حين إختفى إسمي من الذاكرة - الفصل الأخير: ما بعد النهاية - بقلم هديل بن عياد - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: حين إختفى إسمي من الذاكرة
المؤلف / الكاتب: هديل بن عياد
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: الفصل الأخير: ما بعد النهاية

الفصل الأخير: ما بعد النهاية

لم يكن ما عاد إلى الوعي مجرد استرجاعٍ متأخر لحقيقةٍ ضائعة، بل كان إعادة تشكّل كاملة لوجودٍ لم يعد كما كان، وجودٍ خرج من الفراغ محمّلًا بثقل المعرفة التي لا يمكن تجاهلها، ولا يمكن التراجع عنها. كان كل شيء قد اتضح، ليس بمعنى أن الأسئلة انتهت، بل بمعنى أن الإجابة الأساسية لم تعد غائبة، وأن ما تبقى لم يكن إلا امتدادًا لها، أو نتيجةً حتمية لما كشفت عنه. لم تعد الهوية لغزًا كما كانت، ولم يعد الاسم هو النقطة المركزية التي يدور حولها كل شيء، لأن ما تبيّن لم يكن فقدان اسمٍ فقط، بل فقدان دورٍ كامل، دور لم يكن بسيطًا أو عاديًا، بل كان مرتبطًا ببنيةٍ معقدة تتحكم في الذاكرة، في المعرفة، وفي الحدود التي تفصل بين ما يجب أن يُعرف وما يجب أن يُمحى. كان هذا النظام قائمًا على توازنٍ دقيق، توازن لا يسمح بوجود عنصرٍ غير متحكم فيه، ولا يقبل بأي انحرافٍ قد يهدد استمراره. وفي تلك البنية، لم أكن مجرد جزءٍ عابر، بل كنت عنصرًا فاعلًا، مرتبطًا بواحدةٍ من أكثر الوظائف حساسية، وظيفة التعامل مع الذاكرة نفسها، مع ما يُحتفظ به وما يُزال، مع الخط الفاصل بين الوجود والنسيان. لم يكن هذا الدور واضحًا لي في البداية، لكن ما عاد من الذكريات لم يترك مجالًا للشك، لأن الإحساس بالتحكم، بالإدراك، وبالقرب من جوهر العملية، كان أقوى من أن يكون وهمًا. لكن ما جعل كل شيء ينهار لم يكن الجهل، بل المعرفة. لم يكن الخطأ في التنفيذ، بل في الاقتراب أكثر مما يجب من الحقيقة، في رؤية ما لم يكن من المفترض أن يُرى، في إدراك أن هذا النظام، رغم دقته، لم يكن كاملًا، وأن ما يُمحى لا يختفي تمامًا، بل يبقى في شكلٍ آخر، في طبقةٍ لا يمكن الوصول إليها بسهولة، لكنها موجودة، تنتظر من يقترب بما يكفي ليشعر بها. ذلك الإدراك لم يكن مقبولًا داخل منظومةٍ تعتمد على السيطرة الكاملة، لأنه يفتح بابًا لا يمكن إغلاقه، بابًا يقود إلى احتمالاتٍ لا يمكن التحكم فيها. ولهذا، لم يكن القرار بإزالتي قرارًا انتقاميًا، بل كان ضرورة، ضرورة للحفاظ على التوازن، حتى لو كان ذلك يعني إزالة جزءٍ من النظام نفسه. لكن ما لم يكن محسوبًا بالكامل، هو أن المحو لا يمكن أن يكون مطلقًا. لأن ما يُبنى على الوعي لا يمكن إزالته دون أن يترك أثرًا، ودون أن يعيد تشكيل نفسه بطريقةٍ ما. وهذا ما حدث. لم أُمحَ بالكامل، بل أُعيد تشكيلي، أُعيد وضعي خارج الدور الذي كنت أؤديه، لكن دون أن يتم القضاء على كل ما كنت عليه. بقيت آثار، بقيت طريقة التفكير، بقي ذلك الإحساس العميق بأن هناك شيئًا أكبر، وأن ما أراه ليس كل شيء. كانت هذه البقايا كافية لتكون بداية، بداية بطيئة، لكنها حتمية. وهكذا، لم يكن استيقاظي في ذلك الصباح بداية عشوائية، بل كان نتيجة، نتيجة لعملية لم تكتمل كما كان مخططًا لها، أو ربما لم يكن من الممكن أن تكتمل من الأساس. كان ذلك الفراغ الذي شعرت به في البداية مجرد مرحلة، مرحلة انتقالية بين ما كنت عليه وما أصبحت عليه. ومع عودة الذكريات، لم أعد كما كنت، لأن ما استعدته لم يكن مجرد معلومات، بل كان فهمًا، فهمًا يجعل العودة إلى الجهل مستحيلة. لم أعد أبحث عن نفسي، بل أصبحت أعرفها، ليس كاسمٍ أو كهويةٍ بسيطة، بل ككيانٍ تشكّل من المعرفة والنسيان معًا. لكن هذا الفهم لم يكن نهاية الطريق. لأن النظام الذي كنت جزءًا منه لم يختفِ، ولم يتوقف. كان لا يزال موجودًا، يعمل، يحافظ على توازنه، وربما يراقب. وهنا، ظهرت الحقيقة الأخيرة. لم يكن وجودي خارج ذلك النظام صدفة، ولم يكن مجرد نتيجة للمحو، بل كان حالة غير محسوبة، حالة لا تنتمي بالكامل إلى الداخل ولا إلى الخارج. وهذا النوع من الحالات لا يمكن تجاهله، لأنه يحمل إمكانية، إمكانية أن يكون ثغرة، أو بداية لتغييرٍ لم يكن ممكنًا من قبل. هذا الإدراك لم يكن مجرد فكرة، بل كان بداية قرار. لم يعد الهدف استعادة ما فُقد، لأن ما فُقد لم يعد كما كان، ولم يعد الهدف العودة إلى الدور السابق، لأن ذلك الدور لم يعد ممكنًا. بل أصبح الهدف شيئًا آخر، شيئًا لم يكن موجودًا من قبل، وهو فهم حدود هذا النظام، ومعرفة إن كان من الممكن كسره، أو على الأقل كشف ما يحاول إخفاءه. لم يكن هذا القرار اندفاعًا، بل كان نتيجة لكل ما حدث، نتيجة لإدراك أن ما تم محوه لم يكن خطأً، بل كان محاولة لإيقاف شيءٍ لم يكن من المفترض أن يستمر، لكن ذلك الشيء… لم يتوقف. بل تغيّر. وأنا… كنت دليله. وهكذا، لم تكن النهاية عودة إلى ما كان، بل بداية لشيءٍ مختلف، شيءٍ لا يعتمد على الذاكرة فقط، بل على ما يبقى بعدها، على ما ينجو من المحو، وعلى ما يستطيع أن يعيد تعريف نفسه رغم كل ما فُرض عليه. وفي هذا المعنى، لم يعد الاسم مهمًا كما كان، لأن ما كنت أبحث عنه لم يكن مجرد كلمة، بل كان وجودًا، وجودًا لا يمكن محوه بالكامل، حتى لو اختفى اسمه. ولهذا… لم يعد ضياع الاسم هو القصة. بل ما يحدث بعده.