حين إختفى إسمي من الذاكرة - الفصل التاسع: الحقيقة - بقلم هديل بن عياد - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: حين إختفى إسمي من الذاكرة
المؤلف / الكاتب: هديل بن عياد
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: الفصل التاسع: الحقيقة

الفصل التاسع: الحقيقة

لم يعد ما يتكشف مجرد احتمالٍ يمكن التعامل معه كفكرةٍ قابلة للتعديل، بل أصبح يقينًا يتشكل بثقلٍ لا يمكن تجاهله، يقينًا لا يأتي في صورةٍ واحدة واضحة، بل يتجمع تدريجيًا من أجزاءٍ متفرقة، حتى يصبح فجأةً حقيقة قائمة بذاتها، حقيقة لا تحتاج إلى إثبات بقدر ما تفرض نفسها كأمرٍ لا يمكن الهروب منه. كان هذا التحول هو ما جعل المرحلة الحالية مختلفة عن كل ما سبق، لأن ما يُستعاد لم يعد مجرد ماضٍ، بل أصبح تفسيرًا مباشرًا لما يحدث الآن. كانت الذكريات التي بدأت بالعودة أكثر ترابطًا، وأكثر جرأة في كشف ما كانت تخفيه، وكأن الحاجز الذي كان يمنعها من الظهور لم يعد قادرًا على الصمود أمام هذا التقدم المستمر. لم تعد الصور مشوشة كما كانت، بل أصبحت تحمل وضوحًا جزئيًا، لكنه كافٍ لربط الأحداث ببعضها، وكافٍ أيضًا لإظهار الدور الذي كنت أؤديه داخل تلك المنظومة التي لم تعد مجرد فكرة، بل أصبحت واقعًا لا يمكن إنكاره. في تلك المرحلة، لم يعد بالإمكان التمسك بفكرة الجهل، لأن ما بدأ يظهر كان يحمل معنى مباشرًا، معنى يشير بوضوح إلى أنني لم أكن مجرد جزءٍ صغير داخل ذلك النظام، بل كنت مرتبطة بوظيفة محددة، وظيفة تتعلق بالمحو نفسه، ليس كمفهومٍ نظري، بل كعملية يتم تنفيذها، كفعلٍ يُطبق، وكأنني لم أكن أراقب أو أتعلم فقط، بل كنت أشارك، أساهم، وربما أنفذ. هذا الإدراك لم يكن صادمًا بقدر ما كان حاسمًا، لأنه وضع حدًا لكل الاحتمالات السابقة، وأعاد تعريف كل ما حدث من البداية. لم يعد المحو شيئًا غامضًا وقع عليّ، بل أصبح شيئًا كنت على صلةٍ مباشرة به، وهذا ما جعل السؤال الجديد أكثر وضوحًا وخطورة، ليس فقط لماذا تم محوي، بل كيف تم ذلك، وما إذا كنت أمتلك دورًا في هذه العملية حتى لو لم أعد أتذكره. ومع استمرار تدفق هذه الذكريات، بدأت الصورة تتضح أكثر، إذ لم يعد الأمر يتعلق بمكانٍ واحد أو لحظةٍ محددة، بل بسلسلة من الأحداث التي كانت مترابطة، منظمة، وكأنها جزء من نظامٍ يعمل وفق قواعد دقيقة، نظام لا يترك مجالًا للعشوائية، ولا يسمح بوجود عناصر خارجة عن السيطرة. هذا النوع من التنظيم لا يمكن أن يوجد دون هدف، ولا يمكن أن يستمر دون آلية تحافظ عليه، وهنا تحديدًا بدأ يتضح دوري بشكلٍ أكثر دقة. لم أكن فقط جزءًا من هذا النظام، بل كنت مرتبطة بأحد أكثر أجزائه حساسية، الجزء الذي يتعامل مع المعلومات نفسها، مع الذاكرة، مع ما يجب أن يبقى وما يجب أن يُمحى. لم يكن هذا الفهم مبنيًا على ذكرى واحدة واضحة، بل على تداخل عدة أجزاء بدأت تشكل نمطًا لا يمكن تجاهله، نمط يشير إلى أنني كنت أتعامل مع هذا النوع من العمليات بشكلٍ مباشر، أو على الأقل كنت قريبة منها بما يكفي لفهمها. هذا الاكتشاف لم يكن مريحًا، لأنه يحمل في داخله احتمالًا مرعبًا، وهو أن ما حدث لي قد يكون نتيجة مباشرة لما كنت أفعله، أو لما كنت على وشك فعله، وكأنني لم أُمحَ بسبب ضعفٍ أو خطأ، بل بسبب اقترابٍ أكثر مما ينبغي من شيءٍ لم يكن مسموحًا الاقتراب منه. هذا الاحتمال لا يفسر فقط ما حدث، بل يضيف له بُعدًا جديدًا، بُعدًا يجعل كل شيءٍ أكثر تعقيدًا. ومع تعمق هذا الفهم، بدأت تتشكل فكرة أكثر وضوحًا، فكرة أن هذا النظام لا يعمل فقط على محو الذكريات، بل على إعادة تشكيلها، على التحكم في ما يمكن أن يُعرف وما يجب أن يُنسى، وهذا النوع من السيطرة لا يمكن أن يُمارس دون وجود من ينفذه، دون وجود من يفهمه ويطبقه. وهنا تحديدًا أصبح من الصعب تجاهل أنني كنت جزءًا من هذه العملية، ليس كضحية، بل كأداة. لكن هذا لا يعني أنني كنت أتحكم بكل شيء، بل ربما كنت جزءًا من سلسلة أكبر، جزءًا يؤدي وظيفة محددة دون أن يرى الصورة الكاملة، وهذا ما يجعل الوضع أكثر خطورة، لأن من يعمل داخل نظامٍ كهذا قد لا يدرك أبعاده الحقيقية، وقد يجد نفسه في النهاية جزءًا من شيءٍ لا يمكنه التحكم فيه. وهنا بدأ يظهر الإدراك الأكثر قسوة، وهو أن المحو الذي تعرضت له قد لا يكون عقابًا، بل ضرورة، ضرورة فرضها هذا النظام نفسه، سواء لحمايته أو لمنع شيءٍ معين من الاستمرار. هذا الإدراك لا يقدم راحة، لكنه يقدم تفسيرًا، تفسيرًا يجعل ما حدث أقل غموضًا، لكنه أكثر ثقلًا. ومع ذلك، ورغم كل هذا الوضوح، بقيت هناك فجوة، فجوة بين ما أعرفه الآن وما لا يزال مخفيًا، فجوة تحمل السؤال الأهم، وهو ماذا حدث بالضبط في اللحظة التي سبقت محوي، وما الذي جعل هذا القرار ضروريًا إلى هذا الحد. هذا السؤال لم يكن له جواب بعد، لكنه أصبح الهدف التالي، الهدف الذي لا بد من الوصول إليه مهما كان الثمن. وفي تلك اللحظة، لم يعد هناك شك في أن ما أعيشه ليس مجرد استعادة، بل كشف، كشف لحقيقةٍ كنت جزءًا منها، حقيقة لا تعيدني إلى ما كنت عليه، بل تضعني أمام ما كنت عليه بالفعل، بكل ما يحمله ذلك من تعقيد وثقل. وهكذا، لم يعد الطريق مجرد بحث عن اسمٍ ضائع، بل أصبح مواجهة مع نظامٍ كامل، ومع دورٍ كنت أؤديه داخله، دور بدأ يتكشف، لكنه لم يصل بعد إلى نهايته، لأن ما تبقى… هو الأهم.