رواية تاج في الظل - الفصل الثلاثون - بقلم هبة نبيل | روايتك

اسم الرواية: رواية تاج في الظل
المؤلف / الكاتب: هبة نبيل
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: الفصل الثلاثون

الفصل الثلاثون

"بوابة الفيروز" سماء الفيروز لم تكن كغيرها فالسماء كانت ملبدة بغيوم داكنة تُشبه وشاحًا ثقيلاً يضغط على صدور الداخلين. الريح تلفح الطرق الرملية كأنها رسائل مبعثرة من صحراء بعيدة، تملؤها هواجس لا تهدأ. يتقدم بلال وسط موكبه، ممتطيًا جواده الأسود الموشى بزخارف ذهبية. عيناه شاخصتان إلى الأمام، لكن داخله يضج بالخوف والقلق. منذ الكابوس الأخير لم يذق طعم النوم، وكلما أغلق جفونه رأى سليمان جالسًا على عرشٍ لا يزول. أصوات سنابك الخيل تتردد في الوادي الصغير المؤدي إلى أسوار مملكة الفيروز. كانت الأسوار عالية، بُنيت من حجارة مصقولة تشع بلون أزرق مائل إلى الفضة، حتى بدت وكأنها جزء من السماء نفسها. فوق الأبراج، رايات خضراء وزرقاء تخفق مع الريح، كأنها تحيي الضيف وتراقبه في آن واحد. حين اقترب الموكب، ارتجت الأرض تحت وقع الأقدام، فتحت الأبراج نوافذها، وظهر منها رماة السهام، يثبتون أن هذه المملكة لا تسمح بالدخول إلا بإذن صارم. توقف الموكب عند البوابة الرئيسية. تقدّم قائد حرس الفيروز، طويل القامة، مهيب القسمات، عيناه رماديتان كالسيوف المسلولة. انحنى بخفة، وصوته يجلجل في المكان. قائد الحرس: – مرحبًا بملك اليمامة… بوابات الفيروز تفتح لك، لكن عليك أن تعلم أن أرضنا لا تحتمل الغدر ولا المكر. شدّ بلال لجام حصانه، رفع رأسه محاولًا أن يرسم ابتسامة فيها مزيج من الكبرياء والحذر: – جئت زائرًا، لا غادرًا… أحمل إلى ملككم ما لا يحتمل التأجيل. صمت ثقيل ساد لحظة، ثم أشار قائد الحرس. بدأت البوابة تُفتح ببطء، صريرها يشق السكون كأنها أنين من حديد يئن تحت ثقل الزمن. ارتجفت بعض الخيول من الصوت، لكن بلال ظل ثابتًا، أو حاول أن يبدو كذلك. دخل الموكب من خلال البوابة، وإذا بالشوارع المرصوفة بالأحجار الكريمة الصغيرة تنعكس عليها ألوان الغيوم. على جانبي الطريق، نوافذ المنازل العالية تتلألأ، تطل منها وجوه نساء وأطفال، يراقبون بلال كأنهم يقرؤون تاريخه في ملامحه. بين الحشود، وقفت امرأة مسنّة بثياب داكنة، ترفع يدها في الهواء وتتمتم بكلمات غامضة. التفت بلال إليها، وفي عينيه شرر ارتياب. همس في نفسه: – أهي لعنة؟ أم تحذير؟ ارتعش قلبه، لكن سرعان ما غلّف صوته الداخلي بصلابة مصطنعة. داخله يتردد صوت سليمان واضحًا كالرعد: —لن تنجو… الهروب لن يحميك. أنا أسبقك بخطوة دائمًا. تشنجت يد بلال على لجام حصانه حتى ابيضّت أنامله، وابتسم ابتسامة مشدودة، كأنها مزيج من الغضب والسخرية. تمتم وهو يكبح خوفه: – لستُ هاربًا يا سليمان… بل جئتُ أصنع تحالفًا سيحرقك ويقتلع ظلك من ذاكرتي. أخيرًا وصل الموكب إلى بوابة القصر الفيروزي. الباب الضخم من الفضة، محفور عليه نقوش أسطورية لكائنات بحرية وتنانين قديمة. كانت الشمس الضعيفة تنعكس على الزمرد المصفوف في الباب فيبعث بريقًا يغمض له العيون. على السلالم الرخامية المصقولة وقف وزير الفيروز، بثيابه الحريرية المزركشة، يحيط به حرس يحملون رماحًا طويلة، رؤوسها لامعة كالبرق. رفع الوزير ذراعيه مرحبًا بصوت رخيم: – مرحبًا بضيف المملكة… مولاي ينتظرك في قاعة الاستقبال. ترجل بلال عن جواده، خطواته على الرخام تُحدث صدى كأنها تُعلن دخوله إلى قدرٍ محتوم. عينيه تتحركان بين أعمدة القصر العالية، والبحيرات الصغيرة التي تزين الساحة. كل شيء يلمع، كل شيء براق، لكن قلبه مُثقل وكأن الظلال تتبعه حتى هنا. القصر الفيروزي من الأعلى، تحيط به حدائق واسعة، أشجار ونخيل وجداول ماء تجري بينها، لكن الغيوم الداكنة فوقه تظل تحجب النور، كأنها نذير بما سيحدث داخل