العاصفة. كارمن كانت تشعر به، بخطر يتربص عند الأبواب، يقترب خطوة بعد أخرى، يحيك حولها خيوطه ليجعل منها ورقة ضغط تُستغل.
لكنها لم تسمح للذعر أن ينهش قلبها. وضعت كفيها على ركبتيها، أغلقت عينيها، وأخذت نفسًا عميقًا كأنها تستدعي قواها القديمة. ثم رفعت رأسها نحو فتحة الضوء الضئيلة، وبصوتٍ خافت في البداية لكنه يحمل ثقل الإيمان، راحت تُرسل نداءها:
كارمن:
– لا تنحنِ… لا تضعف. لا تجعل الخوف يكسرُك، ولا تسمح للقيود أن تسرق منك يقينك.
لا تستسلم لأي ضغوط، ولا ترضخ لوعود كاذبة، ولا تضع يدك في يد من يريد أن يطفئ نورك. كن كما عهدتك دائمًا… جبلًا راسخًا لا تهزه العواصف، نارًا مشتعلة لا يطفئها مطر، وسيفًا لا يصدأ مهما مرّت عليه الأزمان
ازدادت قوة كلماتها، كأنها لم تعد تتحدث وحدها، بل تنقل وصايا أجيال مضت. رفعت يديها إلى السماء، وبريق عينيها اشتعل من جديد وتابعت:
– إنهم يظنون أنني ورقة يمكن أن تُلعب للضغط عليك… لكني لن أنحني، ولن أكون بابًا يُفتح لهم ليعبره إليك. اسمعني… تذكّر دائمًا أن الحق معك، وأنك خُلقْت لتقود، لا لتُقاد.
حلّ صمت ثقيل بعد كلماتها، لكنها شعرت أن الهواء قد تغيّر، أن جدران الغرفة امتلأت بصدى صوتها. قلبها هدأ للحظة، وكأن نداءها وصل… وصل حيث يجب أن يصل.
رفعت رأسها للسماء مرة أخرى، وهمست في يقينٍ أخير:
– إن ضاق عليك الطريق، فلتعلم أنني لم ولن أستسلم.
ظلّت جالسة في مكانها، وجهها مشدود بعزمٍ صامت، بينما في الخارج كان الخطر يقترب أكثر… ولم تكن تدري أن اللعبة الكبرى قد بدأت، وأنها أصبحت المركز الذي يدور حوله صراع العروش القادم.
"نداء يخترق القلوب"
كانت لحظة الغروب تتزين بالسكينة، والسماء تكتسي بحمرة رقيقة، تتدرج شيئًا فشيئًا نحو العتمة. في حديقة القصر، انتشرت رائحة الياسمين تعبق في الأجواء، بينما كان سليمان يسير بجوار غفران بخطوات هادئة. العصافير على الأغصان تصدح بألحانها الأخيرة قبل أن تخلد إلى صمت الليل.
غفران نظرت إليه بابتسامة دافئة، وعيناها تلمعان ببريق لا يخلو من خجل:
—كلما جلستُ معك هنا، شعرتُ أن الحديقة تزداد جمالًا، وكأنها تعرف أنك عدت إليها.
سليمان ابتسم، وصوته خرج عميقًا حنونًا:
—الجمال ليس في الحديقة يا غفران… بل فيمن يرافقني فيها.
ضحكت بخفة، وحمرة وجنتيها اشتدت مع انعكاس الغروب
غفران:
—أتعلم؟ كنتُ أحلم بهذه اللحظة مرارًا، أن نمشي سويًا دون أن يعكر صفوها شيء، أن أنسى العالم كله وأنا بجوارك.
اقترب منها أكثر، ونظر في عينيها نظرة عميقة حملت كل ما أخفاه في قلبه:
—وهل تعلمين ما الذي يجعلني أقوى؟… هو وجودك أنتِ، صبرك وإيمانك بي. حتى وإن كنتُ بعيدًا، قلبي كان دائمًا هنا، عندك.
