الفصل الأول: الفراغ الذي لا يُسمّى
لم يكن الاستيقاظ في ذلك الصباح حدثاً عادياً يمكن إدراجه ضمن تفاصيل يومٍ آخر يتكرر بلا ملامح، بل كان أشبه بانفصالٍ مفاجئ بين الوعي وذاته، كأن العقل قد فُتح على عالمٍ ناقص المعالم، أو كأن صفحةً كاملة من كتاب الحياة قد مُزّقت دون أن تترك أثراً يدل عليها. كانت الغرفة التي فتحتُ عيني فيها مألوفة بشكلٍ يثير القلق أكثر مما يمنح الطمأنينة، إذ إن كل شيء فيها بدا وكأنه ينتمي إليّ، ومع ذلك لم أستطع أن أجد الرابط الحقيقي الذي يصلني به، وكأنني أقف داخل حياةٍ ليست لي ولكنها ترتدي وجهي وتتشبث بوجودي.
كان الإحساس الأول الذي تسلل إلى داخلي ليس الخوف، بل الفراغ، ذلك الفراغ الثقيل الذي لا يمكن وصفه بسهولة، لأنه لا يشبه الحزن ولا القلق ولا الضياع، بل هو مزيجٌ صامت من كل ذلك، يمتد في الأعماق دون حدود واضحة، ويجعل أبسط الحقائق تبدو بعيدة المنال. حاولتُ أن أستجمع أفكاري، أن أستدعي شيئاً بسيطاً يمكن أن يكون بداية لفهم ما يحدث، كاسمٍ أو ذكرى أو حتى شعورٍ مرتبط بماضٍ قريب، لكن كل محاولاتي اصطدمت بجدارٍ صلب لا يسمح لأي شيءٍ بالعبور، وكأن ذاكرتي قد أُغلقت بإحكام، أو كأنها قد أُفرغت عمداً من محتواها.
عندما وقفتُ أمام المرآة، لم يكن انعكاسي هو المشكلة، بل العلاقة بيني وبينه، إذ إن ملامحي كانت واضحة، تفاصيل وجهي لم تكن غريبة، لكن الإحساس بالانتماء إليها كان مفقوداً تماماً، وكأنني أنظر إلى شخصٍ أعرفه شكلاً ولا أعرفه جوهراً، شخصٍ يحمل ملامحي لكنه لا يحمل اسمي، وهنا تحديداً بدأ الإدراك الثقيل يتشكل ببطء، إدراك أنني لا أفتقد مجرد معلومات، بل أفتقد تعريفاً كاملاً لذاتي، شيئاً أساسياً لا يمكن لأي إنسان أن يعيش بدونه، ومع ذلك كنت أقف هناك دون أن أملكه.
لم يكن غياب الاسم مجرد نقصٍ لفظي يمكن تعويضه بسهولة، بل كان غياباً للهوية بأكملها، لأن الاسم ليس مجرد كلمة تُنادى بها، بل هو اختصار لكل ما كان وما يمكن أن يكون، وعندما يختفي، يصبح الإنسان كياناً معلقاً بين الوجود والعدم، حاضراً في الجسد وغائباً في المعنى. كان هذا الإدراك يتسلل ببطء، لكنه كان حاسماً، إذ جعل كل شيءٍ من حولي يبدو بلا قيمة حقيقية، وكأن العالم فقد قدرته على تعريف نفسه من خلالي، أو ربما فقدتُ أنا القدرة على تعريفه.
تحركتُ داخل المنزل ببطء، ألامس الأشياء، أنظر إليها، أحاول أن أستخرج منها أي أثر يمكن أن يدل عليّ، لكن كل شيء كان صامتاً بشكلٍ مريب، الصور الموجودة لم تكن كافية لإعادة بناء أي ذكرى، والأثاث لم يحمل أي إحساسٍ خاص، حتى التفاصيل الصغيرة التي عادةً ما تكون مليئة بالحياة بدت جامدة، وكأنها فقدت معناها بمجرد أن فقدتُ أنا ذاكرتي. كان هناك شعورٌ غامض بأن هذا الصمت ليس طبيعياً، وأن غياب الذكريات ليس حادثاً عشوائياً، بل نتيجة لشيءٍ أعمق، شيءٍ تم بعناية أو بقرارٍ ما.
ومع مرور الوقت، بدأ هذا الشعور يتحول إلى يقينٍ غير مريح، يقين بأن ما حدث لا يمكن أن يكون مجرد فقدان ذاكرة عادي، لأن الفراغ كان كاملاً أكثر مما ينبغي، منظماً بطريقةٍ توحي بأن كل شيء قد أُزيل بدقة، دون أن يُترك خلفه أي أثر يمكن تتبعه، وكأن هناك من تعمد أن يجعلني أبدأ من الصفر، أو من نقطةٍ أدنى حتى من الصفر، حيث لا وجود لأي مرجع يمكن العودة إليه.
عندما خرجتُ إلى الخارج، لم يكن الهدف واضحاً، لكن كان هناك دافع داخلي يدفعني للحركة، وكأن البقاء في نفس المكان يعني الاستسلام لهذا الفراغ، بينما التحرك قد يكشف شيئاً، أي شيء، يمكن أن يساعد في فهم ما يجري. الشارع كان حياً بشكلٍ طبيعي، الناس يمشون، السيارات تمر، الحياة مستمرة دون أن تتأثر بما يحدث داخلي، وهذا التناقض كان يزيد من الإحساس بالعزلة، لأن العالم بدا وكأنه مكتمل، بينما أنا وحدي كنت الجزء الناقص فيه.
كل خطوة كنت أخطوها كانت تحمل معها شعوراً غريباً، كأنني أتعلم المشي في هذا العالم من جديد، ليس من الناحية الجسدية، بل من الناحية الإدراكية، حيث إن كل شيء يحتاج إلى إعادة تفسير، وكل مشهد يتطلب محاولة فهم جديدة، وكأنني أعيش داخل نسخة مألوفة من الواقع لكنها فقدت مفاتيحها الأساسية.
ومع ذلك، وسط هذا الضياع، بدأ شعورٌ آخر يتشكل، شعور خافت لكنه مستمر، يوحي بأن هناك شيئاً غير مرئي يراقب، ليس بالمعنى المباشر، بل كإحساسٍ داخلي بأن ما يحدث ليس معزولاً عن سبب، وأن هذا الفراغ ليس نهاية، بل بداية لشيءٍ لم يتضح بعد، شيءٍ قد يكون مرتبطاً بي أكثر مما أستطيع إدراكه في هذه اللحظة.
هذا الإحساس لم يمنحني الطمأنينة، لكنه أعطاني سبباً للاستمرار، لأن الغموض، مهما كان مخيفاً، يبقى أفضل من العدم الكامل، ولأن وجود لغز يعني بالضرورة وجود حقيقة، حتى لو كانت بعيدة أو مخفية، وحتى لو كانت الإجابة التي تحملها أكثر قسوة مما يمكن احتماله.
وهكذا، لم يعد السؤال مجرد محاولة لمعرفة اسمٍ مفقود، بل أصبح محاولة لفهم وجودٍ كامل تم انتزاعه وإعادة تشكيله بطريقةٍ لا تزال مجهولة، ومع كل لحظة تمر، كان يتأكد داخلي أن ما حدث ليس مجرد فقدان، بل هو بداية قصة لم تُكتب بعد، قصة يكون فيها البحث عن الاسم هو الطريق لاكتشاف كل شيء آخر.