اكتب حتى تمحى خطايا - الفصل ثالث - بقلم Kemiha sirine | روايتك

اسم الرواية: اكتب حتى تمحى خطايا
المؤلف / الكاتب: Kemiha sirine
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: الفصل ثالث

الفصل ثالث

كان مصنع السكر القديم في ضواحي المدينة يبدو وكأنه هيكل عظمي لعملاق منسي. تفوح منه رائحة التخمر والحديد الصدئ، وتحت سمائه الرمادية، كان الفجر يزحف ببطء كأنه يخشى ما سيحدث بالداخل. ​كان ماتيو يقود السيارة بصمت مطبق، يد ممسكة بالمقود والأخرى تضغط على جرح قديم في ذراعه بدأ ينزف من التوتر. بجانبه، كانت إيزابيلا تبدو كتمثال من رخام. لم تكن خائفة، بل كانت في حالة من التركيز المرعب. كانت تعيد ملء محبرتها، لكن هذه المرة لم تكن الأعشاب هي المكون الوحيد؛ لقد وضعت فيها قطرة من دمها هي. ​"بمجرد أن ندخل، سيحاولون فصلنا،" قال ماتيو وهو يصف السيارة بعيداً عن الأنظار. "سانتياغو لا يريد الدفتر فقط، إنه يريد كسر الرمز الذي تمثلينه يا إيزابيلا. الكاتبة التي لا تُقهر." ​نظرت إليه إيزابيلا، ولأول مرة رأى ماتيو لمعة من الندم في عينيها. "إذا حدث لي شيء يا ماتيو، خذ الدفتر.. واحرقه بالكامل. لا تتركه يقع في يده، لأن من يملك هذا الدفتر، يملك أرواح كل من سقطوا فيه." ​في قلب العرين ​دخلا المصنع. كانت الإضاءة خافتة، وسلاسل معدنية ضخمة تتدلى من السقف وتتحرك مع الريح مصدرةً صريراً يشبه استغاثات الموتى. في المنتصف، تحت كشاف ضوئي وحيد، كان يجلس سانتياغو (إل ألكران). ​لم يكن يبدو كزعيم عصابة تقليدي؛ كان يرتدي بدلة بيضاء ناصعة، ويحمل مسبحة في يده، وبجانبه كانت لوسيا، شقيقة إيزابيلا، مقيدة ومكممة الأفواه، وعيناها تفيضان بالدموع. ​"أهلاً بملكة الورق،" قال سانتياغو بصوت ناعم كالحرير المسموم. "والشرطي الصالح الذي ضل طريقه. لقد جعلتموني أنتظر كثيراً." ​صوب رجال سانتياغو—الذين كانوا يملؤون الشرفات العلوية—أسلحتهم نحو ماتيو. رفع ماتيو يديه ببطء، بينما تقدمت إيزابيلا خطوات للأمام. ​"اترك لوسيا، وخذ ما جئت من أجله،" قالت إيزابيلا وهي ترفع الدفتر الجلدي. ​ضحك سانتياغو، ووقف ليمشي حول لوسيا ببطء. "الدفتر؟ الدفتر مجرد ورق. أنا أريد القوة التي تحرك القلم. أريدكِ أن تكتبي اعترافاً لي، هنا والآن. أريد اعترافاً يقول إنني 'القانون'، وإنني 'المخلص' لهذه المدينة. أريد بصمة دمكِ أنتِ على هذا الاعتراف لتجعليه حقيقة لا تموت." ​المساومة القاتلة ​صدمة الخبر وقعت على ماتيو كالصاعقة. "إيزابيلا، لا تفعلي! إذا كتبتِ له ما يريد، ستعطينه سلطة روحية على المدينة بأكملها!" ​نظرت إيزابيلا إلى أختها المرتجفة، ثم إلى سانتياغو. "الثمن سيكون غالياً يا سانتياغو. الكتابة بدم الكاتب تستهلك العمر.. هل