الفصل السادس
جلس جاسر في الظلام…
لكن هذه المرة،
لم تكن أمامه صورة.
ولا اسم واضح.
فقط… ملف.
فتحه ببطء.
فارغ.
إلا من سطر واحد:
“تجده… إن استطعت.”
لم يغضب.
لم يستغرب.
فقط… ركّز.
همس لنفسه:
“أي شيء يتحرك… يترك أثرًا.”
بدأ من الصفر.
لا هدف…
يعني لا وجود واضح.
لكن—
هناك دائمًا خيط.
تتبع التحويلات المالية.
أسماء وهمية… تتكرر.
شركات… لا وجود لها.
أرقام… تظهر وتختفي.
كلها تشير إلى شيء واحد:
شخص… لا يريد أن يُرى.
ثلاثة أيام…
ثم خمسة…
ثم سبعة.
لم يخرج جاسر.
لم ينم إلا قليلًا.
لم يشتت نفسه.
قانون الأسد…
ما زال قائمًا.
فريسة واحدة.
حتى لو كانت… شبحًا.
ثم—
وجد الخطأ.
تحويل صغير…
في توقيت متكرر.
مكان واحد.
مقهى قديم… في زاوية مهجورة.
في الليلة التالية…
كان هناك.
جلس في الظل.
يراقب.
لا يتحرك.
الناس يدخلون… ويخرجون.
وجوه عادية.
حياة عادية.
لكن—
واحد منهم… لم يكن كذلك.
رجل جلس وحده.
لم يطلب شيئًا.
لم ينظر حوله.
لكن—
كل من دخل المقهى…
نظر إليه… دون أن يشعر.
“هو…”
لم يقترب جاسر.
لم يتحرك.
فقط… راقب.
بعد ساعة…
نهض الرجل.
وغادر.
تبعه.
بهدوء.
بدون صوت.
بدون أثر.
الأزقة كانت ضيقة…
والظلام كثيف…
لكن الرجل لم يلتفت.
كأنه…
واثق أنه غير مرئي.
خطأ.
توقف الرجل فجأة.
في زقاق فارغ.
وقال بصوت هادئ:
“من يتبعني… يعرف أنني لست هدفًا سهلًا.”
خرج جاسر من الظل.
ببطء.
بدون خوف.
“لا يوجد هدف صعب…”
قالها ببرود،
“فقط هدف لم يُفهم بعد.”
صمت.
ثانية…
ثم—
تحرك.
لم يستخدم سلاحًا هذه المرة.
اقترب بسرعة خاطفة،
أمسك الرجل،
وأغلق فمه قبل أن ينطق.
حركة واحدة…
مدروسة.
قاتلة.
سقط الجسد.
بلا صوت.
نظر جاسر إليه للحظة.
لا تأكيد…
لا تردد.
فهو يعرف.
انتهى.
فتش جيوبه.
وجد جهازًا صغيرًا.
شاشة سوداء.
ثم—
أضاءت.
وظهر سطر واحد:
“أخيرًا… وجدتنا.”
توقف الزمن.
لثانية.
لكن جاسر…
أطفأ الجهاز.
ورماه.
واستدار.
وغادر.
في تلك الليلة…
لم يكن الصيد مجرد نجاح.
بل رسالة.
هناك من يختبئ…
لكن لا أحد يختبئ إلى الأبد.
أما جاسر…
فقد عاد كما هو.
باردًا.
ثابتًا.
لكنه الآن…
أخطر.
لأنه لم يعد يطارد ما يُرى فقط…
بل ما يُخفى.
🔥
🔥
في ليلةٍ حالكة…
كانت الأشجار ساكنة،
والريح تمرّ بصمت… كأنها تخشى أن تُسمع.
كان جاسر يتحرك فوقها،
من غصنٍ إلى آخر،
بخفةٍ لا تُرى…
كأنه جزء من الظلام نفسه.
ثم—
توقف.
عيناه التقطتا حركة غير طبيعية.
عند بيته…
ثلاثة أشخاص.
لم يكونوا عاديين.
وقفتهم ثابتة،
ملابسهم أنيقة،
وحركتهم محسوبة.
ليسوا لصوصًا…
ولا ضائعين.
اختفى جاسر بين الظلال،
ثم هبط بهدوء…
لكنه لم يتجه إلى الباب.
بل إلى المكان الذي لا يعرفه أحد.
الباب السري.
قطعة سيراميك في الأرض،
تبدو عادية…
لكنها لم تكن كذلك.
حركها ببطء،
ليظهر نفق ضيق…
مظلم… وصامت.
دخل.
وأغلقه خلفه.
هذا المكان…
كان سر والدته.
الممر الذي أخبرته عنه يومًا…
وقالت:
“إن دخل بيتك غريب…
لا تكن أنت الغريب.”
