المعادلة الناقصة
أم ليان لاحظت عزلتها الكبيرة فخافت على ابنتها كأي أم ولهذا اتصلت على صديقتها لكي تخرجها للعالم حسب ظنها.
وبالفعل نجحت الام وتواعدا على المكان…
كانت المقاهي في مدينتها متشابهة إلى حدٍّ يثير الضجر، لكنّ مقهى “العبّاس” الذي يقع في زاوية الشارع القديم كان مختلفًا قليلًا.
مقاعده من الخشب العتيق، وجدرانه تتنفس رائحة القهوة والكتب القديمة، والضوء فيه مائل إلى الذهبي كأنه قادم من زمنٍ آخر.
جلست “ليان” على الطاولة القريبة من النافذة، تنتظر صديقتها “سارة” التي لم ترَها منذ تخرجهما.
في الخارج، كان المطر يوشك أن يبدأ، والسماء تتدحرج بين الرمادي والفضي، مثلما تتدحرج أفكارها بين اليأس والحنين.
كانت ترتدي معطفًا رماديًا واسعًا يخفي نحولها، وشعرها البني مربوط بخفة كما لو أنها فقدت الصبر حتى على مظهرها.
حين دخلت “سارة”، بدا المكان كأنه استعاد صوته.
كانت مختلفة كليًا عنها: أنيقة، نشيطة، تعمل في شركة خاصة منذ عام تقريبًا، تحمل في صوتها ضحكة الواثقين.
احتضنتها بحرارة قائلة:
“ياااه ليان! ما تغيّرتي أبداً… بس يمكن صرتِ أنحف.”
ابتسمت ليان بخجلٍ هادئ:
“يمكن لأن الشغل متعب… أقصد، البطالة متعبة.”
❀❀❀
ضحكت سارة، ثم جلستا.
تحدثتا عن الجامعة، عن الأيام القديمة، عن الأساتذة، عن التجارب التي كنّ يفشلن فيها ويضحكن بعدها.
لكن وسط الحديث، كان في عيني ليان ذلك البريق الحزين، كأنها تنظر إلى صورٍ بعيدة عبر زجاج ضبابي.
قالت سارة وهي تحرّك ملعقة السكر في فنجانها:
“تعرفين، كنتِ أكثرنا طموحاً. ما كنت أتخيلك تجلسين كذا بدون عمل.”
ابتسمت ليان، لكنها لم تجب فورًا.
ثم قالت بصوتٍ يشبه الهمس:
“أحياناً أشعر أني خارج المعادلة… كل شيء يتحرك إلا أنا.”
كانت الجملة الأخيرة كافية لتصنع صمتاً طويلاً بينهما.
حتى صوت المطر بدأ يطرق الزجاج بخفة، كأنه يشاركها شكواها.
قاطعت ليان الصمت وقالت:
-تعرفين يا سارة؟ عاد الي شغف القراءة…
-ماذا؟
-القراءة… اكتشفت ذلك في عز اكتئابي، اظن انني احببت الكتب كثيرا لدرجة ارغب الآن القراءة (ضحك خفيف)
-لكن لا اعلم لماذا اشعر هكذا!
-كأني بلا روح…
سارة حاولت أن تغيّر الجو، قالت وهي تمسح بخار الزجاج بإصبعها:
“تعرفين وش كنت أفكر؟
إنتِ مدام تحبين الكتب، والمكان هذا شكله على مزاجك.
ليه ما تفتحين مقهى أو مكتبة صغيرة؟ شي بسيط، للناس اللي تحب الهدوء مثلك.”
رفعت ليان حاجبيها بدهشة.
“مقهى؟”
“إيه! مقهى… بس مش أي مقهى.
تخيلي مكان فيه كتب، قهوة بنكهة الفانيليا،
الناس تقرأ وتكتب وتنسى العالم.”
كانت الفكرة في البداية مجرد مزاح،
لكنّ شيئًا ما في داخل ليان ارتجف.
شعرت كما لو أن الكلمات صدى لشيءٍ كانت تفكر فيه منذ زمن دون أن تجرؤ على قوله.
…
في طريق عودتها إلى المنزل، لم تفكر في المطر ولا في البرد،
كل ما كانت تراه في ذهنها هو المكان الذي وصفته سارة.
مقهى صغير… يشبه الحلم، يشبهها.
مكان تضع فيه كتبها المفضلة، وتكتب اقتباسات على الجدران بدل اللوحات.
