حين إختفت الحقيقة - الفصل الرابع: الانكسار الأول - بقلم هديل بن عياد - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: حين إختفت الحقيقة
المؤلف / الكاتب: هديل بن عياد
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: الفصل الرابع: الانكسار الأول

الفصل الرابع: الانكسار الأول

لم يكن ذلك اليوم امتدادًا لما سبقه فقط، بل كان نقطة تحول خفية لم تدركها ليان في بدايته، لكنها شعرت بثقلها منذ اللحظات الأولى، وكأن شيئًا في داخلها كان يتهيأ لصدمة قريبة، صدمة لن تمر كما مرت الأحداث السابقة، بل ستترك أثرًا لا يمكن تجاهله أو تجاوزه بسهولة. استيقظت وهي تحمل ذلك الإحساس الثقيل ذاته، لكنه هذه المرة كان أوضح، أكثر تحديدًا، وكأنه لم يعد مجرد شعور مبهم بل إنذار حقيقي، ومع ذلك حاولت أن تمضي يومها بشكل طبيعي، رغم أن كل شيء داخلها كان يقول إن هذا اليوم لن يكون عاديًا. عندما خرجت من المنزل، بدا العالم كما لو أنه عاد إلى طبيعته الظاهرية، حركة الناس، أصوات الشارع، وحتى الضوء الذي ملأ المكان، كل ذلك أعطاها لحظة قصيرة من الاطمئنان الزائف، لكنها لم تستطع التمسك بهذا الإحساس طويلًا، فقد كان هشًا، يختفي بسرعة مع أول لحظة تركيز، وكأن ما يحدث في العمق أقوى من أن يغطيه هذا الهدوء السطحي. في المدرسة، لم يكن الأمر مختلفًا كثيرًا في البداية، لكن مع مرور الوقت بدأت تشعر بأن هناك تغيرًا أكثر وضوحًا من الأيام السابقة، لم يعد مجرد نظرات عابرة أو إحساس بالمراقبة، بل أصبح الأمر أقرب إلى حضور فعلي لشيء غير مفهوم، حضور لا يمكن رؤيته بشكل مباشر، لكنه يؤثر في كل شيء، في الحركة، في الصمت، وحتى في الإحساس بالزمن، الذي بدا وكأنه يتباطأ في لحظات معينة دون سبب واضح. ومع هذا الإحساس المتزايد، بدأت تلاحظ شيئًا آخر، شيئًا أكثر إثارة للقلق، وهو أن بعض التلاميذ لم يعودوا يتصرفون بشكل طبيعي، ليس بطريقة واضحة أو صريحة، بل بتفاصيل صغيرة يصعب ملاحظتها لمن لا ينتبه، مثل تكرار نفس الحركات، أو لحظات التوقف المفاجئ، أو حتى تلك النظرات التي لم تعد تُسحب بسرعة كما كانت، بل أصبحت تستمر لثوانٍ أطول، وكأنها مقصودة، وكأن هناك رسالة غير معلنة تُرسل من خلالها. ومع كل ذلك، كانت تحاول أن تبقى متماسكة، أن تقنع نفسها بأن ما تراه لا يعني بالضرورة وجود خطر حقيقي، لكن هذا التماسك بدأ يتصدع تدريجيًا، خاصة عندما بدأت تشعر أن الأمر لم يعد محصورًا في الإحساس فقط، بل بدأ يترك أثرًا ملموسًا، أثرًا لا يمكن إنكاره أو تفسيره بسهولة. عند نهاية الدوام، خرجت من المدرسة وهي تحمل ذلك الشعور المتزايد بالضغط، وكأن شيئًا ما يقترب من لحظة الانفجار، وأثناء سيرها في الطريق لم يكن إحساس المراقبة هو الشيء الوحيد الذي يرافقها، بل كان هناك شعور آخر، شعور بأن هناك شيئًا سيحدث في أي لحظة، شيئًا سيغير مجرى كل ما تمر به، ولم يكن هذا الشعور مجرد توقع، بل كان أقرب إلى