القاتل البريء - الفصل التاسع - بقلم إبراهيم موسى - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: القاتل البريء
المؤلف / الكاتب: إبراهيم موسى
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: الفصل التاسع

الفصل التاسع

لم يتردد هذه المرة. دخل جاسر الغرفة… اقترب منها… ثم أشار بيده بهدوء: “تعالي.” نظرت إليه… ثم أغلقت كتابها ببطء. وقفت. لم تسأل. لم تتردد. لم تقاوم. وهذا ما زاد الأمر غرابة. قادها جاسر عبر الممرات، حتى وصل إلى غرفته… ثم إلى ذلك المكان الذي لا يعرفه أحد. حرّك قطعة السيراميك، وفتح الباب السري… النفق المظلم. نزل أولًا، ثم أشار لها أن تتبعه. فعلت. بهدوء… كما لو أنها لا تخاف من المجهول. وصلا إلى المخبأ. مكان ضيق… لكن آمن. أغلق الباب فوقهما. ساد الصمت. جلست الفتاة… كما تجلس دائمًا. نفس الهدوء. نفس الثبات. جاسر وقف أمامها… ينظر. شعر بشيء غريب. رجفة خفيفة… بين أصابع يده. ليست خوفًا. بل إحساس… كأنه إنذار. أو… تأكيد. “هي ليست كالبقية…” تنفّس ببطء. ثم… رفع يده. وبدأ يتحدث… بلغة الإشارة. لغة قديمة… تعلمها من والده. حين كانوا يصطادون بصمت، لا صوت… فقط إشارات. أشار لها: “لماذا أنتِ هادئة هكذا؟” توقفت للحظة. ثم— رفعت يدها. وأجابت. حركاتها كانت بطيئة… لكن واضحة. “لأنني… منذ زمن… أنتظر الموت.” تجمد جسد جاسر. أكملت: “لم يعد يخيفني.” صمت. نظر إلى عينيها… نفس العيون البندقية. لكن هذه المرة… لم يرَ القوة فقط. بل شيئًا أعمق: ألم صامت. ابتعد خطوة. أصابعه ارتجفت مرة أخرى… لكن هذه المرة… فهم. “هي لا تتظاهر…” “هي فعلاً… انتهت من الخوف.” خفض يده ببطء. ثم أشار: “من فعل بكِ هذا؟” توقفت. لم تُجب فورًا. لكن عينيها… قالتا كل شيء. وفي تلك اللحظة— فهم جاسر شيئًا أخطر من أي مهمة: هذه الفتاة… ليست هدفًا. بل— قصة لم تُروَ بعد. 🔥 🔥 ساد الصمت في المخبأ… لكن هذه المرة، لم يكن صمتًا عاديًا. كان… ممتلئًا بالأسرار. وقف جاسر أمامها، ينتظر. عيناه ثابتتان… لكن داخله… بدأ يتحرك. رفع يده مرة أخرى، وأشار: “من فعل بكِ هذا؟” نظرت إليه. طويلاً. ثم أنزلت عينيها لأول مرة. وببطء… رفعت يدها. بدأت تشير. “لم أولد هكذا…” توقفت لحظة… كأنها تسترجع شيئًا مؤلمًا. “كان لدي صوت…” تجمّد جاسر. أكملت: “وأب…” توقفت. عينها ارتجفت قليلاً… أول شرخ في هدوئها. “كان مهمًا…” جاسر فهم فورًا. رجل ذو نفوذ. “ثم…” توقفت. يدها لم تتحرك. لكن أنفاسها تغيرت. جاسر لم يقاطع. لم يتحرك. ثم— أكملت. “في ليلة…” “جاءوا.” الصمت أصبح أثقل. “أخذوه.” “وأخذوا صوتي.” اتسعت عينا جاسر. لم يحتج لتفاصيل أكثر. فهم. لم تكن مجرد ضحية. كانت— شاهد. أو… بقايا جريمة. خفضت يدها ببطء. ثم أشارت آخر إشارة: “ومنذ ذلك اليوم…” رفعت عينيها إليه. نفس العيون البندقية… لكن الآن، مليئة بشيء أعمق. “أنا ميتة… بالفعل.” صمت. جاسر لم يشعر بالغضب… بل بشيء أثقل. إدراك. الرجال الثلاثة… الصفقة… الذهب… كل شيء بدأ يرتبط. “لم يريدون قتلها…” فكر في داخله. “يريدون إخفاءها.” قبض يده ببطء. الرجفة عادت… لكن هذه المرة، كانت مختلفة. ليست ترددًا. بل— غضب. رفع رأسه، ونظر إليها. ثم أشار: “لن تموتي.” توقفت. كأنها لم تفهم. أعاد الإشارة… ببطء، وبوضوح: “طالما أنا هنا… لن يمسك أحد.” نظرت إليه… طويلاً. ولأول مرة… اختفى ذلك الفراغ في عينيها قليلاً. شيء صغير… عاد للحياة. الأمل. 🔥 🔥 جلست الفتاة أمامه… الضوء الخافت يرسم ملامحها، والصمت بينهما لم يعد غريبًا… بل مفهومًا. نظرت إليه طويلًا… ثم رفعت يدها. بدأت تشير. حركاتها كانت هادئة… لكن كلماتها— ثقيلة. “أنت رجل نبيل…” توقفت لحظة… ثم أكملت: “وطيب…” اتسعت عينا جاسر قليلًا. “لماذا تُظهر العكس؟” تجمد. تلك الإشارات… لم تكن مجرد كلمات. كانت كالصاعقة. ضربت شيئًا داخله… شيئًا دفنه منذ زمن بعيد. ابتعد بنظره. لأول مرة… لم يستطع مواجهتها مباشرة. تنفّس ببطء… ثم رفع يده. لكن هذه المرة… كانت إشاراته مختلفة. أبطأ… أثقل… كأن كل حركة تحمل وزنًا. “أنا لست طيبًا.” توقّف. ثم أكمل: “ولا أريد أن أكون كذلك.” نظرت إليه… بهدوء. لكن عينيها سألتا أكثر مما قالت. أغلق عينيه للحظة… ثم أشار: “الطيبون… يتألمون.” صمت. أخفض يده. كأن هذا هو كل ما يملكه من حقيقة. لكن الحقيقة الأعمق… لم يقلها. أنه كان طيبًا يومًا ما. وأنه… دفع الثمن. نظرت إليه الفتاة… طويلاً. ثم رفعت يدها ببطء. “وأنت؟” توقفت. “ألا تتألم الآن؟” تجمد مرة أخرى. هذه المرة… لم يجد إجابة. فقط… صمت. لكن في داخله— كان يعرف. أنه… بدأ يتألم بالفعل. 🔥