لكن فجأة، توقف سليمان في منتصف الطريق. عيناه اتسعتا، وملامحه تغيرت كأنه استقبل صرخة غير مسموعة. جعلت غفران تنظر إليه بقلق:
—ما بك؟ لمَاذا تجمدت هكذا؟
سليمان أغلق عينيه، والهواء من حوله بدا أثقل. عندها اخترق صوت كارمن أعماقه، نداء قوي يرن في عقله وقلبه معًا:
"لا تنحني… لا تضعف… لا ترضخ لأي ضغوط… ولا تستسلم لأي أحد مهما كان الأسباب أو الظروف."
شعر سليمان كأن صاعقة من نور اخترقت كيانه، جسده ارتجف لحظة، ثم اعتدل، وعيناه لمع فيهما بريق مختلف.
غفران مدت يدها تلمس كفه بخوف:
—سليمان… مابك هل تسمعني؟
التفت إليها ببطء، وصوته خرج متأثرًا لكنه حازم:
—نداء… لم يأتِ من الخارج، بل من الأعماق… كأنه قسم أُلزم به. هناك من يقاوم لأجلي، ويطلب مني أن أبقى ثابتًا… لن أنحني. نداء لم اسمعه الا عندما أكون في خطر انها هي صوتها يأتيني مجددا انها كارمن العرافه، إلي الآن لم أعلم ماهو الرابط الذي بيننا ويجعلها دائما تحميني وتتواصل معي روحياً
غفران نظرت إليه في صمت، وقلبها يخفق بين الرهبة والإعجاب. مدّت يدها أكثر، فاحتضن كفها بقوة، وأضاف بصوت مبحوح بالصدق:
—إن عاد بي القدر إلى الغياب، فتذكري يا غفران… أني لم أفعل إلا لأجل الحق… ولأجلك.
ابتسمت غفران وسط دموعها الخفيفة، ووضعت رأسها برفق على كتفه. أما هو، فرفع عينيه إلى السماء، حيث الغروب يذوب شيئًا فشيئًا في الظلام، لكن في داخله اشتعل نور جديد، نور النداء الذي اخترق قلبه ليمنحه عزيمة لا تنكسر.
"الحقيقة الملعونة"
الأجواء ثقيلة كأن السماء تتربص بالقصر. المشاعل المعلقة ترسل ظلالًا متكسّرة على الأرضية اللامعة، والهدوء يوشك أن ينفجر بخبر جلل.
دخل أحد رجال الحراسة مسرعًا، يلهث من شدّة الجري، وانحنى أمام فهد وهو يقول بصوت متردد:
—مولاي… لقد وصل خبر عاجل… العرافة كارمن قد اختُطفت.
تجمّد فهد مكانه، وجهه تلوّن بالصدمة والغضب، عيناه تشتعلان كشرر مشتعل. تقدّم ببطء خطوة وراء أخرى، كأن الأرض تحت قدميه تثقل بالهموم.
فهد بصوت غليظ متوتر:
—كارمن… اختُطفت؟ من الذي تجرأ على هذا؟ من الذي يظن أنه قادر على اللعب بالنار في مملكتي؟
الحارس انحنى أكثر، وكلماته خرجت ضعيفة:
—لا نعلم بعد مولاي… لكن الخبر مؤكد.
رفع فهد يده إشارةً للانسحاب، فانصرف الحارس مسرعًا. بقي فهد وحيدًا وسط القاعة الواسعة، تتردّد صدى أنفاسه على الجدران. أطرق برأسه وهمس لنفسه:
—إن وقعت كارمن في أيديهم… فسليمان سيكون أول من يدفع الثمن… ولن أسمح أن يحدث هذا أبدًا.
ثم فجأة رفع رأسه بقوة، وصوته علا بأمر حاسم:
فهد:
—نادوا لي نزار… في الحال!
ــ لحظات من الصمت ــ
وما إن خرج الحارس، حتى ارتخت كتفا فهد قليلًا، وكأن الأبواب انفتحت لذكريات لم يردها أن تعود.
ــ فلاش باك ــ
ليل ثقيل، سماء ملبدة، ورائحة دماء تختلط برائحة الدخان. كان فهد الشاب راكعًا إلى جوار والده المطعون، يحتضنه بذراعين مرتجفتين، دموعه تغسل وجنتيه.