تحرك داخله بهدوء،
حتى وصل إلى فتحات صغيرة…
تُطل على كل غرف المنزل.
نظر.
ثلاثة رجال…
يجلسون في غرفته.
لم يلمسوا شيئًا.
لم يبعثروا المكان.
فقط…
ينتظرون.
“ليسوا لصوصًا…”
فكر بصمت.
اقترب أكثر من الفتحة.
ركّز.
استمع.
أحدهم قال بصوت منخفض:
“هل تعتقد أنه سيأتي؟”
رد الآخر بثقة باردة:
“سيأتي.”
صمت قصير…
ثم الثالث،
بصوت يحمل يقينًا غريبًا:
“وسيفعلها… دون شك.”
توقفت أنفاس جاسر لثانية.
ليس خوفًا…
بل حساب.
“يفعل ماذا؟”
لم يتحرك.
لم يندفع.
بل…
انتظر.
خمس دقائق كاملة…
كأنها خمس ساعات.
يراقبهم.
حركاتهم.
نظراتهم.
حتى صمتهم.
لم يكونوا قلقين.
لم ينظروا إلى الباب.
كأنهم…
يعرفون.
“إنهم لا ينتظرون دخولي…”
عيناه ضاقتا.
“بل ينتظرون… قراري.”
في تلك اللحظة…
أدرك جاسر شيئًا مهمًا:
هؤلاء…
لم يأتوا ليبحثوا عنه.
بل ليختبروه.
ابتعد ببطء عن الفتحة،
وعاد إلى عمق النفق.
جلس في الظلام…
وعيناه تلمعان.
“أنتم لا تعرفونني…”
همس.
ثم وقف.
لم يدخل عليهم.
ولم يهرب.
بل…
اختار.
أن يجعلهم…
ينتظرون أكثر.
🔥
🔥
حين تأكد جاسر…
أنهم ليسوا لصوصًا—
لم يتردد.
انسحب بهدوء من النفق،
أغلق الباب السري كما كان،
وعاد إلى الغابة…
كأنه لم يكن هناك أصلًا.
دار حول المنزل،
ثم دخل…
لكن هذه المرة من الباب الرئيسي.
خطواته كانت واضحة،
مقصودة.
هو لا يختبئ…
بل يختار متى يظهر.
فتح الباب.
ثلاثة رجال…
جلسوا كما هم.
لم يتحركوا.
لم يُفاجَؤوا.
كأنهم كانوا ينتظرون هذه اللحظة.
دخل جاسر بثبات،
عيناه جامدتان،
وجهه بلا تعبير.
“لدينا شخص لتقتله.”
قالها أحدهم مباشرة.
بدون مقدمات.
صمت.
“مقابل شيء كبير…”
أخرج الآخر حقيبة صغيرة،
فتحها قليلًا…
لمع بداخلها شيء أصفر ثقيل.
“خمسون كيلو من الذهب الصافي.”
لم تتغير ملامح جاسر.
لم يقترب.
لم يسأل.
“نستطيع قتله بأنفسنا…”
أكمل الثالث،
“لكن الانتخابات تقترب.”
اقترب قليلًا،
ونظر مباشرة في عيني جاسر:
“نحتاج… شخصًا لا يخطئ.”
صمت ثقيل ملأ الغرفة.
ثم قال ببرود:
“إياك أن تغلط.”
توقف لثانية… ثم أضاف:
“لأنك إن أخطأت…
لن تعيش طويلًا.”
كانت أول مرة…
يُحذَّر فيها جاسر.
لكن—
لا خوف.
لا غضب.
فقط…
هدوء.
مد يده،
وأخذ الملف.
بلا تردد.
بلا كلمة.
ثم قال:
“موافق.”
كلمة واحدة…
أنهت كل شيء.
وقف الرجال.
وغادروا.
كما جاؤوا…
بهدوء غريب.
عاد الصمت.
جلس جاسر وحده.
نظر إلى الملف في يده…
لبضع ثوانٍ.
ثم قال في داخله:
“هذا الأخير…”
“أقتل… وآخذ الذهب…”
“ثم أنتهي.”
فتح الملف.
صورة.
فتاة.
صغيرة…
في الثامنة عشرة.
عينان هادئتان…
لا تحملان أي تهديد.
صمت.
ثانية…
ثم أغلق الملف.
“لا يهم.”
قالها ببرود.
“الهدف… يُقتل.”
وقف.
أخذ سلاحه.
وفي عينيه—
لم يكن هناك شك.
ولا رحمة.
ولا حتى فضول.
فقط قرار.
لكن…
في مكانٍ ما بعيد…
كانت تلك الفتاة…
آخر شيء سيتوقعه.
وآخر شيء…
سيُغيّر كل شيء.