رماد الحلم..!
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته اصدقائي بسم الله والصلاة والسلام على اشرف خلق الله اللهمَّ صلِّ وسلم وبارك على نبينا محمد 🌺(صلوا عليه)
ابدأ روايتي الاولى تحت اسم» معادلة إلوريانا»
كتبتها بكل حب وتعب ارجوا ان تقرأوها كذلك انتم بكل حب...
انها تتحدث عني نوعا ما... او عنك؟ ربما.. لا نعلم ربما تتحدث عنكِ، لكن لنكتشف ان كانت تتحدث عني او عنك ينبغي لنا قراءتها اليس كذلك؟
حسنا حسنا لن اطيل عليكم بكلامي السخيف ┐( ˘_˘)┌
قراءة ماتعة اصدقائي
هذا اول فصل... ارجوا الا تحكموا على الرواية من اولها!
>>>>
♡♡♡♡
هل شعرت يومًا أن الحياة تسخر منك بهدوء؟
أنك تسير في طريقٍ لم تختره، لكنّك مضطر للمشي فيه لأن لا طريق آخر؟
ليان مراد كانت تعرف ذلك الشعور جيدًا.
بل كانت تحفظ مذاقه… كما يحفظ الكيميائي طعم المرارة بعد تجربة فاشلة.
كانت ليان مراد تؤمن أن الأرقام لا تخطئ، وأن المعادلات – مهما تعقّدت – تفضي في النهاية إلى نتيجةٍ عادلة.
لكنها لم تكن تعرف قبلا أن الحياة لا تخضع لقوانين الكيمياء.
استيقظت صباحًا على ضوءٍ رماديٍّ يتسلّل من شقّ النافذة المكسور.
لم يكن نهارًا مشرقًا ولا ليلًا كاملاً، بل شيئًا باهتًا بينهما… كأن السماء نفسها ترفض أن تبدأ يومًا جديدًا.
مدّت يدها إلى الطاولة الصغيرة قرب سريرها، تتحسّس هاتفها القديم، ثم تفتحه بعينين مثقلتين.
صمتٌ. لا إشعارات، لا اتصال، لا شيء.
نظرت إلى السقف وتنفّست ببطء… "يوم آخر بلا جديد."
كانت قد أنهت دراستها في الكيمياء التحليلية منذ عامٍ ونصف، بشغفٍ كان آنذاك أكبر من العالم.
كانت ترى نفسها يومًا في معملٍ أبيض مضاءٍ بأجهزة دقيقة، تحلل عيّنات وتكتشف مركبات جديدة تُنقذ حياة البشر.
لكن الحلم تلاشى مثل بخار يتصاعد من كأس زجاجية في مختبرٍ مهجور.
اليوم، صارت تقضي ساعاتها بين إعلانات الوظائف الوهمية ورسائل الرفض المؤدّبة.
كانت البطالة ككابوسٍ لا تستيقظ منه، تُجرّها من حلمٍ إلى خيبة، ومن خيبةٍ إلى جدارٍ مسدود.
خرجت من غرفتها الصغيرة في بيت العائلة، تمشي بخطواتٍ ثقيلة نحو المطبخ.
الجدران متشققة، والطلاء يتقشّر كما تتقشّر أيامها.
في الزاوية تجلس أمها، تراقبها بصمتٍ حنونٍ مؤلم.
قالت الأم بنبرةٍ خافتة:
– "مازلتِ مستيقظة حتى الفجر؟"
أجابت ليان وهي تصبّ القهوة:
– "كنت أراجع سيرتي الذاتية… ربما المشكلة فيها."
❀❀❀
هزّت الأم رأسها، ولم تقل شيئًا. كانت تعلم أن ابنتها لا تبحث فقط عن عمل، بل عن معنى.
أما والدها، فكان في الحديقة، يعتني بأصص الزرع الصغيرة بصمتٍ يُشبه التوبيخ غير المقصود.
كان رجلاً يؤمن بالعمل حتى آخر رمق، وغياب العمل عن ابنته كان بالنسبة له عارًا لا يستطيع شرحه.
جلست ليان عند النافذة، تحدّق في الأفق الرمادي، حيث تتزاحم الأبنية القديمة كأنها تحاصر السماء.
المدينة بدت باردة رغم شمس الصيف.