يقين داخلي لا يمكن تجاهله. ومع كل خطوة كانت تتخذها، كان التوتر داخلها يزداد، حتى وصلت إلى لحظة شعرت فيها بأن كل شيء حولها أصبح أبطأ، وكأن الزمن توقف للحظة قصيرة، لحظة كانت كافية لتجعلها تدرك أن هناك شيئًا غير طبيعي يحدث، وقبل أن تتمكن من فهم ما يجري، وقع الحدث الذي لم تكن مستعدة له. اختفى ذلك الإحساس المفاجئ بالاستقرار، وحل مكانه شعور بالفراغ، فراغ لم يكن في المكان، بل في الإدراك نفسه، وكأن جزءًا من الواقع قد انزلق بعيدًا دون سابق إنذار، وعندما حاولت استيعاب ما حدث، أدركت أن هناك شيئًا مفقودًا، شيئًا كان موجودًا قبل لحظات ثم اختفى، دون أثر، دون تفسير، ودون أي علامة تدل على ما حدث. لم يكن الأمر مجرد ضياع شيء مادي، بل كان أعمق من ذلك، فقد شعرت وكأن جزءًا من تسلسل الأحداث قد تم محوه، وكأن هناك فجوة في الزمن لا تستطيع تذكر ما كان فيها، وهذا ما جعل الأمر أكثر رعبًا، لأن ما اختفى لم يكن شيئًا يمكن استرجاعه بسهولة، بل كان لحظة كاملة، لحظة لا تعرف ماذا حدث فيها، لكنها تشعر أن ما حدث خلالها كان مهمًا بشكل كبير. وقفت في مكانها تحاول استرجاع ما فاتها، لكن كل محاولة كانت تنتهي بالفراغ نفسه، وكأن عقلها يرفض الوصول إلى تلك اللحظة، أو ربما لا يستطيع، ومع هذا العجز بدأ الخوف الحقيقي يظهر، ليس الخوف من شيء تراه، بل من شيء لا يمكن رؤيته أو فهمه، شيء قادر على تغيير الواقع نفسه دون أن يترك أثرًا واضحًا. وعندما عادت إلى المنزل، لم تكن كما خرجت منه، فقد تغير شيء في داخلها، شيء جعلها تدرك أن ما تمر به لم يعد مجرد غموض يمكن حله بسهولة، بل أصبح خطرًا حقيقيًا، خطرًا يتجاوز الفهم البسيط، ويتطلب مواجهة لا تعرف كيف ستبدأها، ولا كيف ستنتهي. جلست في غرفتها، تحاول أن تعيد ترتيب أفكارها، لكنها أدركت أن المشكلة لم تعد في فهم ما يحدث، بل في إدراك حجمه، حجم الشيء الذي تواجهه، والذي بدأ يظهر بشكل أكثر وضوحًا، ليس من خلال تفاصيل صغيرة، بل من خلال حدث كبير لا يمكن إنكاره. ومع هذا الإدراك، بدأت فكرة مخيفة تتشكل في ذهنها، فكرة أن ما يحدث ليس فقط مراقبة أو تلاعبًا بسيطًا، بل شيء أعمق بكثير، شيء قادر على التحكم في الإدراك نفسه، في الذاكرة، وربما في الواقع، ولم تكن تعرف من يقف وراء ذلك، أو لماذا، لكنها أصبحت متأكدة من شيء واحد فقط، وهو أن ما حدث في تلك اللحظة التي لا تتذكرها… لم يكن صدفة. وفي تلك الليلة، عندما عادت إلى فراشها، لم تحاول النوم كما في الليالي السابقة، لأنها أدركت أن النوم لن يغير شيئًا، بل ربما يزيد الأمور تعقيدًا، فقد أصبحت تعرف أن ما تواجهه لا يتوقف عند حدود الوعي، بل يمتد إلى ما هو أعمق، إلى مكان لا تستطيع السيطرة عليه. ومع هذا الإدراك، بدأت مرحلة جديدة، مرحلة لم تعد فيها مجرد مراقِبة لما يحدث، بل أصبحت جزءًا منه بشكل كامل، جزءًا من لعبة لم تفهم قواعدها بعد، لكنها تعلم جيدًا أنها بدأت بالفعل… ولن تتوقف.