الفصل الخامس
لم يكن الظلام هذه المرة كافيًا للاختباء.
الأضواء كانت ساطعة،
والموسيقى تملأ المكان،
والوجوه تبتسم… كأنها لا تعرف الخوف.
وقف ضرغام أمام المرآة.
بدلة سوداء،
مظهر هادئ،
وعينان… خاليتان من أي تردد.
الليلة… لا يوجد مجال للخطأ.
دخل القصر بثقة صامتة،
يتحرك بين الحضور كأنه واحد منهم،
لا يلفت الانتباه… لكنه يرى كل شيء.
الحراس موزعون بعناية،
الكاميرات تغطي الزوايا،
وكل باب… محسوب.
لكنه كان قد سبقهم جميعًا.
درس المكان… حفظه…
وأعاد رسمه في عقله.
رآه.
الهدف.
يقف وسط مجموعة من رجال الأعمال،
يضحك بصوت مرتفع،
يرفع كأسه…
رجل يعتقد أن المال يحميه.
خطأ.
اقترب ضرغام ببطء،
يمسك كأسًا بيده،
وعينه على الهدف فقط.
المسافة تقل…
خطوة…
خطوتان…
ثم—
توقفت عينا الهدف عليه.
نظرة غريبة…
كأنها تعرفه.
ابتسم الرجل،
وقال بصوت منخفض:
“أنت… تشبه—”
لم يكمل.
في نفس اللحظة—
تحرك ضرغام.
بسرعة لا تُرى،
سحب أداة صغيرة مخفية في كُمّه…
وضغطها في عنق الهدف.
وخزة واحدة.
صامتة.
نظيفة.
قاتلة.
تجمد الرجل لثانية،
ابتسامته بقيت على وجهه…
لكن عينيه انطفأتا.
“كان يعمل—”
همس بصوت متقطع…
ثم سقط.
ضوضاء خفيفة بدأت تنتشر،
لكن لم يفهم أحد ما حدث فورًا.
البعض ظنها إغماءة.
البعض ضحك.
والبعض… لم ينتبه أصلًا.
أما ضرغام…
فقد كان قد ابتعد بالفعل.
خطواته هادئة،
تنفسه ثابت،
وعقله… فارغ من أي سؤال.
خرج من القصر كما دخل.
لا أحد أوقفه.
لا أحد شك به.
كأنه لم يكن هناك أصلًا.
في الخارج…
توقف للحظة.
أخرج قفازاته ببطء،
ورماها في الظلام.
ثم نظر إلى السماء…
وقال ببرود:
“هدف… انتهى.”
في مكان بعيد،
سقط التاجر على الأرض،
والابتسامة ما زالت على وجهه…
لكن كلماته الأخيرة…
اختفت معه.
أما ضرغام…
فلم يهتم.
لم يسأل.
لم يفكر.
فبالنسبة له—
الحقيقة الوحيدة هي:
“الهدف يُقتل… لا يُسمع.”
لم يعد القتل… مجرد نجاة.
أصبح… تجارة.
جلس جاسر في غرفته المظلمة،
الضوء الخافت ينعكس على وجهه،
وعلى الطاولة أمامه…
حقيبة.
فتحها ببطء.
رُزم من المال… مرتبة بعناية.
نظر إليها دون أي تعبير.
لا فرح… لا دهشة…
فقط صمت.
صوت الهاتف قطع السكون.
نظر إلى الشاشة.
رقم غير محفوظ.
أجاب.
“نعم.”
صوت بارد من الطرف الآخر:
“لدينا هدف جديد.”
صمت جاسر لثانية… ثم قال:
“السعر؟”
لم يعد يسأل: من؟ ولماذا؟
فقط… كم.
“المبلغ مضاعف هذه المرة،”
قال الصوت،
“لكن الهدف… ليس سهلًا.”
أغلق جاسر عينيه للحظة.
