بين قلبين - الفصل الثامن - بقلم اريج | روايتك

اسم الرواية: بين قلبين
المؤلف / الكاتب: اريج
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: الفصل الثامن

الفصل الثامن

وفي حضني أنيس… رضيع لا يعرف من الدنيا سوى هذا الدفء المؤقت. نائم بسلام… كأن الحياة لم تسرق منه شيئًا بعد. لكنها سرقت… أمه. نصف ساعة فقط… كانت كل ما مُنح له منها. نصف ساعة بين أول صرخة… وآخر نفس. وماذا إن استيقظ؟ كيف يا خبر… سأخبره أن أمه رحلت قبل أن تحفظ ملامحه؟ قبل أن تناديه باسمه؟ قبل أن تعرف حتى إن كان يشبهها… أم يشبه رجلًا لم يحبها يومًا؟ بين يدي أب… لا يعرف من هو أصلًا، فكيف سيربيه؟ شدّدت أصابعي حول جسده الصغير بحذر… كأنني أخاف أن أكسره، أو… أن أفقده كما فقدتها. أنا لم أحبها. ولأول مرة… أعترف بهذا دون أن أجد مبررًا يحميني. كانت تعرف. لم تقلها صراحة، لكن عينيها… كانتا تعرفان كل شيء. تعرف أن قلبي لم يكن لها. تعرف أن اسمًا آخر يسكنني… اسم لا يموت مهما حاولت دفنه. غدير. حتى الآن… وأنا أحمل طفلًا من امرأة ماتت قبل أن تعيش، ما زال اسمها يمرّ في داخلي… بهدوء مؤلم. أيّ قسوة هذه؟ نظرت إلى أنيس… كان صغيرًا جدًا، أصغر من أن يتحمّل خطاياي. هو لم يختر أن يولد هنا. لم يختر أبًا مثلي… ولا أمًا ترحل بعد نصف ساعة. لكنها… اختارت أن تبقى. حتى آخر لحظة. أتذكّرها الآن… على ذلك السرير البارد، أنفاسها متقطعة، ووجهها شاحب كأن الحياة تسحب نفسها منها ببطء. نظرت إليّ… نظرة لم أفهمها حينها. لم تكن عتابًا. لم تكن حزنًا. كانت… تسليمًا. كأنها تقول: "أنا أعرف." تعرف أنني لم أحبها. تعرف أنني كنت أعيش بجسد… وقلبي في مكان آخر. ومع ذلك… ابتسمت. ابتسامة خفيفة، بالكاد تُرى… ثم همست بصوت ضعيف: "هو… أمانة عندك." لم تقل "ابننا". لم تقل "أحبني". لم تطلب شيئًا لنفسها. فقط… أعطتني كل شيء، ورحلت. وأنا؟ كنت واقفًا هناك… باردًا، صامتًا، كأن ما يحدث لا يخصني. حتى توقفت أجهزتهم. حتى عمّ الصمت. حتى قال أحدهم: "البقاء لله." حينها فقط… شعرت بشيء ينكسر. ليس حبًا… بل شيء أعمق. شيء يشبه الذنب. نظرت إلى الطفل لأول مرة… كان يبكي. صرخة ضعيفة… لكنها اخترقتني. كأنها تقول: "أين كانت؟" وأنا… لم يكن لدي جواب. والآن… هو نائم في حضني، لا يعلم أنه جاء إلى عالم… بدأه بخسارة. فتحت عينيه فجأة. تجمّدت. نظر إليّ… تلك النظرة العشوائية، التي لا ترى شيئًا بعد، لكنني شعرت أنها ترى كل شيء. بدأ بالبكاء. ارتبكت. "أنا… أنا هنا." قلتُها بصوت غريب، كأنني أجرّب الكلمة لأول مرة. هززته بخفة، كما رأيتهم يفعلون، لكن يدي كانت ترتجف. "اهدأ…" كيف يهدأ؟ وأنا نفسي لا أعرف كيف أهدأ؟ صوته ارتفع… وأنا ازددت ضياعًا. "ماذا تريد؟" سؤال سخيف… رضيع لا يريد سوى أمّه. وأمّه… ليست هنا. لن تكون هنا. أبدًا. شددته إلى صدري، بقوة هذه المرة، كأنني أحاول أن أملأ هذا الفراغ بشيء… بأي شيء. لكن الحقيقة كانت أقسى من أن تُخفى: أنا لا أعرف كيف أكون أبًا. ولا أعرف كيف أكون إنسانًا… بعد الآن. وهي… المرأة التي لم أحبها، تركت لي خلفها قلبًا صغيرًا… ووجعًا أكبر من أن يُحتمل.