كانت ” الأَزْمَكِيّة ‟مدينةً تتنفس التعب، يقال ان اسمها مشتق من جذر يعني "الضيق" أو "القوة المحصورة"
، مما يوحي بمدينة محصورة ومحكمة السيطرة،
تختلط فيها رائحة البن بالحديد، وضجيج الشاحنات بأحلامٍ لم تولد بعد.
❀❀❀
كانت ليان تخرج كل يوم في الصباح، ترتدي حقيبتها وتتصنع الانشغال،
تمشي بين الشوارع لتُقنع نفسها أنها لا تزال تسعى، أنها لم تستسلم بعد.
تمرّ بالمقاهي المزدحمة بالوجوه الشاحبة، بالمكتبات الصغيرة التي تبيع كتبًا غطاها الغبار،
وتقف أحيانًا أمام واجهات محلات الأجهزة الطبية، تتأمل تلك القوارير الزجاجية الصغيرة بشوقٍ غريب،
كأنها تنظر إلى عالمٍ كانت تنتمي إليه يوماً.
ذات مساء، جلست على حافة سريرها، دفترها أمامها.
كتبت بخطٍّ متعب:
“الكيمياء علمُ التفاعلات… لكن ماذا لو لم يتفاعل العالم معنا؟ ماذا لو كنا المادة التي لا تُحدث أي أثر؟”
ثم أغلقت الدفتر بقوة، ودفنته تحت وسادتها.
مرت الشهور ببطءٍ خانق.
أحيانًا تعمل في أعمال جزئية: تبيع منتجات تجميل عبر الإنترنت، أو تُدرّس الأطفال قليلاً من الكيمياء.
لكنها كانت تشعر أن روحها تُستهلك، وأن عقلها يذوب في اللاجدوى.
كانت المدينة نفسها تذوب مثلها.
الناس في الشوارع يمشون بوجوهٍ منطفئة، والسماء لا تمطر إلا غبارًا.
وذات يومٍ، بينما كانت في الحافلة عائدة إلى المنزل بعد درسٍ خاص، رأت لوحة إعلاناتٍ قديمة كُتب عليها:
“كن أنت التغيير الذي تنتظره.”
ضحكت بمرارة، وقالت في سرّها:
“التغيير؟ التغيير لا يزور البطالين.”
☆☆☆
مرت نسمة باردة فحركت خصلات شعرها، شعرت بوخز غريب في صدرها.
قالت لنفسها بصوتٍ مبحوح:
"ربما كنتُ أحلم أكبر من اللازم..."
ثم ضحكت بمرارة.
صارت تخاف من الليل، لأنه يجعلها تفكر.
تفكر في العمر الذي يضيع مثل بخار فوق كأس ماء دافئ.
تفكر في أصدقائها الذين وجدوا وظائف أو تزوجوا أو سافروا، بينما هي عالقة في منتصف اللاشيء.
❀❀❀
أحيانًا كانت تخرج وحدها عند الغروب، تمشي بلا وجهة.
تمر بجانب محلات ملابس لامعة، مقاهي مزدحمة بالناس.
كل الوجوه هناك تتحرك بثقة، وكأن الجميع يعرف طريقه…
إلا هي.
وفي كل مرة تمر بجانب مختبر تحاليل طبية، يتوقف قلبها للحظة.
تشمّ رائحة الكحول والمحاليل التي كانت تملأ أيامها في الجامعة،
فتغرق في حنينٍ موجع لزمنٍ كانت تشعر فيه أنها “شخصٌ مفيد”.
ليلة أخرى، جلست في غرفتها وسط الظلام.
كانت الكهرباء منقطعة، والشمعة الوحيدة تذوب ببطء على الطاولة.
فتحت دفترها القديم وبدأت تكتب دون وعي:
"عنصر الأمل… يتبخر عند درجة خيبةٍ معينة."
ثم توقفت، نظرت إلى الجملة طويلاً حتى انهمرت دموعها.
كأنها أخيرًا توصّلت إلى معادلة حياتها:
الأمل يتحلل ببطءٍ حين لا يجد ما يتفاعل معه.
…
وفي صباح اليوم التالي، استيقظت على ضوءٍ باهت يتسلل من النافذة،
كان الهواء بارداً، وصوت المذياع من غرفة والديها يحمل أخباراً عن بطالة الشباب، وغلاء الأسعار، ونقص فرص العمل.