جدرانه. بلال يضع يده على صدره، يلتقط أنفاسه ببطء، ثم يخطو إلى الداخل. "لقاء الملوك" قاعة الاستقبال في قصر الفيروز. البابان الضخمان يُفتحان ببطء، فتنساب موسيقى المزامير الخافتة كأنها ترسم هيبة المكان. سقف القاعة عالٍ، مُزخرف بفسيفساء ملونة تُجسد معارك قديمة، وأعمدة من المرمر الأخضر ترتفع شامخة تحمل السقف بصلابة. في وسط القاعة يمتد بساط طويل بلون البحر، يقود إلى منصة عالية يجلس عليها الملك هاشم، مكللًا بوقار الملوك. هاشم، بلحيته البيضاء وعينيه اللامعتين كبريق الفيروز، يتأمل الداخل كأنه يقرأ أسراره قبل أن ينطق. حوله وزراؤه وقادة جيشه، واقفين بصرامة، لا يطرف لهم جفن. يتقدم بلال بخطوات مترددة، يرفع رأسه محاولًا إظهار الثقة، لكنه في داخله يشعر أن كل حجر في القاعة يراقبه. يقترب حتى يقف عند أسفل السلم المؤدي إلى منصة العرش، ثم ينحني قليلًا. بلال: – جئتُ إليك، يا ملك الفيروز، مُحمّلًا بالود والرغبة في التعاون. جئتُ أفتح بابًا بين مملكتينا، بابًا لا يُغلق. ابتسم هاشم ابتسامة خفيفة، لكنها غامضة، تحمل بين طياتها ألف معنى: – كلماتك جميلة يا بلال… لكنني رجل لا أؤمن بالكلمات وحدها. الود لا يُقاس بالحديث، بل بالفعل. رفع بلال رأسه، محاولًا السيطرة على ارتباكه. بلال: –أفعالنا شاهدة يا مولاي… مملكتي قوية، ورجالي أوفياء، ونحن حلفاء أوفياء لمن يفتح لنا بابه وقلبه. هاشم ينهض من عرشه ببطء، خطواته هادئة، لكن كل خطوة منه تُشبه وقع المطرقة على الحديد. يقترب حتى يقف أمام بلال، ينظر في عينيه مباشرة، فتضطرب أنفاس الأخير. هاشم: – سمعتُ عنك الكثير… سمعت عن قوتك، وعن قسوتك أيضًا. قيل إنك تبني مُلكك على دماء من وثقوا بك، وإنك لا ترى في العرش إلا ظلّك أنت فقط. يتراجع بلال نصف خطوة، ثم يبتسم ابتسامة مُصطنعة. بلال: – الملوك يا مولاي يُحكم عليهم أعداؤهم قبل أصدقائهم. كل ملك عظيم وُصف بالظلم، حتى يثبت عكس ذلك. ضحك هاشم ضحكة قصيرة لكنها تحمل سخرية: – بل يُحكم عليهم التاريخ يا بلال، والتاريخ لا يُسامح. يسود صمت ثقيل، والوزراء يتبادلون النظرات دون أن ينطقوا. بلال يحاول كسر الصمت: – لهذا جئتُك، لنعمل معًا. إن اتحدت اليمامة والفيروز، فلن يجرؤ أحد على الوقوف في وجهنا. أدار هاشم ظهره وسار بضع خطوات مبتعدًا، ثم التفت فجأة بعينين تقدحان شررًا: – أم تظن أن اتحادنا سيجعلني تابعًا لك، يا بلال؟! لا تنسَ أنني أملك مملكة من نور وثراء، وشعبًا لا يعرف الخوف. تجمد بلال في مكانه، ثم قال بنبرة بها دفاع: – لا يا مولاي ، عفواً، أنا اريد فقط شراكة… شراكة تقوم على القوة والمنفعة اقترب هاشم مرة أخرى، ثم همس بصوت خافت لكنه مسموم: – الشراكة الحقيقية يا بلال، لا تُبنى على الغدر. وقد بلغني… أنك غدرت بأقرب الأقربين. تظن أنني لم أعلم شئ. ارتعش قلب بلال، وشحب وجهه، لكنه حاول التماسك: – شائعات يا مولاي، لا تُصغي للوشاة. هاشم يبتسم بدهاء، ثم يرفع يده إشارة للوزراء كي يغادروا، فيبقيا وحدهما في القاعة. جلس على العرش من جديد، وأشار إلى بلال بالاقتراب أكثر: – سأستمع إليك، يا بلال. ولكن اعلم… أنني أرى ما لا تراه، وأعرف ما تظن أنني لا تعرفه. اقترب بلال وهو يشعر أن الأرض من تحته تتحول إلى فخٍ عميق. عينيه تفضحان خوفًا يحاول أن يخفيه بابتسامة باهتة. أقترب وجه هاشم، ابتسامته الهادئة تخفي وراءها عاصفة، وصوت داخلي يقول: —الآن… بدأت لعبتي معك يا بلال. الصورة تبهت ببطء، على نظراتهما المتقابلة، كأنها بداية معركة لا تعرف الرحمة. "كلمات الثائر" المساء يهبط ببطء، والأكشاك الخشبية تُغلق أبوابها شيئًا فشيئًا، لكن الناس لا يرحلون. العيون متعبة من قسوة الأيام، والقلوب تئن تحت ثقل الظلم. فجأة، يتقدم من بين الظلال رجل ملفوف بشال داكن يخفي وجهه، لا يظهر منه سوى عينان تقدحان