أنت مستعد لرؤية الحقيقة؟" ​"أنا الحقيقة!" صرخ سانتياغو بجنون. ​فتحت إيزابيلا دفترها على صفحة بيضاء تماماً. سحبت ريشتها، وبدلاً من أن تطلب دماً من أحد، غرزت الريشة في راحة يدها. تأوه ماتيو وهو يرى الدم يتدفق بغزارة، لكن إيزابيلا لم تهتز. بدأت تكتب.. وبدأ المصنع يهتز مع كل كلمة. ​لكنها لم تكن تكتب ما طلبه سانتياغو. كانت تكتب تاريخ جرائمه، منذ أول طفل اختطفه وحتى هذه اللحظة. كانت الكلمات تخرج على الورق بلون ذهبي متوهج هذه المرة، وليس أسود. ​"توقفي!" صرخ سانتياغو وهو يشعر بألم مفاجئ في صدره. "قلتُ اكتبي مدحي، لا خطاياي!" ​"الورق لا يقبل الكذب يا سانتياغو،" قالت إيزابيلا وهي تتنفس بصعوبة، وجهها أصبح شاحباً كالموتى. "لقد بدأتُ الكتابة.. ولا يمكن التوقف حتى تجف البصمة." ​الانفجار الكبير ​أدرك سانتياغو أنه وقع في فخ. صرخ في رجاله: "اقتلوهم! اقتلوهم جميعاً!" ​بدأ الرصاص ينهمر، لكن ماتيو كان أسرع؛ دفع طاولة معدنية ضخمة لتكون ساتراً له ولإيزابيلا، وبدأ يشتبك مع الحراس في تبادل إطلاق نار عنيف. كان المصنع يشتعل، والآلات القديمة بدأت تنفجر نتيجة الرصاص الطائش. ​وسط الفوضى، زحفت إيزابيلا نحو أختها لوسيا وهي تنزف. كانت الصفحة الأخيرة مكتملة تماماً، متبقٍ فقط البصمة. ​"ماتيو! احمِ لوسيا!" صرخت إيزابيلا وهي ترى سانتياغو يركض نحوها وبيده خنجر ذهبي. ​وصل سانتياغو إليها، وطعنها في كتفها وهو يصرخ: "أعطني الدفتر!" ​لكن إيزابيلا ابتسمت وسط الألم. أمسكت بيده الملطخة بدمها هي، وضغطت بها بقوة على الصفحة التي كتبتها. ​"لقد وقعتَ على نهايتك.. بدمي أنا،" همست في أذنه. ​في تلك اللحظة، لم يمت سانتياغو فوراً. بل بدأت الأوراق في الدفتر تتطاير وتلتف حوله كأنها كفن من الورق. صرخ صرخة هزت أركان المصنع، قبل أن ينفجر خزان السكر القريب، ليغرق المكان في لهيب أبيض وغبار كثيف. ​النهاية.. أم البداية؟ ​بعد ساعات، وتحت أضواء سيارات الإسعاف، كان ماتيو يجلس على حافة سيارته، يغطي لوسيا بسترته. كان المصنع حطاماً متفحماً. لم يجدوا جثة سانتياغو، ولم يجدوا الدفتر. ​بحث ماتيو عن إيزابيلا في كل مكان، حتى وجدها تجلس بعيداً، فوق صخرة تطل على المدينة. كانت يدها مضمدة، وعيناها تنظران إلى الفجر الجديد. ​"انتهى الأمر؟" سأل ماتيو وهو يقف بجانبها. ​فتحت إيزابيلا يدها الأخرى، كانت تحمل ريشة جديدة، لكنها كانت نظيفة تماماً. "هذه المدينة لديها الكثير من الخطايا يا ماتيو.. وسانتياغو كان مجرد فصل واحد في كتاب طويل جداً." ​"والدفتر؟" ​نظرت إليه بابتسامة غامضة. "الدفتر لم يعد ورقاً.. إنه الآن في هواء هذه المدينة. كل من يرتكب خطيئة، سيشعر برائحة الحبر في أنفاسه.. وسيعرف أن 'الكاتبة' لا تزال تراقب."