الفصل التاسع: الحد الذي لا يُتجاوز
لم يكن ما وصلت إليه ليان مجرد مرحلة متقدمة من الفهم، بل كان اقترابًا خطيرًا من منطقة لم تُصمم لكي تُدرك، منطقة تتغير فيها القوانين التي اعتادت عليها، ليس فقط قوانين الواقع الخارجي، بل حتى قوانين التفكير ذاته، وكأنها لم تعد تتحرك داخل عالم ثابت، بل داخل طبقة متحركة من الإدراك، طبقة تعيد تشكيل نفسها كلما اقتربت أكثر من مركزها، وهذا ما جعل كل خطوة تتخذها نحو الفهم تبدو وكأنها تقودها إلى شيء أعمق، لكن في الوقت نفسه، أكثر غموضًا وأكثر مقاومة.
لم يعد الشعور بوجود حدود غير مرئية مجرد إحساس غامض، بل أصبح واضحًا، محددًا بطريقة لا يمكن إنكارها، وكأن هناك خطًا غير مرسوم يفصل بين ما يمكن معرفته وما يجب أن يبقى مخفيًا، وكلما اقتربت من هذا الخط، بدأت تشعر بتغير داخلي لا يمكن تفسيره بسهولة، تغير لا يظهر في شكل خوف مباشر، بل في اضطراب عميق، كأن عقلها نفسه يبدأ في مقاومة ما تحاول فعله، وكأن هناك جزءًا منها يُجبر على التراجع دون أن تفهم السبب.
هذا التناقض كان مرهقًا بشكل لم تعهده من قبل، لأن الرغبة في الاستمرار لم تختفِ، بل على العكس، أصبحت أقوى، لكن في الوقت نفسه، كانت تشعر بثقل يمنعها من التقدم بحرية، وكأنها تسير في اتجاه معاكس لقوة غير مرئية، قوة لا تدفعها للخلف بشكل مباشر، بل تُبطئها، تُربك أفكارها، وتجعل كل محاولة للفهم أكثر صعوبة من سابقتها.
ومع مرور الوقت، بدأت تدرك أن هذا ليس مجرد تأثير نفسي، بل نظام قائم بذاته، نظام يفرض حدودًا على الإدراك، حدودًا لا تُرى، لكنها تُحس بدقة، وكأن هناك مستوى معينًا من الحقيقة لا يُسمح بالوصول إليه، ليس لأن الوصول مستحيل، بل لأن تجاوزه يُحدث خللًا، خللًا لا يمكن احتواؤه بسهولة.
هذا الإدراك لم يكن مريحًا، لأنه يعني أن كل ما تعيشه ليس مجرد لغز يمكن حله، بل بنية معقدة تحمي نفسها، تحمي شيئًا في داخلها، شيئًا لا يجب أن يُكشف، أو على الأقل ليس في هذه المرحلة، ومع هذا الفهم، بدأت تشعر بأنها لم تعد مجرد مراقبة لما يحدث، بل أصبحت طرفًا في صراع غير مباشر، صراع بين الرغبة في المعرفة والقوة التي تحاول منعها.
بدأت تلاحظ أن كل محاولة منها للتركيز العميق على الأحداث تؤدي إلى نتائج غير متوقعة، ليس فقط على مستوى التفكير، بل على مستوى الإدراك الحسي أيضًا، وكأن الواقع نفسه يبدأ في التغير عندما تقترب من فهمه، وكأن الأشياء التي كانت تبدو ثابتة تبدأ في فقدان تماسكها، ليس بشكل واضح للجميع، بل بطريقة داخلية، كأنها وحدها من يشعر بهذا التغير.
في بعض اللحظات، كانت تشعر وكأن الزمن لا يسير بنفس الوتيرة، وكأن هناك فجوات صغيرة بين اللحظات، فجوات لا يمكن رؤيتها لكنها تُحس، وكأن الأحداث لا تتصل ببعضها بشكل كامل، بل هناك أجزاء مفقودة، أجزاء لا تُعرض، وكأنها تُحذف قبل أن تصل إلى وعيها، وهذا ما جعلها تدرك أن ما يحدث ليس فقط إخفاءً للحقيقة، بل إعادة تشكيل لها، إعادة ترتيب تجعل الصورة الكاملة غير متاحة.
ومع هذا الإدراك، بدأت تتساءل إن كانت هذه الحدود موجودة لحمايتها، أم لحماية شيء آخر منها، لأن الفرق بين الاثنين لم يعد واضحًا، فإذا كانت الحقيقة خطيرة إلى هذا الحد، فهل منعها من الوصول إليها هو نوع من الحماية، أم أن هذا المنع هو جزء من السيطرة، جزء من نظام لا يريد أن يُكشف؟
هذا السؤال لم يكن بسيطًا، لأنه وضعها أمام احتمالين كلاهما مخيف، إما أن الحقيقة نفسها غير قابلة للتحمل، أو أن ما يُخفى عنها هو ما يجب أن تعرفه، وفي كلتا الحالتين، لم يعد بإمكانها التراجع، لأن إدراكها لما يحدث قد تجاوز النقطة التي يمكن عندها تجاهل الأمر.
ومع استمرارها في التفكير، بدأت تشعر أن تلك الحدود لم تعد مجرد خطوط بعيدة، بل أصبحت قريبة جدًا، قريبة لدرجة أنها تكاد تلمسها، وكأنها تقف الآن عند حافة شيء لا يمكن تجاوزه بسهولة، حافة تفصل بين ما تعرفه الآن، وما سيغير كل شيء إذا تم كشفه.
وفي تلك اللحظة، أدركت أن التقدم لم يعد مسألة وقت فقط…
بل مسألة ثمن.