بين قلبين - الفصل التاسع - بقلم اريج | روايتك

اسم الرواية: بين قلبين
المؤلف / الكاتب: اريج
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: الفصل التاسع

الفصل التاسع

ليت الحبر يكفي لأفرغ جوفي… وهيهات للقلب أن يرتاح بالبعد، وانشقّ صدري يوم عودتي، وانخلع قلبي لِحاله… أهذا الذي أحببتُه؟ أهذا الذي كان في قلبي وريدًا، وفي عقلي مقامًا لا يُمسّ؟ أهذا الذي حاربتُ مرضي وأهلي من أجله؟ أهذا الذي وعدني بالانتظار… ثم انطفأ؟ أهذا أنت يا فؤاد؟ أهكذا تركتك… أم هكذا تركتني الحياة؟ أثماني سنواتٍ تكفي… لتُبدّل إنسانًا؟ --- عدتُ… لا لأستعيدك، بل لأفهم كيف خذلتني الطرق وأنا التي كنتُ أعدّ الخطى نحوك دعاءً… مررتُ صدفةً… أمام حضانةٍ صغيرة، ضحكات الأطفال فيها تشبه الأمل الذي دفنته بيدي… ثم رأيتك… لم تكن وحدك. كنتَ تمسك بيد طفلٍ صغير، عيناه… تشبهانك، وابتسامته… تشبه شيئًا في قلبي انكسر منذ زمن. ناداك: "أبي" فارتجف داخلي، كأن الكلمة سكين تذكّرني أنني… تأخرت. --- وقفتُ بعيدًا، أراقبك كغريبة، كأنني لم أكن يومًا كل ما لديك… لم تلتفت. لم تشعر بوجودي، وكأنني فعلًا… لم أعد موجودة. --- تساءلتُ: هل كنتَ تبكي كما أبكي؟ هل انتظرتني كما وعدت؟ أم أنك تعلمتَ النسيان قبلي؟ أهذا قلبك الذي كنتُ أحفظ دقاته؟ أم قلبٌ آخر… لم يعرفني يومًا؟ --- اقتربتُ خطوة… ثم تراجعتُ ألفًا، فبعض اللقاءات… أقسى من الغياب. لم أملك شجاعة السؤال: لماذا لم تنتظر؟ كما لم تملك أنت يومًا شجاعة أن تسألني: لماذا رحلت؟ --- رحلتُ مرةً بلا تفسير… وعدتُ الآن… بلا حق. فما بين الرحيل والعودة ضاعت الحقيقة، ومات الكلام. --- يا فؤاد… لم أخنك، لكنني خفتُ أن أخسرك أكثر فاخترتُ أن أضيع وحدي… واليوم… أراك كاملًا بدوني، وأنا… ناقصة بك. --- لم أبكِ حين رحلت، لكنني بكيتُ الآن… حين أدركتُ أن الحب لا ينتظر الغائبين طويلًا. وأن بعض القصص… لا تنتهي بخيانة، بل… بصمتٍ طال أكثر مما ينبغي.تمشيتُ… والطريق أطولُ من احتمالي، وخطايَ تتعثّرُ بصورتهِ العالقةِ في رأسي… وجهُهُ… ضحكتُهُ… تلك النظرةُ التي كانت تجعلُ العالمَ أهدأ… كلُّ شيءٍ فيهِ يعودُ الآن كطعنةٍ لا تُرى… --- كنتُ أهربُ منه… فإذا بي أهربُ إليه، في كل زاوية، في كل ظلّ، في كل نبضةٍ لم تتعلّم النسيان… --- توقّفتُ فجأة… وكأن الأرضَ سحبتني إليها، فسقطتُ… لا أدري كيف، لكنّي وجدتُ نفسي أبكي… كما لم أبكِ من قبل. --- تذكّرتُ تلك الرسالة… "انتظرني"… كلمةٌ واحدة، كتبتُها بثقةِ من يظنّ أن الحبّ لا يتغيّر… ظننتُك ستبقى، كما تركتُك… واقفًا عند الوعد، تحرسُ الغيابَ بقلق، وتعدُّ الأيامَ لأجلي… لكنّي لم أحسب… أن الانتظارَ لهُ قلبٌ يتعب. --- يا لغبائي… كيف صدّقتُ أن الزمن لا يسرقنا؟ كيف آمنتُ أنك ستظلّ كما أنت… بينما أنا من اخترتُ الرحيل؟ --- بكيتُ… وبكيتُ… حتى صار صوتي غريبًا عني، حتى ارتجفت يداي كطفلةٍ ضاعت في زحام الحياة… --- لم أعد أرى شيئًا… الدنيا تلاشت، الألوانُ انطفأت، وكلُّ ما حولي صار ضبابًا كثيفًا يشبه قلبي الآن… --- ناديتُك… بصوتٍ مكسور: يا فؤاد… لكنّ اسمي في قلبك لم يعد يجيب. --- أنا التي رحلت… أنا التي كتبتُ "انتظرني" ورحلتُ دون أن ألتفت، أنا التي صدّقتُ أن العودةَ حقٌّ محفوظ… --- والآن… أبكي وحدي، في طريقٍ لا يعرفني، وأدرك أخيرًا… أن بعض الأخطاء لا يُصلحها الندم، وأن بعض الوعود… نموتُ نحنُ وهي لا تعود.وأظلُّ أبكي… كأنّ الدموعَ هي الشيءُ الوحيد الذي بقي لي منك. --- اختنقَ صوتي، وانحنى ظهري تحت ثقلِ الذكريات… فلم تكن الذكرى ذكرى، بل حياةً كاملة تنهارُ دفعةً واحدة. --- مددتُ يدي للهواء… كأنّي سألمسك، كأنّكَ ما زلتَ قريبًا، كأنّ المسافةَ كذبة… لكنّي لم ألمس إلا الفراغ. --- يا فؤاد… لو أنّ الندمَ يُعيدُنا، لعدتُ إليك ألفَ مرة، ولم أكتب يومًا "انتظرني"… كنتُ سأبقى، رغم الخوف، رغم العالم، رغم كلّ شيءٍ كان يحاولُ انتزاعك مني. --- كنتُ سأختارك… كلّ مرة، دون تردد، دون هروب… لكنّني لم أفعل، وهذا… يكفيني عقابًا. --- تعبتُ من البكاء، لكنّ قلبي لم يتعب من الحنين… تعبتُ من السقوط، لكنّ روحي لم تتعلّم كيف تقف بدونك. --- يا وجعًا لا يُقال… كيف لشخصٍ واحد أن يكون وطنًا، ثم يصبح… غربة؟ --- رفعتُ رأسي بصعوبة، والدموعُ ما زالت تحجبُ عني العالم… لكنّي رأيتُ شيئًا واحدًا بوضوحٍ مؤلم: أنك لم تعد لي… وأنني لم أعد كما كنت. --- سأمضي… لا لأنّي نسيت، بل لأنّ البقاء في نفس الألم لن يُعيدك. سأمضي… وقلبي مثقوبٌ بك، وروحي معلّقةٌ عندك، وذكرياتي تعيش حيث أنت… --- وإن سألوني يومًا عنك… سأبتسمُ فقط، وأقول: "كان لي… فأضعتهُ بيدي."