الفصل السابع: اسمٌ ضائع
لم يعد ما يحدث داخلي مجرد اضطرابٍ في الإحساس أو ومضاتٍ غير مكتملة تعبر الوعي ثم تختفي دون أثر، بل بدأ يتحول إلى شيءٍ أكثر ثباتًا، أكثر قدرة على فرض نفسه، وكأن الحاجز الذي كان يفصلني عن الماضي لم يعد صلبًا كما كان، بل أصبح هشًا بما يكفي ليسمح بمرور أجزاءٍ أكبر، أجزاء لم تعد تكتفي بإثارة الشعور، بل بدأت تحمل ملامح، اتجاهات، وربما بداية معنى.
كان التحول تدريجيًا، لكنه واضح، إذ لم تعد الذكريات تأتي كإشاراتٍ منفصلة، بل بدأت ترتبط ببعضها بشكلٍ خافت، كأنها تحاول إعادة تكوين نفسها، لا كما كانت تمامًا، بل كما يمكن لها أن تعود بعد أن تم كسرها وإعادة ترتيبها. كان هذا الربط هو أول ما منحها وزنًا حقيقيًا، لأن الذاكرة، حين تكون مجزأة، يمكن تجاهلها، لكن حين تبدأ بالترابط، تصبح أقرب إلى الحقيقة، وأصعب في الإنكار.
في تلك المرحلة، لم أعد أحتاج إلى البحث في الخارج بنفس الطريقة التي كنت أفعلها سابقًا، لأن شيئًا ما بدأ يتحرك في الداخل، شيئًا يفرض حضوره دون أن يُطلب، وكأن ما كنت أبحث عنه في الأماكن لم يكن إلا انعكاسًا لما كان ينتظر في داخلي. هذا التغير لم يُلغِ أهمية ما حولي، لكنه أعاد ترتيب الأولويات، إذ لم يعد الخارج هو المصدر الوحيد للحقيقة، بل أصبح مجرد محفّز لما هو أعمق.
ومع هذا التحول، ظهرت أول ذكرى يمكن اعتبارها شبه مكتملة، لم تكن واضحة في تفاصيلها الدقيقة، لكنها كانت متماسكة بما يكفي لتُشعرني بأنها حقيقية، وليست مجرد تخيلٍ ناتج عن الفراغ. لم تأتِ هذه الذكرى بشكلٍ تدريجي، بل فرضت نفسها دفعةً واحدة، كأنها كانت تنتظر اللحظة المناسبة لتظهر، وكأن تجاوز مرحلةٍ معينة كان شرطًا لعودتها.
لم تكن الذكرى مشهدًا عاديًا يمكن المرور عليه بسهولة، بل كانت محملة بإحساسٍ ثقيل، إحساس بالترقب، وبالوعي بأن شيئًا مهمًا كان يحدث، أو على وشك أن يحدث. كان هناك مكان، ليس غريبًا بالكامل، لكنه ليس مألوفًا بشكلٍ مريح، مكان يحمل نفس الطابع الذي بدأت ألاحظه منذ دخولي ذلك الباب، نفس الثقل، نفس الإحساس بأن كل شيءٍ فيه مُرتب لسبب.
لكن ما جعل هذه الذكرى مختلفة لم يكن المكان، بل الإحساس الذي كنت أشعر به داخله، إحساس لا يشبه الضياع الذي أعيشه الآن، بل يشبه السيطرة، أو على الأقل الفهم، كأنني في تلك اللحظة لم أكن أبحث عن الحقيقة، بل كنت أعرف جزءًا منها، أو أقترب منها بإرادة واضحة. هذا التناقض بين ما كنت عليه في تلك الذكرى وما أنا عليه الآن كان صادمًا، لأنه كشف فجوةً أكبر مما كنت أتخيل، فجوة بين نسختين من نفسي، واحدة تملك شيئًا، وأخرى فقدته بالكامل.
ومع ذلك، لم تكن الذكرى كاملة، إذ إن بعض أجزائها بدت وكأنها مُشوّهة أو مقطوعة، كأن هناك جزءًا منها لا يزال مفقودًا، أو ربما تم إزالته بشكلٍ أعمق من البقية. هذا النقص لم يُلغِ قيمة ما عاد، لكنه جعلها غير مستقرة، كأنها حقيقة غير مكتملة، أو جزء من قصة لم يُسمح لها بأن تُروى بالكامل.
لكن أكثر ما كان يثير القلق لم يكن هذا النقص، بل الإحساس الغريب بأن ما تذكّرته لا ينتمي لي بالكامل، وكأنني لم أكن وحدي في تلك اللحظة، أو كأن ما أستعيده ليس مجرد تجربتي الخاصة، بل شيءٌ كنت جزءًا منه مع آخرين، أو ربما شيئًا كنت أتعامل معه كعنصرٍ ضمن نظامٍ أكبر. هذا الإحساس لم يكن واضحًا بما يكفي لتفسيره، لكنه كان قويًا بما يكفي ليجعلني أشك في طبيعة هذه الذكرى.
هذا الشك لم يكن مريحًا، لأنه يفتح احتمالًا جديدًا، احتمال أن ما أستعيده ليس فقط مشوهًا، بل قد يكون ناقصًا أو حتى مُعاد تشكيله بطريقةٍ معينة، مما يعني أن الحقيقة التي أقترب منها قد لا تكون كما كانت، بل كما سُمِح لها أن تكون. وهذا يضيف طبقةً أخرى من التعقيد، لأن البحث لم يعد فقط عن ما فُقد، بل عن ما تم تغييره أيضًا.
ومع ذلك، لم يكن بالإمكان التراجع، لأن هذه الذكرى، رغم كل ما فيها من غموض، كانت أول دليل حقيقي على أن الطريق الذي أسير فيه يقود إلى شيءٍ ملموس، شيءٍ يمكن الإمساك به ولو جزئيًا. كانت هذه البداية كافية لتغيير كل شيء، لأن الانتقال من الفراغ إلى وجود جزء من الحقيقة، مهما كان صغيرًا، هو تحول لا يمكن تجاهله.
ومع استمرار هذا التغير، بدأ يظهر إدراك جديد، إدراك بأن هذه الذكريات لن تعود دفعةً واحدة، ولن تعود بشكلٍ كامل، بل ستظهر على شكل مراحل، وكل مرحلة ستكشف جزءًا، لكنها في الوقت نفسه ستفتح أسئلة جديدة، وربما مخاطر جديدة. هذا الإدراك لم يكن مخيفًا بحد ذاته، لكنه كان يحمل تحذيرًا ضمنيًا، وهو أن الاقتراب من الحقيقة ليس طريقًا مستقيمًا، بل مسار معقد، قد يقود إلى أماكن غير متوقعة.
وهنا تحديدًا، أصبح واضحًا أن ما أعيشه لم يعد مجرد محاولة لاستعادة هوية، بل أصبح مواجهة مع بنية كاملة تم تفكيكها، ومع كل جزء يعود، تصبح الصورة أوضح، لكنها أيضًا تصبح أكثر صعوبة في التقبل، لأن ما يتم كشفه لا يعيدني إلى ما كنت عليه، بل يضعني أمام ما كنت عليه بالفعل.
وفي تلك اللحظة، لم يعد السؤال هو ماذا سأكتشف لاحقًا، بل هل سأكون قادرة على تقبل ما سأكتشفه، لأن الفرق بين المعرفة والقدرة على تحملها قد يكون أكبر مما يبدو، ولأن الحقيقة، مهما كانت، لا تعود أبدًا كما كانت قبل أن تُفقد.