البجعة السوداء - ذكريات الجحيم 🖤🦢 - بقلم أمينة شيحة | روايتك

اسم الرواية: البجعة السوداء
المؤلف / الكاتب: أمينة شيحة
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: ذكريات الجحيم 🖤🦢

ذكريات الجحيم 🖤🦢

عادت نوران إلى البيت والشرود يسيطر عليها، لتجد والدتها بانتظارها وفي عينيها نظرة تعرفها نوران جيداً؛ نظرة "الرجاء" التي تسبق دائماً الطلبات العائلية الصعبة. جلست الأم بجانبها وربتت على كتفها بحنان، وبدأت تمهد للموضوع بنبرة هادئة. الأم: "نوران يا ابنتي، كنت أتحدث مع خالتك اليوم.. هي تلح كثيراً، وتتمنى أن تقضي أنتِ عطلة الصيف عندهم في الدار. تقول إن 'لمار' ابنة خالكِ مشتاقة إليكِ كثيراً وتحتاج لرفقتك." نوران (تجمدت ملامحها واختفت ابتسامتها): "منزل خالي؟ مستحيل يا أمي. أنتِ تعلمين أنني خططت للدراسة والتحضير للجامعة، لا وقت لدي للعطلات." الأم (بلهجة توسل): "أرجوكِ يا نوران، لا تكسري بخاطري. خالتكِ أصرت، وتقول إن لمار وحيدة وتحتاج لمن يشجعها على الدراسة أيضاً. هي بضع أيام فقط، ستغيرين فيها الجو وتعودين بنشاط أكبر. خالكِ يسأل عنكِ دائماً، والقطيعة ليست جيدة بين الأهل." نوران (بصوت مخنوق وهي تحاول تمالك أعصابها): "أمي، أرجوكِ.. أي جو سأغيره هناك؟ أنتِ تعرفين أنني لا أرتاح في ذلك البيت. المكان يذكرني بأشياء.. أشياء تؤلمني." الأم (تمسك يدها وتنظر في عينيها برجاء): "يا ابنتي، الماضي انتهى، ونحن الآن أولاد اليوم. خالكِ وعائلته يحبونك، ولمار صديقتك منذ الصغر. لا تجعليني أبدو محرجة أمامهم، لقد وعدت زوجة خالك أنني سأقنعكِ. من أجل خاطري والصلح بيننا، اذهبي وقضي أسبوعاً واحداً فقط." نوران (تنظر إلى الأرض بمرارة، وصورة ابن خالها تلوح في ذاكرتها): "أسبوع واحد؟ هل تعتقدين أن أسبوعاً كافٍ لنسيان كل شيء؟ أمي، السكوت الذي فرضتموه عليّ كان كافياً، لا تطلبي مني أن أمثل دور 'العائلة السعيدة' هناك." الأم (تمسح على رأسها ودمعة تترقرق في عينها): "أعرف أنكِ قوية يا نوران، وأعرف أن قلبكِ طيب. افعليها من أجلي فقط، لا أريد أن يقال إننا ما زلنا نحمل ضغينة. لمار ليس لها ذنب، وهي تنتظركِ بفارغ الصبر." نظرت نوران إلى والدتها، وشعرت بتمزق داخلي بين رغبتها في الصراخ برفضها القاطع، وبين ضعفها أمام توسلات أمها التي ترى في "الذهاب" مجرد واجب عائلي، بينما تراه نوران عودةً إلى مسرح الجريمة. اشتعلت النيران في عيني نوران، ونفضت يد والدتها عنها فجأة وهي تقف بحدة، وكأن لمسة الحنان تلك أصبحت قيداً يخنقها. لم يعد بإمكانها التمثيل، ولا لبس قناع "البنت المطيعة" الذي أهلك روحها لسنوات. نوران (بصوت يرتجف من القهر والغضب): "أسبوع واحد؟ هل تعتقدين يا أمي أن أسبوعاً كافٍ لغسل القذارة التي شعرتُ بها؟ كيف تطلبين مني العودة إلى المكان الذي سُلبَت فيه إرادتي؟ إلى البيت الذي يسكنه الشخص الذي دمر حياتي؟" الأم (بفزع وهي تحاول خفض صوت ابنتها): "اششش.. اخفضي صوتكِ يا نوران، الجيران سيسمعون! ابن خالكِ تغير، وقد اعتذر لوالديّكِ وانتهى الأمر. نحن عائلة واحدة، والستر هو أهم شيء..." نوران (تضحك بمرارة وسخرية): "الستر؟ أنتم سترتم عليه هو، أما أنا فقد كشفتم ظهري للريح! أنتم تعيشون وكأن شيئاً لم يكن، تجلسون مع خالي وتضحكون، وتتبادلون الزيارات، بينما أنا أموت في اليوم ألف مرة كلما تذكرت وجهه. هل تعرفين معنى أن تكوني محبوسة لأيام وأنتِ لا تعرفين إن كنتِ ستخرجين حية أم لا؟" الأم (بلهجة قاسية قليلاً لتنهي النقاش): "لقد عدتِ سالمة يا نوران، وهذا ما يهم! لم يمسكِ سوء كما تدعين، كان طيش شباب وانتهى. لا تظلي سجينة للماضي وتدمرين علاقتنا بأهلي." نوران (تصرخ والدموع تنهمر بغزارة): "لم يمسني سوء؟ نفسي مدمرة يا أمي! أحلامي أصبحت كوابيس، ونظرات الناس تطاردني حتى في خيالي. أنتم قتلتموني يوم أن أجبرتموني على السكوت، والآن تريدون مني أن أذهب لأتناول الغداء مع 'خاطفي' وأبتسم لابنته؟" ضربت نوران يدها على الطاولة بقوة، وتابعت بنبرة قاطعة كالسكين: "لن أذهب. لو كان هذا آخر يوم في عمري، لن أطأ تلك الدار. اذهبي أنتِ، قولي لهم إنني مريضة، قولي إنني جننت.. قولي ما تشائين. لكنني لن أكون الضحية التي تذهب لجلادها لتقول له 'شكراً لأنك تركتني أعيش'." تركت نوران والدتها مذهولة في وسط الغرفة، وركضت نحو غرفتها وأغلقت الباب خلفها بقوة، لتنهار خلفه وهي تضج بنحيب مكتوم، مدركة أن عائلتها اختارت "سمعتها" الزائفة على حساب حطام ابنتهم الوحيدة. داخل غرفتها، انهار العالم تماماً. أسندت نوران ظهرها إلى الباب الخشبي الصلب، وكأنها تحاول منع الماضي من اقتحام خلوتها، وانزلقت ببطء حتى لامست ركبتيها الأرض. كتمت وجهها بين كفيها، واحتضنت ساقيها بقوة، بينما انطلقت من حنجرتها شهقات مكتومة وممزقة، تلاها نحيب هادئ ومرير هزّ جسدها النحيل بالكامل. لم تكن تبكي فحسب؛ بل كانت تنزف روحاً أرهقها الخذلان. وسط عاصفة حزنها، وصلها صوت والدتها من خلف الباب، وهي تتحدث بنبرة خفيضة ومصطنعة على الهاتف: "أهلاً يا أم لمار.. نعم، كلمتها.. للأسف، يبدو أن نوران متعبة قليلاً هذه الأيام، ضغط الدراسة والامتحانات... لا أظن أنها ستتمكن من المجئ في العطلة، تعوضها في مرة أخرى إن شاء الله.. سلمي لي على الجميع." سقطت الكلمات على مسامع نوران كجمرات من نار. "متعبة"؟ "تعوضها"؟ هكذا ببساطة؟ أغلقت عينيها بقوة محاولة صمّ أذنيها عن سماع هذا الخذلان العلني، وعن طمس الحقيقة بعبارات المجاملة الرخيصة. وفي تلك اللحظة بالذات، أضاءت شاشة هاتفها الملقى على الأرض بجانبها. أتى إشعار برسالة جديدة. رفعت الهاتف بيد ترتجف، ونظرت إلى الشاشة.. تجمد الدم في عروقها، واتسعت عيناها برعب يفوق الوصف. كان المرسل هو "هو". اسم حساب ابن خالها. لم تكن الرسالة نصية؛ بل كانت مقطع فيديو. بأصابع متصلبة، ضغطت على زر التشغيل. في الثواني الأولى، لم تستوعب ما تراه، لكن سرعان ما صفعها الواقع بوحشية. كان الفيديو يصور، بوضوح قاتم ودقة مرعبة، تلك الليالي السوداء التي قضتها محتجزة لديه. كان يصور لحظة الاعتداء عليها، لحظة اغتصابها. سقط الهاتف من يدها وكأنه قطعة من الجحيم. ارتجف جسدها بعنف، وشعرت بغثيان يجتاح أحشاءها. لم تستطع الصراخ؛ فقد خانها صوتها، وخانتها قواها، وتجمدت الدموع في عينيها من هول الصدمة. كانت الكاميرا توثق عجزها، توسلاتها المخنوقة، ووجهه البارد والمنتصر. وقبل أن تفيق من صدمة الفيديو، أضاءت الشاشة مرة أخرى برسالة نصية مقتضبة من الحساب نفسه، قرأتها وهي ما زالت ملقاة على الأرض: "هذا الفيديو ليس للعرض.. هو للتذكير فقط. إذا لم توافقي على المجيء، وعلى كل شيء يطلبونه منكِ هناك بابتسامة.. سأجعل الجامعة كلها، وعائلتكِ، والحي بأكمله يشاهدون 'فيلمكِ' المفضّل. الاختيار لكِ.. يا 'ابنة عمتي'." نظرت نوران إلى الهاتف، ثم إلى الباب الذي يفصلها عن والدتها التي كانت ما تزال تثرثر على الهاتف عن "الستر" و"الصلح". شعرت أنها وحيدة تماماً، محاصرة بين فكي كماشة: ماضٍ موثق بالفيديو يهدد بتدمير ما تبقى من حياتها، وعائلة فضّلت دفن رأسها في الرمل على حمايتها. لم يكن أمامها سوى خيار واحد، خيار أملاه عليها جلادها من جديد، خيار يفرض عليها العودة إلى سجنها، لكن هذه المرة.. وهي تحمل وثيقة ذلها بين يديها. مدت يدها المرتجفة وسحبت الهاتف مرة أخرى. أعادت النظر إلى الرسالة، كل حرف فيها كان يغرس نصلاً في كرامتها. "الموافقة على كل شيء".. "بابتسامة". أدركت نوران في تلك اللحظة أن "الستر" الذي طالما تغنت به والدتها لم يكن حماية لها، بل كان الزنزانة التي سمحت لهذا الوحش بصناعة قيوده الجديدة. نوران (تهمس لنفسها بصوت محطم): "يا الله.. كيف سأواجههم؟ كيف سأنظر في وجهه وأنا أعلم أنه يملك موتي بضغطة زر؟" مسحت دموعها بعنف، وقامت ببطء وهي تستند إلى جدار الغرفة، كأنها جسد بلا روح. مشت نحو المرآة ونظرت إلى انعكاس صورتها؛ تلك الشابة ذات العيون الواسعة التي وصفها الأستاذ رامي بالذكاء، بدت الآن ذابلة، مكسورة، ومطاردة. تذكرت كلمات رامي: "السكوت الذي يفرضه الأهل هو سجن أبدي". فتحت باب غرفتها ببطء وخرجت إلى الصالة. كانت والدتها قد أنهت المكالمة ووضعت الهاتف جانباً وهي تتنفس الصعداء، ظناً منها أن "العاصفة" قد مرت. الأم (بلهجة تملؤها الراحة الزائفة): "نوران؟ هل هدأتِ يا ابنتي؟ لقد أخبرت خالتك أنكِ لن تأتي، لكنها حزنت كثيراً.. لا بأس، المهم راحتكِ." نوران (بصوت آلي، خالٍ من أي مشاعر): "أمي.. اتصلي بها ثانية." الأم (باستغراب): "ماذا؟ لماذا؟" نوران (وهي تشد قبضتها على هاتفها حتى ابيضت مفاصِلها): "قولي لها إنني غيرت رأيي. سأذهب غداً.. وسأبقى هناك طوال العطلة." أضاءت ملامح الأم بتهلل وكأن حملاً ثقيلاً قد أزيح عن كاهلها، ولم تلاحظ أن ابنتها كانت تقف أمامها كتمثال من رخام، باردة وخالية من الحياة. الأم (بلهفة وهي تمسك كفي نوران): "بارك الله فيكِ يا ابنتي! والله كنت أعلم أن أصلك الطيب سيغلب. ومن أجل أن يطمئن قلبكِ أكثر، قررت أن أرافقكِ أنا أيضاً. سنذهب معاً ونقضي العطلة هناك، ولن أترككِ وحدكِ أبداً." نظرت إليها نوران بمرارة مكتومة؛ فوجود أمها التي تقدس "الستر" لن يكون حماية، بل سيكون حارساً إضافياً يمنعها من الصراخ. أومأت برأسها بصمت، بينما عادت الأم تمسك هاتفها بسرعة وتضغط على الأرقام بفرح. الأم (على الهاتف): "ألو.. أم لمار؟ بشراكِ! نوران فكرت وقررت أن نأتي معاً.. نعم، أنا وهي! جهزوا لنا الغرفة، سنكون عندكم غداً في الصباح الباكر بإذن الله.. يبارك فيكِ يا غالية، اللقاء غداً." انتقل المشهد إلى غرفتها، حيث بدأت نوران بجمع ثيابها بحركات آلية. كانت تضع القمصان والفساتين في الحقيبة، لكنها في الحقيقة كانت تشعر وكأنها ترتب كفنها. الأم (تدخل الغرفة وتحمل بعض الأغراض): "ضعي هذا الفستان الوردي يا نوران، خالكِ يحب أن يراكِ به، يقول إنه يذكركِ بطفولتكِ." نوران (بصوت خافت وهي تغلق الحقيبة بقوة): "سأضع ما يسترني يا أمي.. فقط ما يسترني." في الصباح الباكر، كان الضباب يلف الحي وهدوء ما قبل الصخب يسيطر على الأجواء. خرجت نوران مع والدتها، وكانت الحقيبة في يدها تزن أطنانًا من الهموم لا الملابس. ركبتا السيارة، وطوال الطريق كانت نوران تسند رأسها إلى النافذة، تراقب الأشجار التي تمر بسرعة، وتتخيل أن كل شجرة هي فرصة ضائعة للهروب. الأم (بابتسامة وهي تنظر للطريق): "انظري يا نوران، الجو جميل اليوم. ستكون عطلة لا تُنسى، وسنطوي صفحة الماضي تماماً. أليس كذلك؟" نوران (دون أن تلتفت، وعيناها مثبتتان على شاشة هاتفها المغلقة): "نعم يا أمي.. ستكون عطلة لا تُنسى أبداً. صفحة الماضي لم تُطوَّ بعد، إنما بدأت تُكتب بحبر جديد." وصلت السيارة أمام منزل خالها الكبير. كان الباب مفتوحاً، ولمار تقف بانتظارهما بابتسامة واسعة، ومن خلفها ظهر "هو".. ابن خالها، يقف بهدوء، واضعاً يديه في جيبه، وعلى وجهه تلك الابتسامة الواثقة والباردة التي كانت تقول لنوران دون كلام: "لقد وصلتي إلى عريني.. بابتسامة، تماماً كما اتفقنا".