سجين في بيتي - الاكتئاب - بقلم نهيلة شاكوك | روايتك

اسم الرواية: سجين في بيتي
المؤلف / الكاتب: نهيلة شاكوك
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: الاكتئاب

الاكتئاب

بصوتها، استيقظت كعادتي. رتّبت الفوضى، أعددت الطعام، ورددت نفس السلامات، بنفس النبرة، بنفس الترتيب، كأنني أحفظ نفسي عن ظهر قلب. لكنني، لسببٍ لم أفهمه، لم أكن هناك. كان كل شيء يسير كما يجب… إلا أنا. أجرّ ساقي جرًّا، لا لأنني متعبة، بل لأنني لا أرى سببًا لأسرع. أعضّ على لساني كلما أردت أن أقول شيئًا، كأن الكلام صار مجهودًا لا أملكه. ظننت أنني تجاوزت الأمر. أقنعت نفسي أن الحزن له وقت وينتهي. لكن جسدي لم يصدقني. جلست قليلًا… فقط لأرتاح. ثم وجدتني أبحث عن سببٍ لأبقى جالسة، ثم عن عذرٍ لأعود إلى السرير. لم أكن أريد النوم، لكن شيئًا في داخلي يجرّني إلى عالمٍ من الكسل والضجر. أصبح كل شيء رماديًا من حولي، الألوان فقدت رونقها، والموسيقى الكلاسيكية التي كنت ألوذ بها صارت ضجيجًا حادًا، كأنها ترفضني كما يرفضني هذا البيت. لم أبكِ ولم أشعر حتى بالحزن كما أعرفه. كان الأمر أبرد من ذلك. كأن شيئًا انطفأ، وترك مكانه فراغًا لا يؤلم لكنه لا يُحتمل. كنت أراقب نفسي من بعيد. أرى يدي تتحرك، ترتب، تطبخ لكن دون أن أشعر أنني أنا من يفعل ذلك. حتى المرآة، لم تعد تعكسني. كلما نظرت إليها، رأيت وجهًا يشبهني، لكنني لا أتعرف عليه تمامًا. ظننت أن الأمر أشبه بلذعة تعبان خفيفة، لكن السمّ لم يتوقف عند حدود اللسعة، بل بدأ يتكدّس في داخلي ببطءٍ خبيث، يتمدد في صمت، ويذكّرني بوجوده على فتراتٍ متباعدة، كأنه لا يريد أن يقتلني دفعة واحدة، بل أن يُبقيني حيّة بما يكفي لأشعر به وهو ينتشر. مرّ الأسبوع الأول، ثم الثاني، ثم الثالث، دون أن أستطيع أن أحدد اللحظة التي تغيّر فيها كل شيء، أو اللحظة التي توقفتُ فيها عن محاولة الفهم، أصبح الصمت رفيقي الوحيد، لا لأنني اخترته، بل لأنه الشيء الوحيد الذي لم يطلب مني مجهودًا، وأصبح النسيان سمة تسبقني قبل أن أُعرّف بنفسي، نسيانٌ بسيط في ظاهره، لكنه كان يتسلل إلى أدق تفاصيل يومي، فيجعلني أضع المفتاح في الثلاجة أكثر من مرة، وأترك القدر على النار حتى يبرد دون أن أتذكر أنني أنا من أشعلته، وأقف أحيانًا في منتصف المطبخ، أحدّق في الأشياء من حولي كأنني أراها لأول مرة، دون أن أعرف ماذا كنت أفعل أو لماذا بدأت. لم أعد أنزعج، لم أعد أرتبك، لم أعد حتى أحاول إصلاح ما يحدث، كأن شيئًا بداخلي أقنعني أن هذا كله طبيعي، أو ربما أقنعني أنني أنا الخطأ، وأن كل ما يحدث ليس إلا نتيجة منطقية لشيءٍ فيّ لا يُرى، ولا يُقال. حتى نظراتهم لم تعد تخيفني كما كانت، ولا كلماتهم الجارحة كانت تصيبني بنفس الحدة، لا لأنني أصبحت أقوى، بل لأنني أصبحت أبعد، كأنها تمرّ من خلالي دون أن تلامسني، وكأنني لم أعد أستحق حتى أن أتأثر. قلّ نظامي شيئًا فشيئًا، وتفككت تلك الدقة التي كنت أتشبث بها كوسيلة للسيطرة على عالمي الصغير، واستبدلها فراغٌ واسع يجعلني أتعلّق بأشياء لا معنى لها، أحدّق في الجدران، في تفاصيل الطاولة، في ظلّ الضوء على الأرض، لساعاتٍ دون أن أشعر بمرور الوقت، وكأنني أحاول أن أملأ شيئًا لا يُملأ، أو أهرب من شيءٍ لا أستطيع مواجهته. في ذلك اليوم خرجت كعادتي دون أن أفكر كثيرًا، ربطت حجابي بسرعة، بعجلةٍ لا تشبهني، ولم أعر للمرآة أي اهتمام، أنا التي كنت أقف أمامها