الفصل الثاني: آثار لا تعود لأحد
لم يكن الإحساس الذي بدأ يتشكل داخلي بعد خروجي إلى الشارع مجرد امتدادٍ لذلك الفراغ الذي استيقظت عليه، بل كان تحولاً بطيئاً نحو نوعٍ مختلف من الإدراك، إدراكٍ يجعلني ألاحظ الأشياء بطريقةٍ لم أكن لأفعلها لو كنت أملك حياتي كاملة، وكأن فقدان الذاكرة لم يسلبني فقط الماضي، بل منحني في المقابل رؤيةً حادة ومزعجة للحاضر، رؤية تكشف التفاصيل الصغيرة التي يمر بها الآخرون دون أن ينتبهوا إليها، لكنها بالنسبة لي كانت تحمل احتمالاتٍ لا نهائية من المعاني.
كان كل وجهٍ أمرّ به يبدو وكأنه يحمل قصة، لكن المشكلة لم تكن في الآخرين، بل في نفسي، لأنني كنت أبحث بشكلٍ غير واعٍ عن شيءٍ محدد بينهم، شيءٍ أعرفه دون أن أتذكره، وكأن هناك رابطاً خفياً بيني وبين هذا العالم لم ينقطع تماماً، بل أصبح ضعيفاً إلى درجة أنه لا يظهر إلا في شكل إحساسٍ غامض يصعب الإمساك به. كان هذا الشعور يتكرر كلما نظرت إلى شخصٍ معين أو إلى زاويةٍ محددة من المكان، ثم يختفي فجأة، تاركاً خلفه انطباعاً غير مكتمل، كأنني كنت على وشك تذكر شيءٍ مهم قبل أن يتلاشى.
ومع مرور الوقت، بدأت ألاحظ أن هذا الإحساس لا يظهر بشكلٍ عشوائي، بل يرتبط بأماكن معينة، أماكن تبدو عادية في ظاهرها، لكنها تثير داخلي نوعاً من الاضطراب غير المبرر، وكأنها تحمل أثراً من شيءٍ مررت به سابقاً، أو ربما من شيءٍ كان يجب أن أتذكره ولم أعد قادرة على ذلك. لم تكن هذه الأماكن مختلفة عن غيرها من الناحية الشكلية، لكنها كانت تفرض حضورها عليّ بطريقةٍ لا يمكن تجاهلها، كأنها تهمس بشيءٍ لا أستطيع سماعه بوضوح.
توقفتُ أمام أحد الشوارع الجانبية دون سببٍ واضح، لكن الشعور الذي اجتاحني هناك كان أقوى من كل ما سبقه، إذ بدا المكان مألوفاً إلى درجة مؤلمة، وكأنني عشت فيه لحظةً حاسمة في وقتٍ ما، لحظة تركت أثراً عميقاً لم يتمكن النسيان من محوه بالكامل، بل اكتفى بتشويهه وإخفاء تفاصيله. كان الوقوف هناك يشبه محاولة استعادة حلمٍ قديم، حيث تتبقى المشاعر بينما تختفي الصور، وحيث يبقى الإحساس بالحدث دون القدرة على استحضاره بشكلٍ كامل.
بدأتُ أسير ببطء داخل ذلك الشارع، أراقب الجدران، النوافذ، وحتى الأرض، وكأنني أتوقع أن أجد دليلاً مادياً يمكن أن يربطني بهذا المكان، لكن كل شيء بدا عادياً إلى حد الإحباط، ومع ذلك لم يتلاشَ ذلك الشعور، بل ازداد قوة، مما جعلني أدرك أن ما أبحث عنه ليس شيئاً يمكن رؤيته بسهولة، بل ربما شيئاً مرتبطاً بي أكثر مما هو مرتبط بالمكان نفسه.
وفي لحظةٍ غير متوقعة، شعرتُ بأن خطواتي لم تعد عشوائية، بل بدأت تتجه نحو نقطةٍ محددة دون وعيٍ كامل مني، كأن جسدي يعرف الطريق حتى لو كان عقلي عاجزاً عن تفسير ذلك، وكان هذا الإحساس مخيفاً بقدر ما كان مثيراً، لأنه يعني أن جزءاً مني لا يزال يحتفظ بشيءٍ من الماضي، جزءاً يعمل في الظل دون أن يسمح لي بالوصول إليه بشكلٍ مباشر.
