الفصل الحادي عشر
انحنى جاسر ببطء…
وحملها.
جسدها كان خفيفًا…
باردًا.
باردًا بشكل لم يعرفه من قبل.
توقف لحظة…
نظر إلى وجهها.
ثم قال بصوت منخفض:
“لأول مرة…”
تنفّس ببطء…
“لا أشعر بذلك البرود… يتحرك داخلي.”
صمت.
“كل ما أشعر به…”
رفع رأسه نحو الظلام…
“نار…”
قبض يده بقوة.
“ستحرق الأخضر… واليابس.”
حملها بين ذراعيه…
ومشى.
لم يعد هناك استعجال.
لا مطاردة.
لا صيد.
فقط…
خطوات ثقيلة.
وصل إلى المكان الذي لم يزره منذ زمن.
قبر.
قبر والدته.
وقف أمامه…
طويلاً.
ثم بدأ الحفر.
يداه لم تتوقفا.
لم يشعر بالتعب.
لم يشعر بالوقت.
فقط—
حفر.
حتى أصبح المكان جاهزًا.
أنزلها ببطء…
برفق شديد.
كأنها لا تزال حية.
نظر إليها للمرة الأخيرة…
ثم همس:
“ستبقين هنا…”
“حتى لا أنساك.”
ردم التراب.
ببطء.
كل قبضة تراب…
كانت أثقل من التي قبلها.
حتى اختفت.
وقف.
قبرين.
جنب بعض.
أمه…
وهي.
نظر إليهما…
طويلاً.
ثم استدار.
ورحل.
عاد إلى غرفته.
فتح الباب…
ودخل.
لكن—
شيء ما تغير.
الغرفة…
لم تعد كما كانت.
الهدوء فيها…
لم يعد راحة.
بل—
فراغ.
نظر إلى المكان الذي كانت تجلس فيه.
لا كتاب.
لا حركة.
لا عيون بندقية.
فقط…
لا شيء.
جلس ببطء.
ووضع رأسه بين يديه.
صمت.
لكن داخله—
لم يكن صامتًا.
كان يحترق.
🔥
جلس جاسر في غرفته…
الصمت يحيط به من كل جانب.
مدّ يده ببطء…
وأخرج بطاقة الذاكرة.
نظر إليها للحظة…
كأنها شيء حي.
ثم أدخلها.
الشاشة أضاءت.
أول صورة ظهرت—
تجمّد.
هي.
لكن…
ليست كما عرفها.
كانت تضحك.
ابتسامة حقيقية…
نقية… خفيفة…
لم يرها من قبل.
اتسعت عيناه قليلًا.
“هذه… هي؟”
ظل ينظر.
طويلاً.
ثم انتقلت الصورة.
رجل… وامرأة.
أدرك فورًا.
أبوها… وأمها.
ثم صورة أخرى—
هي…
تمسك كتابًا…
وتقرأ.
نفس الجلسة.
نفس الهدوء.
لكن…
هناك شيء مختلف.
كانت حية.
تنفست.
تتحرك.
تعيش.
شعر بشيء غريب…
كأنها ليست مجرد صور.
كأنها…
ما زالت هنا.
قريبة.
جالسـة أمامه…
كما كانت.
وفي داخله—
صوت.
هادئ…
خفيف…
“لا تنظر كثيرًا…”
“ستصاب بالعمى.”
توقف.
ثم—
ابتسم.
ابتسامة صغيرة…
لكن حقيقية.
لأول مرة…
منذ وفاة والدته…
ووالده.
لم تكن ابتسامة سعادة.
بل…
شيء أقرب.
دفء.
خفيف.
سريع.
لكن—
حقيقي.
أغلق عينيه للحظة…
وكأن تلك اللحظة…
تكفي.
ثم فتحهما.
لكن هذه المرة—
لم يكن نفس الشخص.
لأنها…
رغم موتها…
تركت شيئًا خلفها.
لم يستطع أحد قبله…
أن يتركه فيه.
🔥
جلس جاسر في الظلام…
الشاشة أمامه ما زالت مضيئة.
صورتها… لا تزال هناك.
تبتسم.
لكن هذه المرة—
لم يشعر بالانكسار.
بل بشيء مختلف.
أغلق الشاشة ببطء.
الغرفة عادت إلى ظلامها.
لكنه لم يكن فارغًا كما كان.
وقف.
اتجه نحو النافذة…
فتحها.
الهواء البارد دخل بقوة…
لكن داخله—
كان يحترق.
نظر إلى الغابة…
إلى المكان الذي فقدها فيه.
ثم قال بصوت منخفض:
“لن يمر هذا…”
صمت.
قبض يده ببطء…
حتى سُمِع صوت مفاصله.
“لن يكون موتك… مجرد رقم.”
أغمض عينيه للحظة…
وتذكّر:
ضحكتها…
هدوءها…
صمتها…
ونظرتها الأخيرة.
فتح عينيه.
لكن هذه المرة—
لم تكن عيون قاتل مأجور.
بل عيون…
شخص يملك هدفًا.
عاد إلى الطاولة.
فتح بطاقة الذاكرة مرة أخرى.
لكن هذه المرة—
لم يبحث عن الصور.
بحث عن الحقيقة.
ملفات مخفية.
مقاطع قصيرة.
أسماء.
تواريخ.
كل شيء…
بدأ يظهر.
شبكة.
أشخاص.
نفس الرجال…
ونفس الوجوه التي رآها.
ابتسم ابتسامة باردة.
“وجدتكم…”
أخذ ورقة.
وقلم.
بدأ يكتب.
اسم…
ثم خط تحته.
اسم آخر…
ثم دائرة حوله.
ترتيب.
أولوية.
فريسة…
ثم التي تليها.
حتى وصل إلى الاسم الأخير.
توقف.
ثم كتب بجانبه:
“النهاية.”
نظر إلى القائمة…
طويلاً.
ثم قال:
“واحدًا… واحدًا…”
رفع رأسه…
وعيناه تلمعان في الظلام.
“كما علّمتني…”
توقف.
ثم أكمل بصوت أخفض:
“لكن هذه المرة…”
“لن أكون صيادًا فقط.”
“سأكون… حكمهم الأخير.”
طوى الورقة.
ووضعها في جيبه.
وأطفأ الضوء.
واختفى في الظلام.
لكن هذه المرة—
لم يكن هاربًا.
بل—
بدأ.
🔥