الملك رفع يده المرتعشة، قبض على ذراع فهد بكل ما تبقى له من قوة
الملك بصوت متقطع:
—اسمعني جيدًا يا فهد… لا وقت… قدري انتهى، لكن قدرك أنت لم يبدأ بعد.
فهد والدموع تخنقه:
—لا تقل هذا يا أبي… أرجوك قاوم… سأعالجك، لن أتركك ترحل.
الملك هز رأسه ببطء، عيناه تنطفئان كشمعتين في الريح:
—هناك سرّ أثقل صدري سنين… كارمن… لم تمت كما ظن الجميع… إنها مازالت حيّة.
فهد بصدمة:
—ماذا تقول؟! من هي كارمن؟
الملك:
—كارمن هي أم سليمان… نعم… أمّه التي ظن الجميع أنها غابت إلى الأبد. وإن ظهرت حقيقتها… فإن حياة ابنها… ومصير المملكة… سيتزلزل.
ثم أطلق أنفاسه الأخيرة، واستقرت يداه الباردتان بين ذراعي فهد، تاركًا كلماته محفورة في قلبه مثل وصيّة لا تُمحى.
ــ نهاية الفلاش باك ــ
شهق فهد بقوة، مسح قطرات العرق من جبينه، وعيناه شاردتان بين ماضي لا يرحم وحاضر يشتعل بالفتن. تمتم لنفسه بصوت خافت:
—أبي… سرّك يلاحقني… وها هو القدر يعيد فتح الجرح من جديد.
في تلك اللحظة، انفتح باب القاعة ببطء، وظهر نزار، يسير بخطوات هادئة، ينحني أمام فهد احترامًا:
—سيدي… لقد جئت فور استدعائُك لي.
رفع فهد رأسه ببطء، نظرته ثقيلة وحادة، امتزج فيها الحزن بالهيبة والحنين. قال بصوتٍ رخيم يفيض بالثقل:
—نزار… ما سأقوله لك الليلة لم يسمعه أحد من قبل… وما كنت أريد أن يسمعه أحد. لكن يبدو أن وقت الأسرار قد انتهى… ووقت الحقائق قد حان.
ينظر نزار إليه بثبات، وكأنه يقرأ ما وراء كلماته:
– أي سرّ يا سيدي كلي أذان صاغيه؟
يتردد فهد، ثم يخطو إلى الأمام، صوته ينخفض كأنه يخشى أن تسمع الجدران:
—كارمن… ليست كما يظن الجميع انها مجرد عرافه تعيش فى كوخ بين الغيطان… بل أنها أم سليمان الحقيقية… التي تم نفيها بعد ولادته مباشرة بأمر من الملك الأب جد سليمان.
يتراجع نزار بصدمة، يضع يده على رأسه لكي يستعب و يتأكد من كل كلمة قالها فهد للتو:
—أمّه؟! كيف… ولماذا كُتم هذا عنه طوال هذه السنين؟ ولماذا يقال الآن؟
فهد بحزن:
—أبي هو من أوصاني، قال إن هذا السر لا يُكشف إلا في الوقت المناسب… والآن أشعر أن اللحظة قد حانت، لكني خائف… خائف أن ينهار سليمان… وينهار كل ما بُني حوله…
نزار بهدوءٍ عميق:
—الحقيقة يا سيدي أن هذا السر ماهو إلا سيف ذو حدّين… قد يُدمّر إن جاء بغتة، وقد يُحرّر إن قُدّم بحكمة… سليمان رجل قوي، لكنه عاش حياته على رواية ناقصة، إذا أردت أن تحميه، يجب أن تختار الكلمات التي تجعله يتلقّاها كحقيقة لا كطعنة.
فهد يتنهد بمرارة:
— وكيف أقول لصديقي… أن أمه التي ظنها ميّتة… هي الآن بين أيدي بلال او راجح ، وأنها قد أخطُتفت؟
نزار بصوتٍ ثابت:
— كارمن أخطُتفت؟.. قلها بلسان صديق يخاف على صديقه من التهور، لا بلسان ملك… سليمان يحتاج في هذه اللحظة لسانا صادقًا، لا عرشًا صامتًا.