شررًا. إنه سليمان في هيئة الثوري الغريب. يقف وسط الساحة، يرفع يده عاليًا كأنها راية خفية. يلتفت الناس نحوه، فضولهم يسبق خوفهم. صوته يعلو قويًا، يشق الصمت مثل السيف: – أيها الأحرار… جئتكم الليلة بخبر سيزيد نار القهر اشتعالًا. ملككم… الطاغية بلال، ترككم وسافر بعيدًا. ذهب إلى الفيروز، لا ليطلب السلام، بل ليعقد تحالفًا يضاعف قوته، ليعود إليكم أكثر بطشًا وأكثر ظلمًا. يعلو همس بين الحاضرين، عيونهم تتسع بالذهول. بعضهم يتراجع خطوتين، كأن الكلمات صفعة، والبعض الآخر يتقدم كأنه يبحث عن يقين في نبرة هذا الغريب. سليمان: – بلال لم يكتفِ بما سرق من أعماركم، لم يروُ عطشه من دمائكم، فقرر أن يشد أزر ظلمه بتحالف جديد. لكني أقولها لكم… لا قوة تعلو فوق إرادة الشعب! أنتم السور، أنتم السيف، أنتم من بيدكم إسقاط عرشٍ بُني على الجماجم. رجل مسن يهتف من بين الجمع بصوت متهدج: – ولكن… نحن بلا سلاح، بلا قوة، كيف نقف في وجه جنوده؟ سليمان يتقدم نحوه بخطوة ثابتة، يضع يده على كتف الرجل، وصوته يخرج كالرعد: – السلاح الحقيقي ليس في أيديكم، بل في قلوبكم. حين يجتمع قلب رجل واحد مع قلوب مئة، يهتز العرش. حين يقرر الشعب أن لا يركع، يسقط الظالم مهما بلغت جيوشه. امرأة تحمل طفلها ترفع صوتها: – وإن عاد بجيش أكبر، ماذا نفعل؟ سليمان يرفع رأسه، وعيناه تلمعان تحت الشال: – إن عاد… فسيجدني أمامه، وسأكون بينكم لا فوقكم. لن أترككم وحدكم بعد الآن. أنا كابوسه الذي راه دائما. تعلو الهمهمات بين الناس، تتحول إلى أصوات غاضبة، ثم إلى صيحات. رجال يرفعون قبضاتهم في الهواء، ونساء يصفقن بأيديهن كأنهن يوقظن روحًا نائمة. الطفل الصغير يلوح بيده في الهواء، والعيون تشتعل لأول مرة بالأمل بدلًا من الخوف. سليمان يرفع يده مجددًا، صوته يخترق صخب الجموع: – ليتذكر كل واحد منكم هذه الليلة… ليتذكر أن الحرية تبدأ من كلمة، ثم تكبر لتصير زلزالًا. بلال سافر ليقوي نفسه… فلنقوَ نحن على كسره. تتصاعد الهتافات، الحرية… الحرية، تتردد في الأزقة وتعلو حتى السماء، وكأن الجدران نفسها تنطق بها. سليمان ينسحب ببطء بين الجموع، يختفي وسط الظلال كما ظهر، لكن أثر كلماته يبقى نارًا مشتعلة في صدورهم. وجوه الناس، عليها غضب ممتزج بالأمل، والهمسات تتحول إلى وعود صامتة. وفي البعيد، يُرى ظل سليمان يتلاشى بين العتمة، كأنه شبح الحرية الذي جاء ليوقظهم. "فخر الحارس الجديد" كانت الشمس في كبد السماء تبعث بخيوطها الذهبية لتغمر الساحة الفسيحة أمام قصر النور، حيث تزينت الأرضية بأحجار فسيفساء لامعة عكست الألوان في بريق أخّاذ. ارتفعت الأصوات من بعيد، أصوات تصادم الرماح والدروع، وكأن القصر يردد نشيد القوة والهيبة. وقف ليث او (عمار) كما يعرفه الجميع بثوبه الجديد، درعه يلمع تحت وهج النهار، ملامحه متصلبة كالجندي، غير أن عينيه كانتا تشعان فرحًا وفخرًا. لقد أصبح في موقع لم يحلم به من قبل، موقع يليق بروحه المندفعة الباحثة عن الاعتراف. اقتربت سهام بخطوات هادئة، وقد غطى نسيم النهار ثوبها الأبيض الفضفاض، فتمايل مع حركتها كأنه يشاركها الوقار والرقة. ما إن وقع بصرها على ليث حتى وجدته يعتدل في وقفته، يشد كتفيه ويرفع رأسه، ثم يبتسم ابتسامة لم يستطع كتمانها. ليث بصوت جهوري يحمل زهو: –صباح الخير يا سيدتي سهام… ألا ترين؟ لقد صرت الحارس الشخصي لجلالة الملك فهد. اتسعت عيناها دهشة، ثم ارتسمت على شفتيها ابتسامة ممزوجة بالسخرية اللطيفة. سهام: –وهل يعني ذلك أن الجميع صاروا مجبرين على الخوف منك الآن؟ مد يده إلى سيفه، أمسك بمقبضه بثبات، ثم أدار جسده بخطوة استعراضية، وكأنه يقف في عرض رسمي. ليث: –ليس الخوف وحده يا سيدتي، بل الحذر أيضًا. فأنا اليوم الدرع الأول الذي يحمي الملك، وكل من يجرؤ على الاقتراب منه سيجدني أمامه كالجدار الصلد. ضحكت سهام ضحكة خفيفة رنانة، وفي صوتها إعجاب خفي لا يخفى على الفطنة. سهام: –أراك في غاية الفرح… كأنك كنت تنتظر هذه اللحظة منذ زمن بعيد. لمع الفخر في عين ليث وهو يجيب بصدق نادر: –بلى… ولكن الآن فقط أشعر أن لي شأنًا، أنني ذو قيمة حقيقية. وفي الطابق العلوي من القصر، وقف الملك فهد خلف إحدى النوافذ الواسعة المطلة على الساحة. أزاح ستارًا حريريًا برفق، وألقى نظرة عميقة على المشهد في الأسفل. ابتسم ابتسامة هادئة، ابتسامة أب يراقب ابنه وهو يخطو خطواته الأولى نحو المجد. الملك فهد هامسًا لنفسه: لقد كبرتُ يا ليث… كبرتُ وخفق قلبك لمن تستحق قريبا ستعرف كل شئ، أعدك بذلك. بقي واقفًا بوقار الملوك، لكن في عينيه دفء لم يعتده الناس في مجلسه، دفء يشي بحقيقة أخرى لا يعرفها أحد. أما في الساحة، فقد ظل ليث يتحدث مع سهام بحماسة عارمة، فيما تزداد ابتسامتها إشراقًا كلما تحدث. وبين ضحكاتها المتقطعة وصوته الواثق، وبين نظرات الملك فهد المتأملة من بعيد، تكوّنت لحظة خاصة، لحظة تفيض بالرمزية والقدر، لحظة لا يعلم أحد بعد أنها ستغير الكثير. "الخبر الذي يقلب الموازين" كان الليل قد بدأ يزحف على أطراف مملكة النور، والكوخ الحجري الذي يقيم فيه راجح غارق في صمت ثقيل لا يقطعه إلا صوت أنفاسه المضطربة وهو يتأمل خريطة معلّقة على الجدار. عيناه تتنقلان بين حدود الممالك، كأنها تبحث عن ثغرة ينفذ منها إلى قلب السلطة. وفجأة يُفتح الباب باندفاع، يدخل ثلاثة من رجاله المقربين، وجوههم متوترة وعيونهم متسعة كأنهم يحملون سرًّا أثقل من أن يُكتم. اقترب الأول بخطوات سريعة، وصوته يخرج متقطعًا من فرط الانفعال: –سيدي راجح… لقد وصلنا إلى ما لم يكن في الحسبان. رفع راجح رأسه بحدة، قبضته تنغلق على مقبض خنجره الموضوع أمامه، وكأنه يستعد لأي خيانة. راجح: –تتكلمون وكأن السماء سقطت… ما الأمر؟ تبادل الرجال النظرات فيما بينهم، ثم تقدّم الثاني بخوف واضح، وكأنه يخشى وقع كلماته: –لقد سمعنا من مصادرنا في مملكة اليمامة… أن كارمن العرّافة… هي في الأصل والدة الملك سليمان التي اختفت منذ اعوام من والدته. تسمر جسد راجح، اتسعت عيناه حتى كادتا تفضحان كل ما في داخله من صدمة. نهض واقفًا فجأة، صوته ارتجف رغم محاولته التماسك: راجح: –كارمن… والدة سليمان؟! أتعنون ما تقولون؟! اقترب الثالث مؤكدًا، وكأن الكلمات نار تحرق لسانه: –نعم، سيدي. ما سمعناه مؤكد. لم يكن الأمر إشاعة عابرة، بل حقيقة تتناقلها الألسن في الخفاء. ارتجف صدر راجح من الغضب، ضرب بيده على الطاولة الخشبية حتى ارتجّت أوراق الخرائط وتناثرت بعض الأكواب. راجح بصوت غاضب متوتر: –إذن… سليمان ليس مجرد ملك طامع بالعرش فقط ! هو ابن كارمن، العرّافة التي تملك مفاتيح أسرار الممالك! آه… لقد كنت أراقبها كعدو، لكني لم أعلم أن دماؤها تجري في عروقه لهذا السبب هو يُجيد التلاعب والمراوغه. حسنا. جلس مجددًا، يمرر يده على جبينه المثقل بالعرق، وصوته انخفض إلى همس أشبه بالهدير: راجح: –هذه الحقيقة ستقلب الموازين ان عرفها بلال سأكسب ثقته وسأقترب أكتر من عرشه…حقيقه ستجعل الصراع نارًا لا تنطفئ. إن صحّ ما سمعته، فإن لعبة العروش لم تبدأ بعد. صمت رجاله، والكوخ غمره سكون ثقيل، بينما عين راجح لمعت بنار لم تُر من قبل، نار الحقد والدهاء، وكأنه للتو وُلدت في ذهنه خطة جديدة، أكثر خطورة من كل ما سبق. "مراوغة الملوك" جلس الملك هاشم على عرشه في قاعة الفيروز، تحيط به أعمدة عالية مرصعة بالزمرد، وأرضية رخامية يلمع عليها ضوء المشاعل. كان بلال واقفًا أمامه، مرفوع الرأس، لكن نظراته تحمل قلقًا دفينًا لم يخفه عن عين ملك الفيروز الثاقبة. ابتسم هاشم ابتسامة هادئة، كمن يعرف أكثر مما يظهر، ثم أشار بيده إلى بلال ليقترب: –أتعلم يا بلال… الممالك لا تنهار بالقوة الظاهرة، بل بالطعنة التي تأتي من أقرب الحلفاء. تجمد بلال قليلًا، حاجباه ارتفعا في حذر: –أتعني شيئًا بعينه يا مولاي؟ ضحك هاشم ضحكة قصيرة، كأنها لغز في حد ذاتها، ثم انحنى بجسده قليلًا للأمام: – راجح… رجل طموح، لا ينكر ذلك أحد. الطموح جميل ما دام في إطاره، لكن… حين يتجاوز حدوده، يتحول إلى خيانة. ارتبك بلال، عيناه تحركتا ببطء، كأنه يحاول قراءة ما وراء كلمات الملك: – راجح… خائن؟! هو أقرب رجالي وأشدهم إخلاصًا يا مولاي. أشار هاشم بيده بخفة، كأنه يزيح ذبابة من الهواء: – الإخلاص يا بلال لا يُقاس بالكلمات، بل بالفعل. وما أكثر الأقنعة التي يرتديها الرجال. أنا لا أتهمه صراحتاً… إنما أنبهك فقط، فالريح التي تهبّ من مملكة النور تحمل رائحة ليست بالطيبة. اشتد تنفس بلال، لكن كبرياءه منعه أن يُظهر ضعفه، فحاول أن يتماسك. بلال بتحدٍ: – إن كان هناك ما تعرفه يا مولاي، فأخبرني به صراحتاً، ولا تتركني في الظنون تأكلني. ابتسم هاشم ابتسامة أكثر غموضًا، ثم نهض من عرشه واقترب حتى صار يقف أمام بلال مباشرة. هاشم بصوت خافت حاد: – أحيانًا، لا تُقال الحقيقة… بل تُترك لعين الحاكم الذكي كي يكتشفها بنفسه. راجح ينسج خيوطه في الخفاء ، وما عليّ إلا أن أحذرك… والبقية بيدك. تركه هاشم، وعاد بخطوات ثابتة إلى عرشه، يجلس وكأنه لم يقل شيئًا. أما بلال، فقد ظل واقفًا مذهولًا، الصراع يتأجج في داخله، بين ثقته القديمة برجاله، والشرارة التي زرعها الملك هاشم في صدره، شرارة ستكبر لتصبح نارًا لا تُطفأ. "الخوف من الحقيقه" ليل طويل يلف الغابة بظلاله الكثيفة، وأصوات البوم تتردد من بعيد كأنها نذير شؤم. كوخ كارمن يقف وحيدًا وسط العتمة، تحيط به أغصان ملتوية كأصابع عجوزٍ تتحسس سرًا دفينًا. نافذته الصغيرة ينساب منها ضوء شمعة ضعيفة، يتراقص مع أنفاس الريح. داخل الكوخ، جلست كارمن على مقعد خشبي متآكل، أمام طاولة غطاها البخور والعشب اليابس وأوراق التنجيم القديمة. يدها المرتعشة تقلب بطاقات عتيقة،عيناها ثابتة على وعاء فخاري يتصاعد منه دخان كثيف، يلتف ببطء ويرسم دوائر متشابكة كأنها حبال تخنق صدرها. وفجأة… انشق الدخان عن صور باهتة: رجال راجح مجتمعون في مجلس ضيق، وجوههم غاضبة، وأصواتهم تخرج كأنها صدى بعيد. أحد الرجال: – سيدي، ما وصلنا لا يمكن تجاهله... لقد عرفنا حقيقة العرّافة كارمن... إنها والدة سليمان. تسمرت كارمن في مكانها، عينها تتسعان برعب، قلبها خفق بشدة حتى شعرت وكأن الجدران كلها تسمع نبضاته. حاولت أن تلتقط أنفاسها، لكن الهواء صار ثقيلًا كالدخان الذي يخنقها. اقترب الدخان أكثر، وأظهر صورة راجح وهو يستمع في صمت، يداه مشدودتان، وملامحه جامدة لا تُقرأ. لم تسمع كلماته، لكن صمته وحده أشد وقعًا من أي تهديد. وضعت كارمن كفيها على صدرها، تترنح في مكانها، والدموع تلمع على وجنتيها. بصوت خافت خرج بالكاد من بين شفتيها: – انكشف السر... الذي خبأته عن الدنيا جميعها... ماذا لو استعملوني ضده؟ ماذا لو جعلوني سلاحًا يطعن قلب ولدي؟ خطت خطوات مرتبكة في الكوخ، تلمس الجدران، كأنها تبحث عن مخرج من قدرها. كل زاوية من الكوخ صارت تضيق بها، كل ظل يلاحقها كأنه عين تتجسس عليها. كارمن بهمس يختنق بالبكاء: – يا سليمان... إن أخذوني إليك كسلاح، سينهار قلبك قبل أن ترفع سيفك... آه يا ولدي، هل أكون سبب ضعفك بعدما كنت قوتك؟! الدموع تسيل على وجهها، وتغدو كلماتها شكوى مكتومة في ظلام الكوخ. الدخان يتلاشى ببطء، تاركًا إيّاها وحيدة، تصارع خوفًا يتسع داخلها كهاوية بلا قرار. جلست على الأرض، تضم ركبتيها إلى صدرها، وتهتز كطفلة صغيرة، تهمس لنفسها مرارًا: – لم يكن عليهم أن يعرفوا... لم يكن عليهم أن يعرفوا... وبقيت هكذا، محاصرة بصدى كلمات لم تعد تعرف هل جاءت من البخور... أم من نبوءة قاسية بدأت تتحقق