الفصل الثامن: الحقيقة المشوهة
لم يكن ما حدث في ذلك الممر مجرد لحظة عابرة يمكن تجاوزها مع مرور الوقت، بل كان نقطة فاصلة أعادت تشكيل إدراك ليان بالكامل، بحيث لم يعد بإمكانها النظر إلى أي شيء بنفس الطريقة التي اعتادت عليها، فقد أصبحت الحقيقة بالنسبة لها شيئًا غير مستقر، شيئًا يتغير، يتشكل، وربما يُعاد كتابته دون أن يلاحظ أحد، وهذا الإدراك لم يمنحها وضوحًا كما توقعت، بل زاد الأمور تعقيدًا، لأنها لم تعد تعرف ما يمكن الوثوق به، وما الذي يمكن اعتباره ثابتًا في عالم بدأ يفقد ثباته تدريجيًا.
منذ تلك اللحظة، لم تعد ذاكرتها كما كانت، لم تعد سلسلة متماسكة من الأحداث يمكن الرجوع إليها بسهولة، بل أصبحت مليئة بفجوات صغيرة، فراغات غير مفسرة، لحظات لا تستطيع تذكرها بالكامل، وكأن هناك أجزاء من وقتها يتم سحبها بصمت، دون أن تشعر بذلك أثناء حدوثه، لكن أثره يظهر لاحقًا، كإحساس بالنقص، إحساس بأن شيئًا ما مفقود، رغم عدم القدرة على تحديده بدقة.
هذا التغير جعلها تشك في كل ما يحيط بها، ليس فقط في الواقع الخارجي، بل في داخلها أيضًا، في أفكارها، في مشاعرها، وحتى في قراراتها، وكأنها لم تعد متأكدة إن كانت هي من يختار، أم أن هناك شيئًا آخر يوجهها من خلف الستار، وهذا الشك لم يكن مريحًا، بل كان مرهقًا، لأنه جعل كل شيء يبدو غير مؤكد، وكل لحظة تحمل احتمال أن تكون غير حقيقية بالكامل.
ومع مرور الوقت، بدأت تلاحظ أن هذا التشوه في الحقيقة لا يحدث بشكل عشوائي، بل وفق نمط معين، نمط يرتبط بلحظات محددة، لحظات يكون فيها إحساسها بذلك الوجود أقوى، وكأن هناك علاقة مباشرة بين ظهور ذلك الشيء وبين اختلال إدراكها، وكأن مجرد اقترابه كافٍ لتغيير الطريقة التي ترى بها العالم، أو حتى الطريقة التي يتشكل بها العالم من حولها.
لم يكن هذا الإدراك سهل القبول، لأنه يعني أن ما تواجهه ليس مجرد كيان يراقبها، بل شيء قادر على التأثير في الواقع نفسه، أو على الأقل في إدراكها له، وهذا ما جعلها تدرك أن المشكلة ليست في فهم ما يحدث فقط، بل في القدرة على التمييز بين ما هو حقيقي وما هو مُعدّل، بين ما حدث فعلاً وما تم تغييره بعد حدوثه.
ومع هذا التفكير، بدأت مرحلة جديدة، مرحلة البحث عن شيء ثابت، شيء لا يمكن تغييره مهما حدث، شيء يمكنها الاعتماد عليه لتبني عليه فهمها، لكنها سرعان ما أدركت أن هذا الشيء قد لا يكون موجودًا أصلًا، أو أنه مخفي بطريقة تجعل الوصول إليه شبه مستحيل، وكأن كل ما حولها مصمم ليبقى غير مكتمل، غير واضح، غير قابل للفهم الكامل.
وفي تلك الليلة، عندما جلست وحدها، لم تكن تفكر في ما حدث فقط، بل في ما يعنيه، في العواقب التي قد تترتب عليه، لأن إدراكها لهذا التلاعب لم يكن نهاية الطريق، بل بدا وكأنه بداية لفهم أعمق، فهم يقود إلى شيء أكبر، شيء لم يظهر بعد، لكنه يقترب تدريجيًا، ومع كل لحظة كانت تشعر أن المسافة بينها وبينه تقل، وأن المواجهة الحقيقية لم تحدث بعد… لكنها قريبة.