فهد يحدق في الفراغ للحظة، ثم يغلق عينيه بقوة كمن يتخذ قرارًا مصيريًا:
—إذن.. سيكون هو من يسمعها من فمي، ولن أدع غيري يزرعها في قلبه.
وجه فهد يحمل مزيج من القلق والعزم، بينما الظلال تمتد على جدران القاعة الثقيلة.
"قاعة العرش في مملكة اليمامه"
أضواء المشاعل الموزّعة على الجدران تنعكس كألسنة نيران راقصة، بينما يجلس الملك بلال على عرشه العريض، مهيبًا، تتناثر من حوله نظرات رجاله التي يختلط فيها الخوف بالرهبة. تتردّد في القاعة أصداء خطواتهم المترددة، حتى يتقدّم أحدهم ويحنو رأسه.
الرجل الأول:
–مولاي… لقد اشتعلت الميادين غضبًا، والشعب لم يعد يطيق الصمت. هناك رجل غريب، يسمّونه الثوري، قد استحوذ على عقولهم بكلماته، صاروا يلتفون حوله كما يلتف العطشان حول بئر ماء.
الرجل الثاني، بصوت مرتجف:
–الهتافات تملأ الشوارع يا مولاي… يتحدثون عن الحرية والعدل، ويقارنون بين حكمك وكلماته… لقد صارت نارًا تخيف الحراس قبل الرعية.
ينهض بلال فجأة من على العرش، صوته يزلزل القاعة، وعصاه تضرب الأرض بقوة فتتردّد رجفة بين أركانها.
بلال:
–ثوري غريب؟! أيجرؤ دخيل على أرضي أن يظن نفسه سيدًا بين قومي؟! ألا يعلم أن مملكتي تُبنى بالحديد والنار لا بالهتاف الفارغ؟!
يصمت لحظة، يبتسم ابتسامة ملتوية أشبه بسيف مسموم، ثم يقترب بخطوات بطيئة وعيونه تتوهج بغضب قاتم.
بلال:
–اسمعوني جيدًا، ذلك الأحمق لن يكون رمزًا إلا إذا سمحنا له بالبقاء، أريد أن يُؤتى به إلى قصري، أمام عرشي، ليعرف الجميع أن العروش لا تهتز بكلمات، بل تُرسَّخ بالدماء.
الرجل الثالث، بترددٍ واضح:
–مولاي… القبض عليه علنًا قد يزيد من غضب الشعب، وقد يشعل الثورة أكثر مما يُخمدها…
بلال يصرخ مقاطعًا:
–بل سيُطفئها! حين يرون زعيمهم المزعوم منسحقًا تحت قدمي، حين يسمعون صرخاته تتلاشى بين جدران قصري… سيتذكرون أن بلال هو السيد، وأنه لا سلطان غير سيفي.
يتوقف بلال أمام شعلة كبيرة صاردة من المدفئه تتوهج قرب العرش، يمد يده نحوها، يلامس وهجها الحارق دون أن يطرف له جفن، ويهمس بصوتٍ مميت الوضوح:
–النار لا تلتهم إلا الضعفاء، أما أنا، فأصنع منها عرشي وسلطاني.
ينحني رجاله بصوتٍ واحد، بينما عيونهم تتبادل القلق والخوف. وهج النار ينعكس على ملامح بلال، فيبدو وكأنه شيطان يتغذّى من غضب شعب بأسره
"نيران ثورية في شوارع المملكة"
الشوارع تضج بالهتافات، الأبواب نصف مغلقة، والنساء يطللن من النوافذ بخوف وفضول. الرجال يملؤون الطرقات، أعينهم تلتمع بالغضب، وأصواتهم تتعالى مثل هدير بحر هائج.
الجماهير بصوت واحد:
–العدل… الحرية… كفى ظلمًا!
يتجمع الناس في الساحات، الأعلام الممزقة ترفرف بيد الشباب، الطبول تدق بقوة، وأصوات ارتطام الأقدام بالأرض تصنع إيقاعًا مرعبًا. الحرس الملكي يقف على أطراف الميدان، أيديهم على سيوفهم، التوتر يكسو وجوههم.
