حين إختفى إسمي من الذاكرة - الفصل السادس: أول شقّ في الصمت - بقلم هديل بن عياد - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: حين إختفى إسمي من الذاكرة
المؤلف / الكاتب: هديل بن عياد
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: الفصل السادس: أول شقّ في الصمت

الفصل السادس: أول شقّ في الصمت

لم يكن التحول الذي بدأ يتشكل بعد ذلك الإدراك العميق مجرد استمرارٍ طبيعي لما سبقه، بل كان بداية انقسامٍ داخلي لم أختبره من قبل، انقسامٍ لا يعتمد على صراعٍ واضح بين فكرتين، بل على تداخلٍ غريب بين ما أعيشه الآن وما يبدو أنه كان جزءًا مني في وقتٍ لم أعد أستطيع الوصول إليه. كان هذا التداخل خافتًا في البداية، يكاد لا يُلاحظ، لكنه مع مرور الوقت بدأ يفرض نفسه بشكلٍ تدريجي، كأن هناك طبقةً خفية من الوعي بدأت ترتفع إلى السطح، دون أن تكتمل، ودون أن تسمح لنفسها بأن تُفهم بشكلٍ مباشر. لم تكن هذه الطبقة تحمل ذكرياتٍ واضحة يمكن الإمساك بها، بل كانت تحمل ظلالها فقط، ظلالًا مشوهة لصورٍ لا تكتمل، وأحاسيس تأتي دون سببٍ ظاهر، لكنها تترك أثرًا عميقًا، وكأنها بقايا شيءٍ لم يُمحَ بالكامل، بل تم كسره إلى أجزاءٍ صغيرة يصعب إعادة تركيبها. كان هذا الإحساس هو أول شقّ حقيقي في ذلك الصمت الذي فرض نفسه منذ البداية، صمت لم يعد مطلقًا كما كان، بل بدأ يتصدع ببطء، كاشفًا عن شيءٍ لم يكن من المفترض أن يظهر بهذه السرعة. ومع هذا التغير، لم يعد إدراكي للأشياء ثابتًا كما كان، بل أصبح مزدوجًا بطريقةٍ غريبة، إذ كنت أرى الواقع كما هو، لكن في الوقت نفسه كنت أشعر بوجود طبقةٍ أخرى فوقه، طبقة لا تُرى، لكنها تُحس، وكأن كل مكانٍ أمرّ به يحمل وجهين، أحدهما واضح والآخر مخفي، أحدهما ينتمي للحاضر، والآخر مرتبط بشيءٍ لا يزال عالقًا في أعماقي دون أن أستطيع الوصول إليه بشكلٍ مباشر. هذا التداخل لم يكن مريحًا، لأنه جعل كل شيءٍ غير مستقر، وجعل الثقة في ما أراه أو أشعر به أمرًا صعبًا، لكن في المقابل، كان يحمل دلالة مهمة، وهي أن النسيان لم يعد مسيطرًا بشكلٍ كامل، وأن هناك شيئًا بدأ يعود، ليس كاسترجاعٍ مباشر، بل كاختراقٍ تدريجي لذلك الحاجز الذي فُرض على ذاكرتي. كان هذا الاختراق بطيئًا، لكنه واضح، وكأنه نتيجة حتمية للاقتراب من الحقيقة أكثر مما كان مسموحًا به. ومع تعمق هذا الإحساس، بدأت تظهر أولى ملامح الذكرى، ليس كصورةٍ مكتملة، بل كوميضٍ سريع، لا يستمر أكثر من لحظة، لكنه يترك أثرًا لا يمكن تجاهله. لم يكن هذا الوميض مرتبطًا بمشهدٍ واضح، بل كان أقرب إلى إحساسٍ بموقف، إحساسٍ بأنني كنت في مكانٍ مشابه، في وضعٍ يحمل نفس الثقل، نفس التوتر، وكأن ما أعيشه الآن ليس جديدًا بالكامل، بل تكرارٌ لشيءٍ حدث من قبل، أو ربما استمرارٌ له. هذا النوع