بالفعل. "سر الدم المفقود" مرّت أيّام ثقيلة منذ عودة بلال من مملكة الفيروز، وكلمات الملك هاشم عن خيانة راجح لا تزال تتردد في أذنه كطعنة لم تلتئم. قاعة العرش في مملكة اليمامة ازدادت صمتًا ورهبة، والمشاعل على الجدران تضيء وجه بلال المتوتر، بينما يجلس على العرش، يداه تقبضان على مسنديّه وكأنه يتشبث بسلطته قبل أن تتسرب من بين أصابعه. بلال بصوت حاد يخاطب الحرس: – أرسلوا طلب بمجئ راجح، أريده أمامي الآن. انحنى الحرس جميعًا وغادروا مسرعين. وما هي إلا لحظات حتى دوت خطوات ثقيلة عند مدخل القاعة، ودخل راجح بخطوات واثقة، وعيناه تحملان مزيجًا من الحماس والغموض. انحني أمام العرش، ثم رفع رأسه ببطء كمن يخفي في صدره سرًا يغيّر الموازين. راجح: –جئت إليك بنفسي يا مولاي بلال متجهمًا: – اقترب يا راجح، لديّ من الحديث ما لا يُقال أمام الجميع أشار بلال للحراس أن يبتعدوا، فانسحبوا في صمت تاركينهما في القاعة الفسيحة. الجو أصبح أثقل، والنار في المشاعل تراقصت كأنها تستمع للسر القادم. تقدم راجح بخطوات محسوبة، ثم انحنى قليلًا، وصوته ينخفض إلى همس كأنما يريد أن يسمع بلال وحده: راجح: – مولاي... جئت إليك بخبر سيجعل سليمان بين يديك كما لو كان أسيرًا بلا قيود. بلال وقد اشتعلت عيناه فضولًا: – تكلم يا راجح... ما هذا الخبر؟ اقترب راجح أكثر، حتى صارت أنفاسه تلامس مسامع الملك، وقال بصوت حاسم متقطع بوقع المفاجأة: – كارمن العرّافة... تلك المرأة التي تختبئ بين غيطان مملكة النور، ليست سوى والدة سليمان الحقيقيّة... التي اختفت منذ سنوات طويلة بعد ولادته مباشرة ونفيها بأمر من الملك الأب. تجمدت ملامح بلال، وكأن الصاعقة سقطت فوق عرشه. حدّق في راجح بعينين واسعتين، وصدره يعلو ويهبط كمن وجد في يديه خيطًا يقوده إلى قلب عدوه الأكبر. بلال بصوت متهدّج متلعثم: – والدة... سليمان؟! هل تعني أنّ العرّافة نفسها هي الدم الذي يجري في عروقه؟ ابتسم راجح ابتسامة ماكرة، وأكمل بثقة: – نعم يا مولاي... والدة سليمان ليست ميّتة كما كان يُظن سليمان نفسه، بل حية... أمامنا ورقة ثمينة، إن أحسنا استخدامها، صار الملك نفسه بين قبضتك. ارتجف قلب بلال، بين ذهول الخيانة التي كشفها هاشم بالأمس، وهذا السر الذي قد يجعل يده تمتد إلى ما كان بعيدًا عنه. نظر إلى العرش من حوله كأنما استعاد قوته فجأة، ثم رفع عينيه نحو راجح، وقد ارتسمت على وجهه ابتسامة خبيثة: – إن كان ما تقوله صحيحًا... فإننا لم نعد بحاجة إلى مطاردة سليمان بين الطرقات... سيأتي إلينا من تلقاء نفسه وقريبا. وساد صمت ثقيل بعد كلماته، كأن أرجاء القاعة كلها تدرك أنّ المعركة المقبلة لن تكون سيوفًا فقط، بل قلوبًا تُستغل وتُستعبد. "كشف الدم والعرش" قاعة خاصة في قصر النور، جدرانها مزدانة بالستائر الثقيلة، تتسلل منها أضواء المشاعل بألوان هادئة. جلس الملك فهد على مقعد خشبي ضخم، أمامه طاولة صغيرة فوقها بعض المخطوطات، لكن عيناه كانتا شاردتين في وجه ليث، الذي يقف متأهبًا كعادته، في هيئته العسكرية التي ورثها بالفطرة أكثر مما تعلمها بالتدريب. فهد بصوت متهدج، مزيج من القوة والحزن: –اقترب مني يا عمار… أو يا ليث كما يجب أن تُسمّى من اليوم. ارتجف ليث للحظة، تعجب من حدة نبرة الملك، لكنه تقدم ببطء حتى صار على بعد خطوات منه. ليث: – مولاي… ما سر هذه الجدية؟ أترغب في تكليفي بمهمة جديدة؟ رفع فهد رأسه إليه، عيناه تلمعان بدموع حبيسه، وصوته خرج ببطء كأنه يقتلع سرًا ظل مخبوءًا لسنوات: فهد: – لا يا بني… بل أرغب في أن أقول لك الحقيقة التي أخفيتها عنك طويلًا. أنت… لست مجرد جندي تحت رايتي… أنت ابني، من لحمي ودمي، والوريث الشرعي لعرش النور. تجمدت ملامح ليث، عيناه اتسعتا بذهول، تراجع خطوة للخلف كأن الصاعقة ضربته في قلبه. ليث بصوت مرتعش: – أبي…؟! كيف؟! لقد عشت عمري أظن أن معوّض هو أبي… منحتني لقبا وحياة عادية… كيف تخفي عني أنني ابن ملك ولماذا تقولها لي الآن؟ ما الفائدة أطرق فهد برأسه، يضع يده على صدره كمن يعترف بذنب ثقيل: فهد: – أخفيتك عن العلن خوفًا عليك… كنت صغيرًا حين بدأت المؤامرات تحيط بعرشي من كل جانب. خشيت أن يستخدمك أعدائي ورقة ضغط عليّ بعد مقتل ولدتك وجدك أمام عيني بعد فترة قصيرة من ولادتك، خشيت أن يقتلوك أو يأخذوك أسيرًا لأضعف. فأقسمت أن تحيا في أمان، ولو بعيدًا عن اسمي. تركتك في رعاية أوفى رجالي، معوّض، حتى تكبر قويًا بلا أن تطالك يد الغدر غمر الصمت الغرفة، ولم يُسمع إلا أنفاس ليث الثقيلة. دموع حائرة لمعت في عينيه، بين فخرٍ مفاجئ وغضب مكتوم. ليث بصوت مختنق: – كنتَ تخاف عليّ، ولكنك جرّدتني من حقي… من هويتي… من أن أعرف من أكون! وقبل أن يتابع، انفتح باب القاعة ببطء، لتدخل هيبة غير متوقعة. كان سليمان قد عاد إلى مملكة النور في زيارةً مفاجئة، وها هو يقف بملابسه الداكنة، وجهه المهيب وظلال المشاعل تزيد ملامحه وقارًا وغموضًا ويقف إلي جانبه نزار بنظراته الثاقبه الحاده وهو يضع يده خلف ظهره سليمان بصوت رخيم عميق، وهو يتقدم بخطوات واثقة: – صدق الملك فهد في كل كلمة يا بني… لم يُرد أن يحرمك، بل أراد أن يحميك. لقد رأيت بعيني كيف يتآمر الأعداء، وكيف تُباع الدماء في سبيل العروش. ما فعله والدك كان خوفًا عليك، لا جفاءً منك. توجهت عينا ليث إليه، قلبه يخفق بشدة، كأن صوت سليمان الذي يعرفه ليث بأسم نصر الدين حمل يقينًا لم يجرؤ على تصديقه قبل قليل. فهد يمد يده نحو ابنه: – اغفر لي يا بني… اليوم لا أطلب إلا أن تعترف بي كما أعترف بك… أنت وريثي، وأملي في الغد. ليث نظر بين يد أبيه الممتدة وصوت سليمان الذي صدّق كلماته، والدموع تغلبت على عينيه، لكنه ظل مترددًا، كمن يواجه نفسه لأول مرة. وساد صمت عميق، لكنه لم يكن صمت خوف، بل صمت ميلاد جديد لحقائق غيّرت ملامح القدر. "لحظة الاعتراف والقبول" قاعة العرش في قصر النور. كانت المشاعل على الجدران ترسل ضوءاً مرتجفاً يكاد يكشف ارتباك القلوب أكثر مما ينير المكان. الجو مشبع بصمت ثقيل، كأن القاعة كلها تحبس أنفاسها انتظاراً لما سيحدث. الملك فهد يقف أمام ابنه ليث، عيناه غارقتان في مزيج من الحزم والندم. بينما ليث، في عمر الشباب وقوة الرجال، يقف مرتبكاً، عيناه تائهتان بين الأرض ووجه أبيه. يده ترتجف وكأنها تميل إلى الإمساك بشيءٍ ضائع منذ زمن. فهد بصوت متهدج لكنه ثابت، نبرة أب قبل أن تكون نبرة ملك: يا بني… لم يكن إخفاؤك ضعفاً مني، ولا هروباً من قدرك، بل كان خوفاً عليك كما قال لك س...صمت قليلا ثم تابع..اقصد كما قال لك نصر الدين كنتُ أعلم أن أعدائي لن يتركوا سبيلاً إلا واتخذوك وسيلة للضغط عليّ، فأخفيتك في قلب رجل أثق به أكثر مما أثق بنفسي… معوّض، ليربّيك بعيداً عن قصرٍ يتربص به الموت ولكن شرط عليه عندما تكبر ويشتد صلبك تأتي إلي هنا وتكون من جنودي الافياء لتبقي أمامي طيل الوقت. يسود الصمت، لا يُسمع إلا صوت تنفس ليث المتسارع. يرفع رأسه ببطء، عيناه تلمعان بالدموع، لكنه يقاوم الانهيار. ليث بصوت متردد، كمن يحاول أن يستوعب الحقيقة: كنتَ تعرفني؟ … تعرف أنني ابنك… ومع ذلك تركتني أعيش بعيداً عنك، غريباً عن اسمي وعن دمي؟ فهد تعلو نبرة صوته بالصدق، ويقترب خطوة: غربة مجبره خير من موتٍ محتوم. كنتُ أراك في كل لحظة، في عينيّ كل طفل، في خطوات كل فارس، في مرآتي كل صباح. لم تغب عني يوماً… لكني آثرت ألم الفقد على ألم أن أفقدك حقاً لقد تذوقت ألم الفقد من قبل عندما قتل اغلي ما لدي ابي وأمك. ينظر ليث طويلاً في عيني أبيه، كأن الزمن كله توقف عند تلك اللحظة. ثم فجأة، وكأن كل الجدران التي بناها داخله انهارت، يتقدم بخطوات ثابتة ويفتح ذراعيه، ويحتضن فهد بقوة. ليث بصوت مبحوح من الدموع المكبوتة: أبي… سامحني إن تأخرت في فهمك. سامحني إن شككت بك… لكنك ستجدني الآن، بين يديك، كما تمنيت دائماً. تهتز شفتا فهد وهو يحاول تمالك نفسه، لكنه يعجز عن حبس دمعة نزلت على وجنته. يضم ابنه أكثر، ويضع يده فوق رأسه بحنان، كأن قلبه أخيراً وجد راحته. خلفهما، يقف سليمان شامخاً، بوجهه الهادئ وصوته الرخيم وابتسامته المشرقه، يراقب هذا المشهد الذي يذيب القلوب.