الفصل اول
كانت ليلة سيوداد خواريز خانقة، الهواء مشبع برائحة الغبار والرصاص القريب. في الطابق السفلي من كنيسة "سانتا ميرتي" المهجورة، كان الضوء الخافت لسمعة وحيدة يرتعش على وجه إيزابيلا سانتوس. لم تكن تشبه القتلة في شيء؛ ملامحها ناعمة، وشعرها الأسود المجدول بعناية يمنحها مظهر طالبة جامعية، لكن عينيها كانتا تحملان ثقلاً لا يملكه حتى القضاة.
أمامها، مقيداً إلى كرسي خشبي متهالك، كان يجلس خيسوس "إل لوبو"، أحد أشهر القتلة المأجورين للكارتيل. كان جسده الضخم يرتجف، ليس خوفاً من الموت—فقد واجهه كثيراً—بل خوفاً من تلك الورقة البيضاء الملقاة أمام إيزابيلا.
"قالوا لي إنكِ تمحين الذنوب،" همس خيسوس وصوته يتهدج. "قالوا إن من يوقع في دفترك ينام دون كوابيس."
فتحت إيزابيلا محبرتها ببطء، ولم يكن بداخلها حبر، بل سائل أسود لزج تفوح منه رائحة الأعشاب القديمة. قالت بصوت هادئ كجريان نهر مسموم: "أنا لا أمحو الخطايا يا خيسوس.. أنا فقط أنقلها من روحك إلى ورقتي. لكن الثمن ليس المال، أنت تعرف الثمن."
بدأ خيسوس يتكلم. حكى عن المجازر التي ارتكبها، عن الأمهات اللاتي بكين تحت قدميه، وعن الأطفال الذين يتمهم. كانت إيزابيلا تكتب بسرعة مذهلة، ريشتها تتحرك على الورق بصوت يشبه كشط العظام. لم تشعر بالاشمئزاز، بل كانت كآلة حاصدة للأرواح، تسجل كل تفصيلة بدقة مرعبة.
عندما انتهى خيسوس، غطى وجهه بيديه المرتجفتين وانتحب. "لقد قلت كل شيء.. كل شيء."
وقفت إيزابيلا ببرود، واقتربت منه. أخرجت من جيبها مشرطاً صغيراً لامعاً. أمسكت بيده اليمنى، وبحركة سريعة ومحترفة، جرحت طرف إبهامه. صرخ خيسوس صرخة مكتومة بينما كانت إيزابيلا تعصر إبهامه فوق الورقة، لتمزج دمه الساخن بالكلمات التي كتبتها للتو.
"الآن.. بصمتك الأخيرة،" قالت إيزابيلا وهي تضغط بإبهامه الملطخ على أسفل الصفحة.
بمجرد أن لامس الدم الورقة، حدث شيء غريب. بدأ اللون الأحمر يختفي داخل الورق، والكلمات بدأت تتوهج للحظة قبل أن تصبح سوداء كالفحم. في تلك اللحظة، جحظت عينا خيسوس، وتوقف نفسه فجأة. سقط رأسه إلى الخلف، وارتسمت على وجهه ملامح راحة غريبة، وكأن ثقلاً جبالياً قد أزيح عن صدره. لقد مات.. لكنه مات "طاهراً" في قانون ورقها.
مسحت إيزابيلا ريشتها بقطعة قماش بيضاء، وأغلقت الدفتر. لكن فجأة، دوى صوت ارتطام قوي عند باب الكنيسة.
"شرطة! لا تتحرك!"
كان هذا صوت ماتيو كورتيز. دخل والمصباح في يده يمزق الظلام. صدمه المشهد: جثة لمجرم مطلوب، وفتاة رقيقة تقف بهدوء وبيدها دفتر جلدي.
"إيزابيلا؟" قال ماتيو بذهول، فقد كان يعرفها كفتاة الأرشيف الخجولة التي تبتسم له كل صباح. "ماذا فعلتِ؟"
لم ترتبك. وضعت الدفتر في حقيبتها وقالت وهي تنظر في عينيه مباشرة: "فعلتُ ما عجزت عنه رصاصاتكم يا ماتيو. لقد جعلته يعترف.. ثم جعلته يختفي."
خارج الكنيسة، بدأت سيارات الكارتيل تقترب بمحركاتها الهادرة. لقد علموا أن "الكاتبة" هنا، والسر الذي تحمله في دفترها يساوي حياة رؤوسهم الكبيرة.