البجعة السوداء - بين نارين🖤🦢 - بقلم أمينة شيحة | روايتك

اسم الرواية: البجعة السوداء
المؤلف / الكاتب: أمينة شيحة
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: بين نارين🖤🦢

بين نارين🖤🦢

حزمت نوران حقيبتها بيدين ترتجفان، لكنها كانت تتحرك بآلية غريبة، وكأنها فصلت روحها عن جسدها لتستطيع النجاة. غسلت وجهها مراراً بالماء البارد محاولةً مسح آثار القهر، ورسمت على وجهها قناعاً بارداً وخالياً من أي تعبير. قررت في تلك اللحظة أن تتعامل مع ما حدث كأنه "عدم"، لكي لا تنهار أمام والدتها التي كانت تراقبها بابتسامة نصر زائفة. عند خروجهم من المنزل، كان أحمد ينتظر بجانب سيارته، واضعاً نظارته الشمسية بزهو، يتبادل أطراف الحديث مع خاله وكأنه "البطل" الذي لمّ شتات العائلة. استقلت نوران المقعد الخلفي بجانب والدتها، وما إن تحركت السيارة حتى أخرجت سماعات الأذن ووضعتها، رافضةً أن تسمع صوته أو تشارك في أحاديثهم التي كانت تدور حول ترتيبات الزواج والمستقبل. أغمضت عينيها بقوة، محاولةً استحضار كلمات الأستاذ رامي في خيالها لتطرد بها رائحة "أحمد" التي كانت تملأ هواء السيارة الخانق. كانت تتظاهر بالنوم هرباً من نظراته التي كانت تلاحقها عبر المرآة الأمامية. فجأة، وبحركة عنيفة ومباغتة، شعرت بيد غليظة تمتد نحوها. نشل أحمد السماعات من أذنيها بقوة جعلتها تنتفض بفزع وتفتح عينيها لتلتقي بعينيه الشامتة عبر المرآة. أحمد (بنبرة سخرية حادة): "إلى متى ستهربين وراء هذه الموسيقى يا نوران؟ نحن نتحدث عن بيتنا القادم وعن حياتنا، ومن قلة الأدب أن تتجاهلي خطيبك ووالدتكِ بهذا الشكل." الأم (بلهجة عتاب): "نعم يا ابنتي، أحمد يكلمكِ! انزعي هذه الأشياء وانتبهي معنا، نحن نخطط لمستقبلكِ." نظرت نوران إلى السماعات التي كان أحمد يلوح بها في يده بانتصار، ثم نظرت إلى والدتها التي لم تدافع عنها حتى في هذا الموقف البسيط. شعرت بغصة في حلقها، لكنها لم تنطق بكلمة. كانت نظرات أحمد تقول لها بوضوح: "حتى أذنيكِ وقراركِ بما تسمعين.. أصبح ملكاً لي". أدارت وجهها نحو النافذة، تراقب الطريق الطويل المؤدي إلى منزلها، مدركةً أن "العودة" لن تكون إلا بداية لسجن أضيق، وأن معركتها الحقيقية ستبدأ عندما تبتعد عن عيون عائلتها وتواجه رامي بحقيقتها الممزقة. بعد ساعة، توقفت السيارة أمام منزل نوران. ترجل أحمد بهدوء، وأنزل الحقائب من الصندوق الخلفي وودع والدتها بابتسامة وقورة، بينما اكتفت نوران بإيماءة باردة ودخلت المنزل. بعد لحظات من دخولها، شعرت نوران برعشة ذعر عندما تحسست جيبها ولم تجد هاتفها. "هاتفي! لقد نسيت هاتفي في السيارة!"، صرخت في سرها وهي تتذكر رسائل الأستاذ رامي التي لا تزال هناك. ركضت مسرعة إلى الخارج قبل أن يتحرك أحمد. كان أحمد لا يزال بجانب السيارة يهمّ بالركوب، وحين رآها تركض نحوه، ارتسمت على وجهه ابتسامة غامضة. فتح لها الباب لتأخذ هاتفها، وبينما كانت تمد يدها لانتزاعه، باغتتها يده الغليظة التي التفّت حول خصرها بقوة وجذبتها إليه حتى التصقت بصدره. أحمد (بصوت منخفض وهادئ يحمل نبرة تملك مخيفة): "على مهلك يا عروسي.. الهاتف لن يطير، وأنتِ أيضاً لن تطيري، فقد أصبحتِ ملكاً لي تماماً." حاولت نوران دفعه والابتعاد، لكن قبضته كانت كالحديد. انحنى نحو أذنها وهمس بنبرة حاول جعلها تبدو "نادمّة" لكنها كانت تقطر مكراً: "نوران.. أنا متأسف على كل ما حصل، لكن عليكِ أن تعذري جنوني. لم أستطع