من الاسترجاع لم يكن كافيًا لتقديم إجابات، لكنه كان كافيًا لتأكيد أن الطريق الذي أسير فيه ليس خاطئًا، وأن ما يحدث الآن ليس مجرد تخيلاتٍ ناتجة عن الفراغ، بل بداية حقيقية لعودة شيءٍ كان مخفيًا. ومع هذا التأكيد، تغيرت طبيعة التقدم، إذ لم يعد مجرد بحثٍ خارجي عن أدلة، بل أصبح أيضًا رحلة داخلية، محاولة لفهم ما يحدث في داخلي بقدر ما أحاول فهم ما يحدث حولي. لكن ما جعل هذا التحول أكثر تعقيدًا هو الإحساس المتزايد بأن هذه الذكريات، رغم كونها جزءًا مني، لا تبدو مألوفة بالشكل الذي يجب أن تكون عليه، وكأنني لا أستعيد نفسي كما كنت، بل أستعيد نسخةً مختلفة، نسخة تحمل نفس الجوهر لكنها ليست مطابقة له، وهذا ما جعل فكرة الاستعادة نفسها موضع شك، لأن ما سيعود قد لا يكون ما فُقد، بل شيءٌ آخر تشكل نتيجة هذا المحو. ومع ذلك، لم يكن بالإمكان التوقف، لأن هذا الشقّ، مهما كان صغيرًا، قد كسر حالة الجمود، وفتح الباب أمام احتمالاتٍ لم تكن موجودة من قبل، احتمالات تجعل كل خطوةٍ قادمة أكثر أهمية، لكنها أيضًا أكثر خطورة، لأن ما يتم كشفه الآن قد يقود إلى أشياء لم يكن من الممكن توقعها. وفي تلك المرحلة تحديدًا، بدأ يظهر إدراك جديد، إدراك بأن الذكريات لا تعود عشوائيًا، بل تعود وفق نمطٍ معين، وكأن هناك ترتيبًا خفيًا لعودتها، ترتيبًا لا يعتمد على الزمن، بل على القرب من الحقيقة، وكلما اقتربت أكثر، كلما زادت هذه الشقوق، وكلما أصبحت الصورة أوضح، لكنها أيضًا أكثر إزعاجًا. هذا الفهم جعلني أدرك أن ما يحدث ليس مجرد استرجاع، بل عملية معاكسة للمحو، عملية بطيئة لإعادة بناء ما تم تفكيكه، لكن هذه العملية لا تعيد كل شيء، بل تعيد ما يمكن تحمله فقط، وكأن هناك حدًا لما يمكن للعقل استيعابه دفعةً واحدة، وحدًا لما يمكن كشفه دون أن ينهار كل شيء. وهنا تحديدًا، بدأ يظهر أول خوفٍ حقيقي، ليس من المجهول، بل من المعروف الذي يقترب، لأن ما سيعود لن يكون مجرد تفاصيل بسيطة، بل سيكون جزءًا من حقيقةٍ أكبر، حقيقة قد تفسر كل شيء، لكنها في الوقت نفسه قد تفرض واقعًا جديدًا لا يمكن التراجع عنه. ومع ذلك، ورغم هذا الخوف، كان هناك شيءٌ آخر يتشكل، شيء يشبه القبول، ليس قبولًا بما حدث، بل قبولًا بضرورة المواجهة، لأن التراجع لم يعد ممكنًا، ولأن الطريق، مهما كان غامضًا، أصبح واضحًا في اتجاهه، حتى وإن لم يكن واضحًا في نهايته. وهكذا، لم يعد الصمت مطلقًا كما كان، ولم يعد الفراغ كاملاً، بل بدأ يتشقق، كاشفًا عن طبقةٍ أخرى من الحقيقة، طبقة لم تعد بعيدة كما كانت، بل أصبحت قريبة بما يكفي لتُشعرني بثقلها، دون أن تسمح لي بعد بفهمها بالكامل. وكان ذلك كافيًا لأدرك أن ما بدأ الآن لن يتوقف، وأن كل ما سيأتي بعده لن يكون كما كان قبله، لأن أول شقّ في الصمت… لا يُغلق أبدًا.