فصل ثاني
لم يكن لدى ماتيو وقت للصدمة. كان صوت المحركات الهادرة في الخارج يقترب كإعصار، وأضواء السيارات بدأت تخترق النوافذ المحطمة للكنيسة المهجورة. كان يعلم أن رجال "سانتياغو" (إل ألكران) لا يأتون للتفاوض؛ إنهم يأتون لمحو الأثر.
"إيزابيلا، تحركي الآن!" صرخ ماتيو وهو يجذبها من ذراعها، بينما كانت هي لا تزال تمسك بحقيبتها الجلدية وكأنها أغلى من حياتها.
"الجثة يا ماتيو.. لا تترك الورقة!" قالت بصوت حازم خالٍ من الخوف، مشيرة إلى ورقة الاعتراف التي كانت لا تزال على الطاولة.
قبل أن يجيب، انهمر رصاص الرشاشات كالمطر، محطماً المقاعد الخشبية للكنيسة. ألقى ماتيو بنفسه فوق إيزابيلا، وسحب مسدسه الوظيفي وهو يزحف بها نحو المخرج الخلفي الذي يؤدي إلى أزقة "باريو" الضيقة.
المطاردة في "زقاق الأرواح"
خلف الكنيسة، كانت الرائحة تفوح بفقر المدينة وعرقها. ركضت إيزابيلا بخفة لم يتوقعها ماتيو، كانت تحفظ هذه الأزقة وكأنها رسمتها في دفترها. بينما كان ماتيو يلتفت كل ثانية ليطلق النار على الظلال التي تلاحقهم.
"لماذا يطاردونكِ أنتِ؟" سأل ماتيو وهو يغير مخزن الرصاص خلف حاوية نفايات معدنية. "خيسوس كان مجرد قاتل مأجور، الكارتيل لا يهتم لموته!"
التفتت إليه إيزابيلا، وكان ضوء القمر المنعكس على وجهها يظهر شحوباً غريباً. "هم لا يهتمون بموته، هم يخافون مما قاله قبل أن يموت. خيسوس لم يعترف بجرائمه فقط، بل اعترف بأسماء السياسيين الذين يتقاضون رواتبهم من 'سانتياغو'. دمه الآن يحمل أسماءهم على ورقتي."
في تلك اللحظة، ظهرت سيارة دفع رباعي سوداء من نهاية الزقاق، سدت الطريق تماماً. خرج منها رجل ضخم، يضع وشماً لعقرب على عنقه، وبيده قاذفة قنابل. إنه "رافاييل"، اليد اليمنى لسانتياغو.
"سلمي الدفتر يا 'إسكريبانيا' (الكاتبة)، وسأجعل موتكِ سريعاً كبصمة إبهامك،" صاح رافاييل بضحكة خشنة.
قوة الدم
ساد الصمت للحظة، ماتيو كان يملك رصاصتين فقط، ورافاييل يملك جيشاً خلفه. فجأة، فتحت إيزابيلا حقيبتها. لم تخرج مسدساً، بل أخرجت الورقة التي وقعها "خيسوس" بدمه منذ قليل.
"ماتيو، غطِّ عينيك!" همست إيزابيلا.
لم يفهم ماتيو السبب، لكنه فعل. قامت إيزابيلا بتمزيق طرف الورقة الملطخ بالدم وحرقته بولاعة صغيرة كانت تحملها. انتشرت رائحة غريبة في الزقاق، رائحة لا تشبه الدخان، بل تشبه رائحة الصدأ والبرق.
فجأة، بدأ رجال الكارتيل يصرخون. لم يطلق ماتيو النار، لكنهم سقطوا على ركبهم وهم يمسكون بصدورهم، وكأن الهواء في الزقاق قد سُحب من رئاتهم. رافاييل نفسه تعثر، وسقط سلاحه من يده وهو يحدق في إيزابيلا برعب وكأنه يرى شيطاناً.
"ماذا فعلتِ؟" همس ماتيو وهو يفتح عينيه ببطء، يرى الرجال ممددين دون جرح واحد.
"لقد استدعيتُ ثقل الخطايا التي كتبتها،" قالت إيزابيلا وهي تطوي ما تبقى من الورقة ببرود. "الدم لا يكذب يا ماتيو، وعندما يحترق اعتراف المجرم، يختنق كل من شاركه في جريمته بنفس الرائحة."
المواجهة الباردة
انسحب ماتيو مع إيزابيلا قبل وصول التعزيزات. وصلا إلى شقة آمنة في أطراف المدينة. هناك، تحت ضوء المصباح الأصفر، وضع ماتيو مسدسه على الطاولة، ووضعت إيزابيلا دفترها.
"أنتِ لستِ فتاة الأرشيف التي ظننتها،" قال ماتيو بنبرة ممزقة بين الواجب والإعجاب. "ما تفعلينه هو سحر أسود.. أو عدالة ملطخة. يجب أن أعتقلك."
اقتربت منه إيزابيلا، وضعت يدها الباردة على يده. "القانون الذي تحميه يا ماتيو وضع 'سانتياغو' في القصر، ووضع أختي 'لوسيا' في حفرة لا أعرف مكانها. قانوني أنا يجبرهم على قول الحقيقة قبل أن تبتلعهم الأرض. اختر جهتك الآن.. هل تريد الورق أم الرصاص؟"
قبل أن يجيب، رن هاتف ماتيو. كانت رسالة نصية من مجهول: "لدينا لوسيا. أحضر الكاتبة والدفتر إلى مصنع السكر القديم عند الفجر، أو سأجعل أختها توقع اعترافها الأول بدمها."
تغيرت ملامح إيزابيلا لأول مرة. فقدت برودها، واهتزت الريشة في يدها.
"إنه هو،" همست. "سانتياغو يريد اللعب."