حين إختفى إسمي من الذاكرة - الفصل العاشر: النهاية - بقلم هديل بن عياد - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: حين إختفى إسمي من الذاكرة
المؤلف / الكاتب: هديل بن عياد
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: الفصل العاشر: النهاية

الفصل العاشر: النهاية

لم يعد ما تبقى مجرد محاولة لفهم ما حدث، بل أصبح اقترابًا حتميًا من النقطة التي بدأ منها كل شيء، النقطة التي لم تكن مجرد لحظةٍ في الماضي، بل كانت الحدّ الفاصل بين وجودين، بين ما كنت عليه وما أصبحت عليه الآن. كان كل ما استعدته من أجزاءٍ متفرقة يقود إلى تلك اللحظة تحديدًا، وكأن كل الطرق، مهما بدت متباعدة، كانت تنتهي عند نفس النقطة التي تم عندها اتخاذ القرار. لم تكن الذكريات التي بدأت تتشكل في هذه المرحلة مترددة أو ناقصة كما كانت من قبل، بل جاءت بثقلٍ كامل، بثقل الحقيقة التي لا تحتاج إلى إعادة بناء، بل تفرض نفسها كما هي، دون تشويه، ودون نقصان. كان ذلك التحول حاسمًا، لأنه أنهى مرحلة الشك، ووضعني أمام ما حدث فعلاً، دون أي مجال للهرب أو التفسير البديل. كان المكان نفسه، بنفس الثقل، بنفس الإحساس بأن كل شيءٍ فيه مضبوط بدقة، وكأن اللحظة لم تكن مجرد حدث، بل عملية محسوبة، عملية لم تترك مجالًا للخطأ. لكن هذه المرة، لم أكن أرى فقط، بل كنت أعيش الذكرى من الداخل، كأنني عدت إلى تلك اللحظة بكامل وعيي، ليس كمتفرجة، بل كجزءٍ أساسي منها. لم يكن هناك ارتباك في ذلك الماضي، بل كان هناك وضوح، وضوح في الهدف، وفي الإدراك بأن ما كنت أتعامل معه لم يكن مجرد معلومات، بل كان شيئًا أكبر، شيئًا له تأثير يتجاوز الأفراد، ويتجاوز اللحظة نفسها. كان واضحًا أنني لم أكن أتصرف بعشوائية، بل كنت أعمل ضمن فهمٍ كامل لما أقوم به، أو على الأقل ضمن قناعة بأن ما يحدث ضروري. ومع ذلك، لم يكن ذلك الوضوح كاملاً كما بدا، لأن هناك شيئًا بدأ يتسلل حتى في تلك اللحظة، شيء يشبه الشك، ليس في النظام، بل في النتيجة، كأنني وصلت إلى نقطةٍ لم يعد بالإمكان التقدم بعدها دون كسر القواعد التي كنت أعمل ضمنها. كان ذلك هو الحدّ الحقيقي، الحد الذي يفصل بين التنفيذ والطاعة، وبين الإدراك والتمرد. وهنا تحديدًا، حدث ما لم يكن من المفترض أن يحدث. لم يكن القرار خارجيًا بالكامل، ولم يكن مفروضًا عليّ بشكلٍ مباشر، بل كان نابعًا من تلك اللحظة التي أدركت فيها أن ما أفعله، أو ما أُطلب مني فعله، لن يقتصر على محو شيءٍ محدد، بل قد يؤدي إلى محوٍ أوسع، محوٍ لا يمكن التراجع عنه، محوٍ قد يشمل ما لا يجب أن يُمس. ذلك الإدراك لم يكن صاخبًا، لكنه كان كافيًا، كافيًا ليغير كل شيء. وفي تلك اللحظة، لم أعد مجرد أداة داخل النظام، بل أصبحت عنصرًا غير متوقع، عنصرًا خرج عن المسار المحدد، ولو للحظة واحدة فقط، لكنها كانت لحظة كافية لتُحدث خللًا في التوازن الذي بُني بعناية. ذلك الخلل لم يمر دون أثر. لم يكن رد الفعل فوريًا كما قد يُتوقع، بل كان دقيقًا، محسوبًا، وكأن النظام نفسه احتاج إلى لحظة ليعيد تقييم الوضع، ليحدد إن كان ما حدث مجرد انحراف بسيط، أم بداية شيءٍ أكبر. لكن ما كان واضحًا هو أن تلك اللحظة قد تم تسجيلها، وأنها لم تمر دون أن تُلاحظ. ومع هذا الإدراك، لم يعد هناك طريقٌ للعودة. لم يكن القرار الذي تلا ذلك مفاجئًا، بل كان نتيجة طبيعية لما حدث، نتيجة تتوافق مع طبيعة هذا النظام الذي لا يسمح بوجود عناصر غير قابلة للسيطرة. لم يكن الهدف العقاب، بل الاستعادة، استعادة التوازن بأي طريقةٍ ممكنة. وهنا… كنت أنا الهدف. لم يكن المحو عشوائيًا، ولم يكن كاملاً كما يبدو، بل كان عملية دقيقة تهدف إلى إزالة الجزء الذي خرج عن السيطرة، مع الإبقاء على ما يمكن أن يُستخدم لاحقًا. لم يكن الهدف إزالتي بالكامل، بل إعادة ضبط وجودي، تجريدي من الدور الذي كنت أؤديه، مع تركي في حالةٍ تسمح بالمراقبة أو ربما بإعادة الاستخدام. هذا التفسير لم يكن افتراضًا، بل كان حقيقة عشتها، حقيقة عادت الآن بكل تفاصيلها، دون نقص، ودون تشويه. ومع عودتها، لم يعد هناك فراغ. لم يعد هناك سؤال عن من أكون. كنت أعرف. لكن المعرفة لم تأتِ بالراحة، بل جاءت بثقلٍ أكبر، لأنها لم تُعدني إلى ما كنت عليه، بل كشفت ما أصبحت عليه. لم أعد جزءًا من النظام كما كنت، ولم أعد خارجه بالكامل، بل أصبحت شيئًا بين الاثنين، شيئًا لا يمكن تصنيفه بسهولة، ولا يمكن التنبؤ بدوره في ما سيأتي. لكن ما كان واضحًا، أكثر من أي شيءٍ آخر، هو أن ما حدث لم يكن نهاية. لأن المحو، مهما كان دقيقًا، لا يمكنه أن يُنهي ما بدأ بالفعل. وما بدأ… لم ينتهِ بعد.