تمالك نفسي عندما علمت أن هناك 'حبيباً' في حياتك، الغيرة أكلت قلبي ولم أحتمل فكرة أن يلمس غيري ما هو لي.. لذلك فعلت ما فعلت وخطفتكِ. كل ما أطلبه منكِ الآن هو أن تعطيني فرصة، فرصة واحدة لأثبت لكِ حبي بطريقتي." نظرت إليه نوران برعب واحتقار؛ فاعتذاره كان اعترافاً صريحاً بأن كل العنف والانتهاك الذي مارسه كان سببه "مجرد صديق عابر اعتقد انه حبيبي". كانت كلماته عن "الفرصة" تبدو لها وكأنها تهديد جديد بغلاف رومانسي مزيف. نوران (بصوت يرتجف من القهر): "اتركني يا أحمد.. اتركني." أفلتها ببطء وهو يغمز لها بعينه: "فكر في الأمر.. الفرصة ستعطينها لي برضاكِ أو رغماً عنكِ، لأنكِ في النهاية لي." عادت نوران إلى المنزل وهي تضم هاتفها إلى صدرها، تشعر بنار تشتعل في قلبها؛ فالحرب لم تعد فقط على شرفها، بل أصبحت حرباً على حقها في الحب. اتجهت مباشرة إلى غرفتها وأغلقت الباب خلفها، ثم ارتمت على سريرها. تذكرت كلماته عن "الفرصة" وعن "الغيرة"، فضحكت بمرارة وصمت. أي حب هذا الذي يبدأ بالخطف وينتهي بانتزاع الروح؟ وأي اعتذار هذا الذي يبرر الكسر بأنه "لم يستطع تمالك نفسه"؟ استندت نوران إلى باب غرفتها، وشعرت بأن جدران المنزل الذي نشأت فيه تضيق عليها لتصبح زنزانة انفرادية. لم تكن تشعر بوجع جسدها بقدر ما كانت تشعر بوجع الفكرة التي تنهش عقلها؛ فكرة "الشرف" التي تُختزل في هذا المجتمع بقطرات دمٍ، وكأن تاريخ الفتاة، طموحاتها، وعقلها، كلها معلقة بخيط رفيع قد ينقطع في لحظة غدر. نظرت إلى يدها التي كانت ترتجف، وتذكرت نظرات والدتها.. تلك النظرات التي لم تسأل يوماً: "هل أنتِ بخير؟"، بل كانت تسأل دائماً: "هل فُضحنا؟". أدركت نوران بمرارة أن "الواقع العربي" الذي تعيشه قد أصدر حكمه عليها مسبقاً؛ فالمجتمع لا يرى في الضحيّة إنساناً يتألم، بل يرى فيها "وعاءً للشرف" إذا انكسر، انكسرت معه سمعة القبيلة والحيّ والجيل. نوران (تهمس في سكون الغرفة): "لماذا أنا؟ لماذا أُلام أنا على جرمٍ لم أرتكبه؟ لماذا تُسلب مني حياتي ويُهدر دمي من أجل بضع قطرات تحكم شريط مستقبلي؟" كانت تشعر بالقهر وهي ترى كيف يُغسل ذنب الجاني بكلمة "طيش شباب" أو "غيرة"، بينما تُجلد هي بسياط الصمت والستر القسري. في هذا الواقع، يُعطى للرجل حق الانتهاك باسم "الحب"، ويُفرض على المرأة واجب الانحناء باسم "الحياء". أدركت أن شرفها بالنسبة لهم ليس في أخلاقها ولا في صدقها، بل هو رهينة بيولوجية تُستخدم لإذلالها وكسر إرادتها. تذكرت كلمات أحمد عن "الفرصة"، فضحكت بمرارة تفوق الوصف. لقد سلبها أغلى ما تملك، ثم جاء يطلب منها أن تشكره لأنه سيستر عليها بزواج هو في الحقيقة "سجن مؤبد". المجتمع الذي يقدس الستر، هو نفسه الذي ينهش لحم الضحية بكلمات مثل "هي من أغوته" أو "لو كانت محتشمة لما حدث ذلك"، تاركاً الجاني يتبختر بذكورته المزيفة. نوران (بدموع حارقة): "لقد جعلوني مذنبة في قضية أنا فيها القتيلة.. سلبوا مني حق الصراخ، وحق الرفض، وحتى حق الحزن، وأجبروني على أن أكون 'مستورة' في نظرهم، ومحطمة في نظر نفسي." في تلك اللحظة، لم تعد نوران تبكي على ما فعله أحمد، بل كانت تبكي على منظومة كاملة ترى في جسد المرأة عاراً يجب مواراته، وفي صمتها فضيلة يجب تقديسها. شعرت أن تلك القطرات من الدماء التي يتحدثون عنها، لم تكن شرفاً، بل كانت حبراً كتبوا به حكم الإعدام على روحها، في عالم يغفر للذئب ذنبه، ويرجم الشاة لأنها سارت في طريق الذئاب.