توقفتُ أمام بابٍ قديم بدا مختلفاً عن بقية الأبواب، ليس بسبب شكله، بل بسبب الإحساس الذي أثاره داخلي، إحساسٍ ثقيل ومشحون، وكأن هذا المكان يحمل إجابة، أو على الأقل جزءاً من الإجابة التي أبحث عنها. لم يكن هناك ما يميز الباب من الخارج، ومع ذلك شعرتُ بأنه ليس مجرد باب، بل حدٌّ فاصل بين ما أعرفه وما أجهله، بين الفراغ الذي أعيشه الآن والحقيقة التي لا تزال مختبئة في مكانٍ ما.
لم يكن القرار بالدخول سهلاً، لأن الخوف لم يكن من المجهول فقط، بل من احتمال أن يكون ما سأجده أكثر مما أستطيع تحمله، لكن البقاء في نفس الدائرة لم يكن خياراً أيضاً، لأن الفراغ، مهما بدا آمناً في البداية، يتحول مع الوقت إلى عبءٍ لا يمكن احتماله. كان لا بد من خطوةٍ إلى الأمام، حتى لو كانت هذه الخطوة تقود إلى شيءٍ غير متوقع.
ومع ذلك، قبل أن أتحرك، ظهر ذلك الإحساس مجدداً، إحساس المراقبة، لكنه هذه المرة كان أوضح، أكثر حضوراً، كأنه لم يعد مجرد شعور داخلي، بل أصبح واقعاً غير مرئي يحيط بي من كل جانب، وكأن هناك من يتابع كل حركة، ليس بهدف التدخل، بل بهدف الانتظار، انتظار اللحظة التي أقترب فيها أكثر من الحقيقة.
هذا الإدراك غيّر كل شيء، لأنه أضاف بُعداً جديداً لما يحدث، بُعداً يجعل القصة أكبر من مجرد فقدان ذاكرة، وأعمق من مجرد رحلة للبحث عن هوية، إذ أصبح من الواضح أن هناك طرفاً آخر في هذه المعادلة، طرفاً يعرف ما لا أعرفه، ويرى ما لا أراه، وربما كان له دور في كل ما حدث منذ البداية.
لم يعد السؤال هو من أكون فقط، بل أصبح أيضاً من الذي يعرفني، ومن الذي اختار أن يجعلني أبدأ من هذا الفراغ، ولماذا تم تحديداً اختيار هذا الطريق لي، لأن الصدفة، مهما كانت قوية، لا يمكن أن تفسر هذا النوع من التفاصيل الدقيقة، ولا هذا الإحساس المستمر بأن كل خطوة تقود إلى شيءٍ مخطط له مسبقاً.
ومع هذه الأفكار التي بدأت تتراكم بشكلٍ متسارع، أدركت أن الوقوف لم يعد خياراً، وأن التردد لن يغير شيئاً، لأن الحقيقة، مهما كانت، لن تظهر من تلقاء نفسها، بل تحتاج إلى من يقترب منها، حتى لو كان ذلك يعني الدخول إلى أماكن لا يجب الدخول إليها، أو مواجهة أشياء لم يكن من المفترض مواجهتها.
وهكذا، لم يعد الباب مجرد باب، بل أصبح بداية فعلية لرحلةٍ مختلفة، رحلة لا تقتصر على استعادة اسمٍ مفقود، بل تمتد إلى كشف شبكةٍ كاملة من الأسرار التي يبدو أنها كانت جزءاً من حياتي، حتى وإن لم أعد أذكرها، لأن النسيان، مهما كان عميقاً، لا يمكنه أن يمحو الحقيقة بالكامل، بل يخفيها فقط في انتظار اللحظة التي تعود فيها للظهور.
وفي تلك اللحظة تحديداً، وبين الخوف والفضول، وبين الفراغ والإحساس الخافت بأن شيئاً ما يقترب من الانكشاف، بدأتُ أفهم أن ما أعيشه ليس مجرد بداية، بل هو منتصف قصةٍ بدأت منذ زمن، قصة تم انتزاعي منها، ثم إعادتي إليها دون تفسير، وكأنني قطعة مفقودة تم وضعها مجدداً في مكانها، دون أن يُسمح لها بمعرفة سبب غيابها.