وبجانبه نزار الذي كان مبتسما إيضا يخطو خطوة للأمام، صوته يعلو كأن القاعة كلها تستمع لنداء الحكمة: سليمان: يا ليث… لقد آن أوانك لتعرف من تكون، ولتدرك أن الدم لا ينقطع وإن طال الغياب. الملك لم يخفك إلا ليصونك، واليوم أراكما تعودان لبعضكما البعض، فلا تدع الخوف من الماضي يعكّر صفو المستقبل. يلتفت ليث إلى سليمان، نظرة امتنان عميقة في عينيه، وكأن كلماته كانت الجسر الذي عبر به إلى قلب أبيه. يبتسم فهد ابتسامة فخرٍ نادرة، ويضع يده على كتف ليث. نظرة فرحة تتبادل من اعين الثلاثه: الأب، والابن، والشاهد، وكأن القدر نفسه يعترف بأن لحظة الحق قد كُتبت أخيراً. "اختطاف كارمن" ليلٌ كثيف يلف مملكة النور، السماء ملبدة بالغيوم، والقمر محجوب كأنه يرفض أن يشهد على ما سيحدث. كوخ كارمن العرافة يقف منعزلًا على أطراف الغابة، تحيطه أشجار عتيقة تتمايل مع الريح، وأصوات البوم تصدح في الصمت الموحش. من نافذة صغيرة، يتسرب ضوء الشموع المرتجفة، يفضح شيئًا من أسرار الداخل. كارمن جالسة على الأرض وسط أكوام من الأعشاب اليابسة وقطع الحجارة الغامضة. أمامها مرآة صغيرة، يعلو سطحها بخار البخور الذي يتصاعد من مبخرة نحاسية. عيناها متسعتان بالقلق، أصابعها ترتجف وهي تمر فوق سطح المرآة كأنها تبحث عن رؤية تمنحها طمأنينة أو إنذارًا ينقذها. كارمن بهمس متقطع: – يا إلهي… لماذا انكشفت الحقيقة الآن؟ لماذا علم راجح بما كنت أخفيه؟ هل سأكون ثقلًا على ولدي بدلًا من أن أكون سندًا له؟ صوت الريح يعصف بالخارج، ثم يخترقه صوت خطوات غامضة تقترب من الكوخ. تنتفض كارمن، تحدّق في الباب الخشبي، قلبها يخفق بعنف. كارمن تتمتم بفزع: – ليس الآن… لا… ليس هم. الخطوات تزداد وضوحًا، تختلط مع أصوات الهمس والحديد المصطك. تنهض ببطء، تقترب من الباب بحذر، لكن فجأة… الباب يُركل بقوة هائلة، فيرتج الكوخ كله، وتتساقط بعض الأعشاب من الرفوف. تندفع مجموعة من الرجال الملثمين، وجوههم مخفية بأقنعة سوداء، وأعينهم تلمع كسهام غادرة. يمسكون بها بعنف قبل أن تدرك حتى ما يحدث. كارمن تصرخ برعب وهي تحاول المقاومة: – من أنتم؟! ابتعدوا عني…! لا شأن لكم بي…! أحدهم يضع يده على فمها بقسوة، يكممها بقطعة قماش داكنة. آخر يمسك ذراعها بقوة حتى تصرخ من الألم. كارمن تحاول إخراج صوتها رغم الكمامة: – اتركوني!… أنا مجرد امرأة عجوز…! رجل ملثم بصوت بارد قاسٍ: – أصمتي الآن خير لك… لا فائدة من صراخك المزعج. تزداد مقاومتها، ترفس الأرض بقدميها، فتسقط إحدى الشموع وتذوب فوق الأرض الخشبية. الكوخ يمتلئ بدخان البخور الممزوج برائحة الشمع المحترق، مشهد خانق يعكس رعبها. كارمن داخلها، صوتها كأنها تناجي نفسها: – يا سليمان… يا بني… إنهم سيأخذونني… إنهم سيجعلونني سلاحًا ضدك… احذر… احذر ارجوك. الملثمون يجرونها خارج الكوخ بعنف، وهي تحاول التشبث بأي شيء، يديها تمسكان بحافة الطاولة ثم تفلت، لتسقط المرآة أرضًا وتنشطر إلى شظايا متناثرة. صوت تحطمها يدوّي كأنه إعلان بانكسار مصيرها. أصوات الريح تعصف بأبواب الكوخ، الشموع تنطفئ واحدة تلو الأخرى، تاركة المكان في ظلام دامس. تتلاشى صرختها المكتومة في عمق الغابة، كأنها لم تكن سوى صدى بعيد. صورة الكوخ الفارغ تتلاشي ببطئ، مرآة محطمة، دخان متصاعد، وبقايا ضوء شحيح… كأن المكان كله أعلن الحداد على غيابها.