مكان هادئ مثل قلبها، لا يزدحم بالضجيج، ولا يحتاج إلى تبرير.
في تلك الليلة، بقيت مستيقظة حتى الفجر.
نشرت أوراقها القديمة على الطاولة، وبدأت تخربش أفكاراً عشوائية:
“قهوة + كتب = راحة”
ثم كتبت تحتها بخطٍ متردد:
“الصفحة الأخيرة.”
نظرت إلى الاسم طويلاً حتى شعرت أن الحروف تنبض.
كأن هذا الاسم يملك روحًا خاصة،
روحًا تقول:
“ابدئي من هنا.”
في الأيام التالية، بدا وكأن الحياة استعادت لونها ببطء.
صارت تستيقظ مبكرة، تذهب لمقابلة أصحاب المحلات القديمة، تبحث عن مكان صغير في الحيّ الهادئ القريب من الجامعة.
كلما رأت واجهة زجاجية متربة، تخيّلت كيف ستضع عليها لوحتها الخشبية المكتوب عليها بالخط الدافئ:
“الصفحة الأخيرة — مقهى وكتب.”
حتى والداها لاحظا التغير.
ابتسامة خفيفة بدأت تعود إلى وجهها، وصوتها صار أكثر حياة.
كانت تمشي بخفة في البيت، تجمع النقود القليلة التي وفرتها من أعمال جزئية: تدريس، كتابة تقارير، ترجمة.
كانت تشعر أخيرًا أن لها مشروعًا شخصيًا، ولو صغيرًا،
أنها ستبني شيئًا بيديها… وليس بانتظار أحد.
…
وفي أحد الأيام، وجدت المكان الذي كانت تبحث عنه.
مبنى قديم يقع في شارع جانبي، مهجور منذ سنوات، لكن واجهته الحجرية مليئة بالجمال الكلاسيكي.
حين دخلته، سكنت عيناها الدهشة.
الأرضية من الرخام القديم الموشح بالغبار،
والنوافذ العالية تسمح للضوء بالدخول كأنه يرقص على الجدران.
كانت الرائحة خليطًا من الخشب العتيق والرطوبة،
ورغم ذلك، شعرت بشيء غريب يشدها إليه،
كأن المكان كان ينتظرها هي بالذات.
تقدمت بخطواتٍ مترددة، لمست الجدران بإصبعها،
كأنها تلامس ذاكرة نائمة.
هناك زاوية في آخر القاعة، خلف ستارة ممزقة، بدت وكأنها تخفي شيئًا.
اقتربت… رفعت الستارة ببطء.
ظهر أمامها بابٌ حديدي صغير غارق في الصدأ.
لم يكن كبيرًا، لكنه بدا غريبًا، مختلفًا عن بقية المكان.
عليه نقوش لا تشبه مفاتيح البناء، ولا العلامات المعتادة.
رموز غريبة ملتفة، كأنها دوائر كيميائية مشوّهة.
انحنت نحوه تتأمله.
حين لامست قبضته الباردة، شعرت بوخزة خفيفة في أطراف أصابعها،
فانتفضت وابتعدت قليلاً.
نظرت حولها — لا أحد.
الهدوء كثيف لدرجة أنها سمعت دقات قلبها.
ضحكت بخفة لتبدد الخوف، وقالت بصوتٍ منخفض:
“أكيد بس الكهرباء أو صدأ.”
لكن حين التفتت لتخرج،
شعرت أن الهواء تغيّر.
رائحة خفيفة، غريبة، تشبه مزيج الحديد المذاب والمطر، ملأت أنفها.
وقفت لثانية، ترددت، ثم قالت في نفسها:
“مش وقته. بعدين أشوفه.”
خرجت من المبنى، وأشعة الشمس تلامس وجهها بخفة.
لكن في داخلها ظلّ السؤال يتردد كصدى بعيد:
“ما الذي يوجد خلف ذلك الباب؟”
كانت لا تعلم أن هذا الباب الصدئ…
سيكون أول خيطٍ يقودها إلى عالمٍ لا يشبه أي عالمٍ عرفته من قبل…
...
انتهى الفصل الاول والثاني اعلم ان الفصلين لم يكونا طويلين ولكن انا تعمدت ذلك (。◕‿◕。)
اصدقائي رجاءا ادعموني وتفاعلو لكي اتحفز انا الاخرى وانشر الرواية كاملة وشكرا..