ثم رد بهدوء:
“لا يوجد هدف صعب…
هناك فقط سعر غير مناسب.”
ابتسامة خفيفة ظهرت على وجهه…
ليست سعادة…
بل اعتياد.
أنهى المكالمة،
وأخذ ورقة صغيرة من الحقيبة.
عنوان.
صورة.
تفاصيل.
نظر إلى الصورة…
رجل عادي.
ربما لديه عائلة.
ربما ينتظره أحد.
لكن في نظر جاسر—
مجرد هدف.
وقف ببطء،
أخذ سلاحه،
وتفحصه كأنه يحيي صديقًا قديمًا.
ثم قال بصوت منخفض:
“كل روح… لها ثمن.”
خرج إلى الليل.
خطواته ثابتة،
وعيناه تبحثان عن الفريسة القادمة.
في تلك اللحظة…
لم يعد هناك شك.
لم يعد هناك تردد.
لم يعد هناك ماضٍ يطارده.
فقط—
قاتل…
يتقاضى أجره مقابل إنهاء حياة الآخرين.
لكن…
في مكان ما بعيد…
كان هناك من يراقبه.
يعرفه.
وينتظر اللحظة المناسبة…
ليحوّل هذا “التاجر بالدم”
إلى… الهدف.
🔥
جلس جاسر في الظلام،
وأمامه صورة الهدف.
رجل واحد.
لا حراس ظاهرين،
لا ضجيج…
لا تعقيد.
مهمة كبيرة…
لكن بسيطة في جوهرها.
تذكّر كلمات والده:
“الأسد لا يصطاد في مجموعة…
ولا يطارد أكثر من فريسة…
إن ركض خلف اثنتين… عاد جائعًا.”
أغلق عينيه.
لم يفكر في المال.
لم يفكر في الصعوبة.
فقط… الهدف.
فتح عينيه ببطء.
“واحد فقط…” همس.
بدأ التخطيط.
لم يهتم بالحراس حول المكان،
ولا بالناس،
ولا بأي شيء قد يشتته.
كل تركيزه كان على نقطة واحدة:
أين سيكون الهدف… ومتى يكون وحده.
ثلاثة أيام من المراقبة.
لم يقترب.
لم يتحرك.
فقط… شاهد.
تعلم عاداته…
خطواته…
الأوقات التي يختفي فيها عن الجميع.
حتى وجد اللحظة.
منتصف الليل.
خرج الهدف وحده.
بدون حراسة.
بدون ضجيج.
خطأ قاتل.
كان المكان هادئًا،
شارع شبه فارغ،
والظلال كثيفة.
وهناك—
كان جاسر.
لم يركض.
لم يتسرع.
تحرك بثبات…
كأن الأرض تعرف خطواته.
اقترب.
مسافة قصيرة…
كافية.
رفع سلاحه.
لم ينظر حوله.
لم يفكر.
لم يتردد.
طلقة واحدة.
صامتة.
دقيقة.
سقط الهدف فورًا.
بدون صراخ…
بدون مقاومة.
نهاية نظيفة.
وقف جاسر لثانية.
لا ليتأكد…
بل لأن الأمر انتهى بالفعل.
ثم استدار.
وغادر.
كما يفعل الأسد…
بعد أن يحسم الصيد.
في طريق عودته،
لم ينظر خلفه.
لم يفكر في من كان الهدف…
ولا لماذا.
فهو لا يصطاد إلا لسبب واحد:
“لأن هذه هي طبيعته الآن.”
عند وصوله…
وضع السلاح جانبًا،
وجلس بهدوء.
وصلت رسالة قصيرة:
“تم التحويل.”
نظر إليها…
ثم أغلق الهاتف.
لا ابتسامة.
لا شعور.
فقط صمت.
لكن في داخله…
كان هناك شيء يترسخ أكثر:
ليس مجرد قاتل…
بل أسد.
لا يهاجم إلا حين يقرر…
ولا يخطئ حين يهاجم.
🔥