رجل مسن يرفع عصاه عالياً:
–لقد أضعفنا الجوع… أخذوا منا أراضينا… سحقوا أبناءنا… إلى متى نصبر؟!
امرأة وسط الجموع، دموعها تنساب لكنها تصرخ بقوة:
–أبناؤنا يموتون في السجون! أين العدالة؟!
تتصاعد الهتافات، تزداد قوة كلما ترددت بين الجدران، حتى كادت الأرض تهتز تحت وقع الأصوات. الغضب ينتشر كالشرارة بين الحشود، والوجوه تشتعل إصرارًا. لكن، رغم كل هذا الغليان، لا يظهر بينهم من يقودهم أو يوجههم. كأن صدى صوت الثوري الغريب وحده ما زال يحرّك القلوب في الخفاء.
أحد الحراس المرتجفين، يهمس في نفسه وكأنه يخشى أن يسمعه أحد:
–إنها النار… وقد اشتعلت بلا وقود ظاهر… أين هو؟ من يشعلها حقًا؟
الشوارع مزدحمه، الهتافات تعانق السماء، والهواء يمتلئ بدخان المشاعل ورائحة الثورة، كأن المملكة على شفا انفجار.
"قاعة المجلس في قصر النور"
في الصباح كانت القاعة هادئة، ستائرها الثقيلة تحجب ضوء النهار، أجواؤها مشبعة برائحة الخوف والترقب من خبر خطف خطف كارمن. فهد يجلس على مقعده العريض، ملامحه مثقلة بالقلق، يده تطرق على مسند العرش ببطء. نزار يقف بجانبه في صمت، كظلٍ وفيّ. الباب يُفتح ويدخل سليمان بخطوات سريعة، ثوبه الأسود يتمايل مع حركته، عيناه تقدحان بالترقب.
سليمان:
–بلغني أن لديك أمرًا خطيرًا، يافهد… ما الذي حدث؟
فهد يتنهد، صوته متحشرج بثقل:
–سليمان… الأمر أعظم مما كنت أحتمل كتمانه أكثر.
لقد حان الوقت لتعرف الحقيقة… مهما كان وقعها عليك.
سليمان يقطب حاجبيه، يقترب خطوة بعد خطوة، صوته يحمل نبرة قلق وغضب مكبوت.
سليمان:
–أي حقيقة؟! لقد اعتدت الألغاز منذ أن جئت إلى هذه المملكة. تكلم بوضوح يا فهد، صبري قد نفذ
نزار يطرق برأسه، يضع يده على صدره بتوتر، لكن لا ينبس بكلمة. فهد ينظر إليه، ثم يعيد بصره إلى سليمان، كأنه يستجمع شجاعته.
فهد:
–كارمن… العرّافة التي عرفتها أنت والآخرون، ليست مجرد عرّافة. كارمن هي في الحقيقه أمك يا سليمان.
صمت ثقيل يطبق على القاعة. وجه سليمان يتجمد، عيناه تتسعان كمن تلقى طعنة في قلبه. يتراجع خطوة إلى الوراء، يضع يده على صدره.
سليمان بصوت مختنق:
–أمي؟!، هل تقول إن كارمن هي أمي …كيف؟!
فهد يميل بجسده للأمام، صوته صارم لكنه يختلط بالحنين:
–نعم، كارمن هي أمك الحقيقية يا سليمان. اختفت منذ أعوام طويلة بعد رحيل والدك وجدك واليوم، عاد اسمها إلينا بخبر صاعق.
سليمان بغضب وارتجاف:
–إي خبر؟!
فهد يحني رأسه، صوته حزين:
–خُطفت… خُطفت على يد بلال ورجاله.
سليمان ينصدم أكثر، يرفع يده إلى رأسه كأنه لا يحتمل وطأة الخبرين معًا. نزار يخطو خطوة للأمام، يضع يده باحترام على كتف سليمان.
نزار:
–صدق ما قاله الملك، يا مولاي… لقد احتفظ بالسر لأنه خشي أن يُستخدم كسلاح ضدك… لكنه آن الأوان أن تعرف وبالأخص بعد علمنا بما حدث.
