حين إختفى إسمي من الذاكرة - الفصل الخامس : الاسم الذي لم يعد لي - بقلم هديل بن عياد - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: حين إختفى إسمي من الذاكرة
المؤلف / الكاتب: هديل بن عياد
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: الفصل الخامس : الاسم الذي لم يعد لي

الفصل الخامس : الاسم الذي لم يعد لي

لم يكن ما بدأ يتكشف في تلك المرحلة مجرد تطورٍ طبيعي لمسار البحث، بل كان انزلاقاً تدريجياً نحو إدراكٍ أكثر قسوة، إدراكٍ لا يكتفي بإضافة إجاباتٍ جديدة، بل يعيد تشكيل الأسئلة نفسها بطريقةٍ تجعلها أكثر تعقيداً وأقل قابلية للاحتواء. كان الشعور الذي يتنامى داخلي لا يشبه الاكتشاف المفاجئ، بل يشبه استيقاظ شيءٍ قديم، شيء لم يُمحَ بالكامل كما كان يُفترض، بل بقي كامناً في عمقٍ يصعب الوصول إليه، ينتظر لحظةً معينة ليعود إلى السطح، ليس كذكرى واضحة، بل كإحساسٍ ثقيل يصعب تجاهله. كان من الواضح أن ما تم لم يكن فقداناً عادياً، ولم يكن حتى مجرد عملية محوٍ دقيقة للهوية، بل كان إعادة ترتيب كاملة لما يمكن معرفته، وكأن الحقيقة لم تُلغَ، بل أُعيد توزيعها بين الفراغ والآثار، بحيث يصبح الوصول إليها عملية معقدة تتطلب أكثر من مجرد استرجاع مباشر. هذا النوع من التلاعب لا يمكن أن يكون عشوائياً، ولا يمكن أن يُنفذ دون فهمٍ عميق لطبيعة الذاكرة وحدودها، وهو ما جعل الفكرة التي بدأت تتبلور أكثر وضوحاً، وهي أن ما حدث لم يكن موجهاً لإخفائي عن نفسي فقط، بل لإخفائي عن شيءٍ آخر، أو ربما لإخفاء ذلك الشيء عني. ومع تعمق هذا الإدراك، بدأت تتشكل صورة أكثر خطورة، صورة تشير إلى أنني لم أكن مجرد هدفٍ لعملية المحو، بل كنت جزءاً من بنيتها، جزءاً من النظام الذي جعل هذا النوع من الإخفاء ممكناً. لم تكن هذه الفكرة قائمة على دليلٍ واضح يمكن الإمساك به، بل على ترابطٍ داخلي بين كل ما رأيته وشعرت به، وكأن عقلي، رغم فقدانه للذاكرة، لا يزال يحتفظ بطريقة التفكير التي كانت جزءاً مني سابقاً، طريقة قادرة على التعرف على الأنماط حتى وإن غابت التفاصيل. هذا النوع من الإدراك لا يأتي بسهولة، لأنه يتطلب قبول احتمالٍ غير مريح، احتمال أن ما أبحث عنه ليس مجرد ماضٍ ضائع، بل ماضٍ قد أكون أنا فيه طرفاً فاعلاً، وربما سبباً في ما حدث لاحقاً. ومع هذا الاحتمال، لم يعد البحث بريئاً كما كان في البداية، بل أصبح مواجهة محتملة مع نسخةٍ سابقة من نفسي، نسخة قد لا تتوافق مع ما أود أن أكونه الآن، أو حتى مع ما أستطيع تقبله. ومع ذلك، لم يكن هذا التحول سلبياً بالكامل، لأنه رغم قسوته، منحني نوعاً من الاتجاه، إذ لم يعد كل شيء غامضاً بشكلٍ مطلق، بل أصبح هناك إطار يمكن من خلاله تفسير ما يحدث، حتى وإن كان هذا الإطار ناقصاً. كان من الواضح أن هناك نظاماً، وأن هذا النظام لا يعمل بشكلٍ عشوائي، وأن وجودي داخله، سواء كنت أعي ذلك أم لا، لم يكن صدفة، بل نتيجة لارتباطٍ ما لم ينقطع بالكامل رغم كل محاولات المحو. هذا الارتباط هو ما بدأ يظهر الآن، ليس على شكل ذكرى، بل على شكل قدرة، قدرة على ملاحظة ما لا يُلاحظ بسهولة، وعلى فهم ما لا يُقال بشكلٍ مباشر، وكأن ما تبقى مني ليس مجرد بقايا عشوائية، بل أجزاء محددة لم يكن بالإمكان إزالتها دون التأثير على البنية الكاملة لما كنت عليه. هذا النوع من البقاء ليس ضعفاً في عملية المحو، بل قد يكون جزءاً من تصميمها، وكأن من قام بها لم يرد إزالتي بالكامل، بل أراد إبقاء شيءٍ محدد، شيءٍ ضروري لمرحلةٍ لاحقة. وهنا تحديداً، بدأ يظهر الاحتمال الأكثر تعقيداً، وهو أن ما أعيشه الآن لم يكن نتيجة خطأ، بل نتيجة خطة، خطة لا تقتصر على الماضي، بل تمتد إلى الحاضر، وربما إلى ما هو قادم. هذا الاحتمال يغيّر طبيعة كل شيء، لأنه يعني أن البحث الذي أقوم به ليس مستقلاً، بل قد يكون جزءاً من مسارٍ تم تحديده مسبقاً، وأن كل خطوة أخطوها قد لا تكون نابعة من إرادتي بالكامل، بل من تأثيرٍ غير مرئي يوجهني نحو نقطةٍ معينة. هذا الإدراك لم يسلبني الرغبة في الاستمرار، لكنه جعلها أكثر حذراً، لأن الاقتراب من الحقيقة لم يعد مجرد هدف، بل أصبح مخاطرة، مخاطرة بالكشف عن شيءٍ قد يكون السبب في كل ما حدث، أو ربما السبب في استمرار هذا الوضع. ومع ذلك، لم يعد التراجع خياراً، لأن ما تم إدراكه، مهما كان جزئياً، يكفي لجعل الجهل عبئاً لا يمكن تحمله. ومع استمرار هذا التقدم، أصبح واضحاً أن الحقيقة لن تعود كما كانت، وأن استعادة الاسم، إن حدثت، لن تكون عودة بسيطة إلى ما قبل، بل ستكون بداية جديدة، بداية قائمة على فهمٍ مختلف، وعلى إدراكٍ بأن ما تم فقدانه لم يكن مجرد هوية، بل كان جزءاً من منظومة أكبر، منظومة لم أعد خارجها، حتى وإن كنت لا أزال أجهل حدودها. وهكذا، لم يعد السؤال هو كيف أستعيد ما فقدت، بل ماذا سأفعل عندما أستعيده، لأن الإجابة، مهما كانت، لن تعيدني إلى ما كنت عليه، بل ستجعلني شيئاً آخر، شيئاً تشكّل من الفراغ بقدر ما تشكّل من الحقيقة، شيئاً لا يمكنه أن يعود إلى الوراء، حتى لو أراد ذلك.