طويلًا، أتمهّل في كل تفصيلة، أراقب وجهي كما يراقب الفنان لوحته الأخيرة، أدقّق في أدقّ الخطوط، وأعيد ترتيبها بصبرٍ يشبه الحُب، فلقد كان التصميم حرفتي، وكان الرسم طريقتي الوحيدة لأفهم بها نفسي. سرت في الطريق بخطواتٍ ثقيلة، عالقة بين الوعي والغياب، أردد السلام بنفس الابتسامة التي حفظتها عن ظهر قلب، لكن شيئًا فيها كان مختلفًا، ابتسامة باهتة، لا تحملني كما كانت، ولا تُبرز ملامحي كما عهدتها، كأنها قناع تأخر عن اللحاق بصاحبته. إلى أن بدأت أشعر بنظراتٍ تلاحقني، نظرات لم تكن حادة بما يكفي لتجرحني، لكنها كانت غريبة، مترددة، تحمل شيئًا من الاستنكار الذي لا يُقال، وكأنها تبحث عن خللٍ لا تستطيع تسميته، أبطئت خطواتي، وإلتفت حولي بارتباكٍ خافت، أحاول أن ألتقط ما الذي تغيّر… دون أن أجد جوابًا واضحًا. مررت بجانب واجهة زجاجية، توقفت وتوقف الزمن… لا لأنني أردت أن أنظر، بل لأن شيئًا ما شدّني دون إرادة. نظرت. وللمرة الأولى منذ زمن، لم يكن ما رأيته مجرد وجهٍ غريب يشبهني بل كان شيئًا ناقصًا. وقفت أحدّق طويلًا، أحاول أن أفهم ما الذي تغير، ما الذي سقط دون أن أشعر، إلى أن أدركت فجأة، وببطءٍ مؤلم، أنني خرجت دون أن أرتدي ما كنت أعتبره جزءًا مني، دون ذلك الامتداد الذي لطالما كان يرافقني، يحفظ لي صورتي التي أعرفها، ويمنحني ذلك الشعور الخفي بالاكتمال. لم أشعر بالحرج ولا بالخوف، بل بشيءٍ أبرد من ذلك، شعورٌ بالفراغ الذي يخيف أكثر من أي شيء، لأنني، لو كنت أنا بكل صفاتي التي عهدتها منذ نشأتي لعدت مهرولة محاولًة محو ما حصل، لكنني بقيت واقفة، أحدّق في نفسي، أختبر إلى أي حد يمكنني أن أكون شخصًا لا يشبهني دون أن أشعر. أذكرت في تلك اللحظة أنني أغرق في نهر حامي لا أقوى على النجاة منه وحدي، و تيقنت أني وربما لأول مرة أحتاج إلى المساعدة، يدا تحتضنني وتنبهني أني إنسان بسيط، خارت قواه، وأن البحث عن الاستقرار يحتاج أن أطلبه خارج عالمي المألوف. أخذت نفسي إلى الطبيب النفسي، تلك الخطوة التي شعرت في البداية بأنها مستحيلة، كأنها قفزة في فراغ مظلم. جلست أمامه، وأخرجت كل شيء لم أستطع قوله لأحد، كل ما تراكم في داخلي بصمت: الفراغ، الانطفاء، الغياب عن نفسي، كل شيء بدا صغيرًا على الورق لكنه ضخم في قلبي. استمع لي بصمت، لم يقاطعني، ولم يعلق. ثم بدأ يسألني عن روتيني، عن مشاعري، عن البيت الذي أعيش فيه، عن ذلك الضغط الخفي الذي شعرت به كل يوم. لم يكن مجرد كلام عابر، بل أسئلة جعلتني أرى نفسي من زاوية لم أكن أعرفها، زاوية فيها القوة والضعف معًا. اقترب الطبيب من موضوع بيت العائلة بحذر، سألني: «هل تعتقدين أنك ستجدين هنا مكانك؟ هل يمكنك أن تعيشي هذه الحياة بلا توقف داخلي؟» شعرت بشيء من الحقيقة يُقال لي ببطء، شيئًا يجعلني أرى أن الحياة لن تبدأ من جديد إلا إذا أخذت قراري بنفسي. عدت إلى المنزل، لم أقل شيئًا للزوج مباشرة، لكن كلام الطبيب بقي في ذهني، شعور بالحرية الممكنة، شعور بأن استقراري ليس مستحيلاً. بدأت أتحدث معه بهدوء عن فكرة الانتقال، عن الرغبة في مساحة لنا بعيدًا عن كل القيود التي نخاف أن نواجهها. لم تكن الموافقة سهلة، لكنه استمع، واستطعنا أن نتحدث كفريق، وليس كأشخاص محاصرون في البيت نفسه. وأخيرًا، شعرت أن شيئًا بداخلي يتحرك، ليس بشدة الانطفاء السابق، لكنه تحرك، شعور صغير بأن الحياة قد تبدأ مجددًا، ولو خطوة واحدة فقط، خارج حدود المكان الذي ظللت فيه أسيرة سنوات.