ابتسمت بسخرية وقالت لنفسها:
"حتى المذياع صار يذكرني بفشلي."
لكن في عينيها — رغم كل التعب — كان هناك شيء صغير…
وميض خافت جداً يشبه ما تبقى من لهب بعد انطفاء الحلم.
…
في زاوية غرفتها الباردة، بعيدًا عن صخبِ العالم وضجيج الأرواح، اختارت ليان العزلة ملاذًا، والصمت حديثًا. كانت تظنّ أن هذا الجدار الصامت سيحميها من المزيد من الخذلان والألم. لكن الوحدة، كأي سيف ذو حدين، كانت تزيد من وطأة الكآبة، حتى لمحَتْ ذات يومٍ كتابًا قديماً نُسِيَ على الرف. لم تكن تبحث عن شيء، فقط عن أيّ ملهٍ يقتلها بدل أن تقتلها الأفكار.
فتحت الكتاب لأول مرة بلا هدف، لكنها سرعان ما وجدت نفسها تنزلق إلى عالمه كغريقٍ يمسك بقطعة خشبٍ في عرض البحر. لم تكن مجرد حروف، بل كانت أبوابًا مفتوحة نحو عوالم لم تكن تعرف بوجودها. كانت الرواية الأولى بمثابة رشفة ماء بارد بعد عطشٍ طويل، أيقظت فيها شيئًا كان خاملاً، نبضًا جديدًا وشغفًا منسيًا.
تحوّلت غرفة ليان، من سجنٍ للعزلة، إلى خلوةٍ مُقدسة. صارت الكتبُ أصدقائها الموثوقين، والصفحاتُ نافذتها على الحياة التي لم تستطع أن تعيشها. غرقت في قراءة الروايات بأنواعها المختلفة بشغفٍ لا يُوصف. عانقت روايات التاريخ لتسافر عبر العصور، وتجولت في أزقة المدن الغامضة مع روايات الجريمة، وتاهت بين مشاعر العشق والفقد في الروايات العاطفية، وحلّقت في سماء الخيال مع الفانتازيا. كل نوعٍ كان يفتح لها أفقًا جديدًا للنظر إلى الحياة.
أدركت ليان أن القراءة ليست مجرد ترفٍ أو هواية، بل كانت طوق نجاة، وبلسمًا لجروحها الغائرة. كانت كل رواية بمثابة جلسة علاجية، تُشعل في داخلها شمعة ضوء تخترق عتمة الاكتئاب. أصبحت تتعايش مع آلام الشخصيات، وتتعلم من تجاربهم، وتفهم دوافعهم، وفي كل نهاية قصة تجد جزءًا من روحها المعذبة قد التئم. القراءة علّمتها التعاطف مع الآخرين، والأهم من ذلك، التعاطف مع نفسها.
أمسكَتْ بقلمها بعد أشهر من الغرق في بحور الكلمات، وبدأت تسطّر خواطرها وتجاربها، مُتأثرةً بعمق الأساليب التي قرأتها. لم تعد فتاةً خائفةً من الحياة، بل أصبحت رحّالةً بين الأسطر، مُكتشفةً لقوة الكلمة. أدركت أن الاكتئاب الذي كان يعصف بها لم يكن نهاية المطاف، بل كان منعطفًا قادها إلى اكتشاف شغفها الحقيقي، وإلى قوةٍ لم تكن تعلم بامتلاكها: قوة القارئ الذي يستطيع أن يخلق عوالم كاملة داخل صفحة بيضاء، وأن يجد في حبر الكلمات دواءً شافيًا لكل أوجاعه.
من تلك اللحظة، لم تعد تشعر بالوحدة، فرفوف مكتبتها صارت تعجُّ بالرفقة الصادقة، ورائحة الورق القديم أصبحت عطرها المفضل. تحوّل خوفها إلى شغف، ويأسها إلى إيمان مطلق بسحر الكلمة، وأنّ لكل روحٍ مهزومةٍ كتابًا ينتظرها ليمنحها قبلة الحياة. القراءة لم تكن مجرد مخرج، بل كانت مدخلاً لحياةٍ جديدة، حياة ليان التي وُلِدَت من جديد بين صفحات كتاب.