مُعادلة إِلوريَانَا - ذرّات الماضي..! - بقلم Isra lan | روايتك

اسم الرواية: مُعادلة إِلوريَانَا
المؤلف / الكاتب: Isra lan
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: ذرّات الماضي..!

ذرّات الماضي..!

... .... •♡♡•♡♡• كانت الشمس تُشرق على المدينة كعادتها، بوجهٍ رماديٍّ خافت، وكأنها تستيقظ على مضض. في تلك الساعة الهادئة، حين لم تكن الشوارع قد امتلأت بعد بخطى العابرين، كانت “ليان” تفتح باب مطعمها — الصفحة الأخيرة — بخفةٍ يشوبها شعور بالدهشة، كأنها ما تزال غير مصدقة أن هذا المكان أصبح حقًا ملكها. لم يكن مطعمًا عاديًا، بل قطعة من روحها الممزقة التي جمعتها قطعة قطعة، كما يجمع الكيميائي ذرات متنافرة ليصنع منها حياة جديدة. عند الباب، كانت لافتة صغيرة معلّقة بخيوط من النحاس، كُتب عليها بخطٍّ أنيق: “هنا تُقدَّم القصص مع فنجان من القهوة.” دخلت ليان، تلفّها رائحة الخشب والكتب القديمة. كانت الرفوف مصطفّة على الجدران، لا تحمل قوائم الطعام بل روايات وأشعارًا ومذكرات. كل طاولة تحكي حكاية — فهناك طاولة صُنعت من بابٍ قديم لمدرسة مهجورة، وأخرى من لوح كيمياء كانت قد استعملته في دراستها الجامعية. حتى الألوان كانت غريبة: جدران بلون الرماد المائل إلى الزرقة، وستائر بيضاء كصفحاتٍ تنتظر من يكتب عليها. في الصباح، تبدأ بتلميع الأكواب وترتيب الكتب بعناية، تقلب الصفحات كما لو كانت تراجع أرواحًا نائمة. كانت تحبّ الصمت الذي يملأ المكان قبل قدوم الزبائن، ذلك الصمت الذي يذكّرها بالمختبرات الجامعية، لكنه هنا أدفأ، أقلّ قسوةً، يشبه حضنًا من ورق وحبر. … مع مرور الأيام، بدأ المطعم يجذب الناس — ليس لأن القهوة لذيذة فقط، بل لأن المكان كان يشبه ملجأً للأرواح المتعبة. تأتيه النساء في منتصف النهار، يقرأن في الزوايا بصمت، وبعضهن يكتبن رسائل لا يُرسلنها أبدًا. رجال يختبئون خلف الجرائد، طلاب يراجعون دروسهم، وأصدقاء يتحدثون بصوتٍ خافتٍ بين رفٍّ وآخر. كانت ليان تمشي بينهم بابتسامة هادئة، تحرص أن تبدو قوية. لكن في داخلها، كانت تشعر بشيء غريب: كأنها بنت عالمًا جميلاً، إلا أنها لا تنتمي إليه تمامًا. في الليل، حين تغلق الأبواب وتطفئ الأضواء، كانت تجلس وحدها في الزاوية نفسها التي تجلس فيها كل مساء — أمام طاولة قرب النافذة، حيث تنعكس الأنوار الخافتة على الزجاج مثل نجوم ضائعة. تفتح دفترًا صغيرًا وتكتب فيه كلمات مبعثرة: “ما نفع النجاح إن لم يشفَ داخلي؟ هل السعادة تركيبة… لم أكتشف معادلتها بعد؟” ثم تغلق الدفتر وتغمس أناملها في فنجان القهوة، تراقب دوائر البخار تتصاعد كأنها أسرار الكون تتبخر أمامها. بدأ اسم الصفحة الأخيرة ينتشر في المدينة. كانت الصحف المحلية تكتب عنه، وتصفه بأنه “مطعم الثقافة والروح”. الزبائن الدائمون صاروا عائلتها الثانية، وكل واحد منهم يحمل قصة غريبة. كانت تحفظ مواعيدهم، تعرف من يطلب القهوة المرة، ومن يقرأ روايات دوستويفسكي، ومن يترك الكتاب مفتوحًا على نفس الصفحة كل يوم، كأنه يخشى النهاية. لكن في كل نجاح، كان هناك ظلّ صغير يتبعها — ظلّ الحزن القديم الذي لم يفارقها منذ الجامعة. كانت تشعر به أحيانًا وهي تضحك مع الزبائن، أو حين يمدحها أحدهم بابتسامة. ذلك الشعور بأن هناك شيئًا ناقصًا، مجهولًا، ينتظرها في مكان ما، خلف جدارٍ من الزمن. ☆☆☆ ذات مساءٍ، وبينما كانت ترتّب بعض الصناديق القديمة في المخزن، سمعت صوت المطر يتساقط على الزجاج بشدّة. رائحة الأرض المبللة تسللت إلى المكان، فابتسمت بخفة. المطر كان الشيء الوحيد الذي يجعلها تشعر بالحياة من جديد. فتحت النافذة الصغيرة المطلة على الشارع، فرأت المارة يركضون والمظلات تتطاير. تذكّرت طفولتها، حين كانت تجري تحت المطر وتضحك بلا خوف. أغمضت عينيها قليلًا، ثم همست لنفسها: “ربما أنا أيضًا أحتاج أن أغتسل من الماضي… مثل الأرض.” رجعت للمخزن، لكن فجأة، لفت انتباهها شيء بسيط… لوح خشبي في زاوية الجدار بدا مختلفًا قليلًا عن بقية الألواح، كأنه يخفي خلفه سرًا صغيرًا. تجاهلته في البداية، فاليوم طويل والليل يوشك أن يبتلعها، لكن ذلك الإحساس الغريب تسلّل إلى صدرها — إحساس أن المكان نفسه يناديها. ☆☆☆ في تلك الليلة، نامت بصعوبة. ظلت تسترجع تفاصيل اليوم، ووجهها المبتسم بين الزبائن، واللوح الخشبي الغامض في المخزن. هناك شيء في هذا المكان أكبر من مجرد مطعم… لكنها لم تعرف بعد أن القبو الذي تحت قدميها لم يكن مجرد مساحة منسية، بل بوابة لعالمٍ آخر ينتظرها بصمتٍ كصبر السماء قبل العاصفة.