سليمان يزيح يد نزار ببطء، يرفع رأسه بعينين دامعتين لكن يشتعلان بنار الغضب.
سليمان:
–أمي في يد بلال الآن؟!
لقد حان وقت الحساب… لن أتركها لهم لن تضيع مني مرة أخري الآن الخيوط تشابكت ووضحت انقذها لي دائما، ندائها لي، الآن وضحت الصورة كاملة لي … ولن يهنأ بلال يومًا بعدها لقد تجاوز كل الحدود
تبدلت ملامح سليمان بين الألم والغضب والإصرار. فهد يراقبه، عينيه تمتلئان بمزيج من الحزن والفخر.
فهد بصوت هادئ، لكنه واثق:
—أنا معك يا سليمان… سننقذها معًا… ونُنهي هذا العبث إلى الأبد.
يد سليمان تشتد قبضتها بقوة، والظل الثقيل يلف القاعة كأنه يمهد لمعركة قادمة.
"صراع في غرفة سليمان"
الغرفة شبه مظلمة، الستائر الثقيلة مسدلة، والشمعة الوحيدة على الطاولة تلقي بظلٍ مرتعش على الجدران. جلس سليمان على حافة السرير، يداه تضغطان رأسه بقوة، أنفاسه متلاحقة بين غضبٍ مكبوت وحزنٍ جارح.
سليمان بصوتٍ مبحوح:
–أمي؟! كل حياتي كانت كذبة؟! كيف أستوعب أن من بحثت عنها في أحلامي، من تمنيت أن أعرف وجهها وأن ادفن رأسي بين ضلوعها وأشعر بحنانها… هي نفسها من تُخطف الآن وأنا لا أملك أن أحميها؟! كانت أمامي طيلة هذه المدة ولم اشعر ولا أعرف ان هذه هي أمي وأن بيننا صلة دم
اقترب نزار بخطوات هادئة، بعد أن طرق الباب وفتح، جلس مقابله، نبرته ثابتة ووقورة:
– يا مولاي… أعلم أن الأمر قاسٍ، لكن الحقيقة لم تُخفَ لتُعذّبك، بل لتحميك. والآن، غضبك لن ينفعها… ما سينفعها هو أن نقف جميعاً لنُنقذها.
سليمان يرفع رأسه بعينين دامعتين، صوته يختنق:
– أُنقذها؟! وكيف أنقذها وأنا لم أعرف حقيقتها إلا بعد أن ضاعت؟!
بينما الصمت يخيّم، يُفتح الباب فجأة، وتدخل غفران بوجه شاحب وعيون ممتلئة بالدموع. تقف للحظة ثم تقول بصوتٍ منكسر:
– سمعت كل شيء… لم أستطع أن أظل خارج الغرفة.
ينهض سليمان غاضباً:
–كان عليكِ ألا تسمعي!
غفران تتقدم خطوة، بثبات مفاجئ:
–وكيف أتركك تغرق وحدك؟ أنت لست وحدك يا سليمان، لن أتركك تواجه هذا الألم بمفردك.
تدخل نزار محاولاً تلطيف الجو وهو يضع يده على صدره احتراماً:
– مولاي.. وجودها بجانبك قوة لا ضعف.
وفجأة يُفتح الباب مجدداً، ويظهر ليث، وجهه متجهم وصوته يحمل إصراراً
ليث:
–لن تذهب وحدك يا عمي سليمان… سواء قبلت أم لا. نحن الأربعة سنكون صفاً واحداً. نعم اجاوبك قبل ان تسأل، علمتُ كل شئ ولن أتركك
سليمان ينظر إليهم جميعاً، ملامحه ممزقة بين الألم والامتنان، ثم يزفر ببطء وكأنه يستسلم:
– إذاً… إلى اليمامة. هناك سنجد الأجوبة… وهناك سنُعيدها.
تتلاقى الأعين بين الأربعة، سليمان، نزار، غفران، وليث لحظة صامتة لكنها مشحونة بالعزم. الشمعة ترتجف، كأنها تستشعر أن الرحلة القادمة لن تكون إلا بداية لعاصفة تحمل يا الهلاك يا الخلاص.