حين إختفت الحقيقة - الفصل الثاني: الظلال التي تقترب - بقلم هديل بن عياد - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: حين إختفت الحقيقة
المؤلف / الكاتب: هديل بن عياد
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: الفصل الثاني: الظلال التي تقترب

الفصل الثاني: الظلال التي تقترب

لم تستيقظ ليان في ذلك الصباح كما اعتادت أن تفعل في الأيام العادية، بل فتحت عينيها وكأنها لم تنم أصلًا، وكأن الليل لم ينتهِ بل استمر داخلها حتى بعد ظهور الضوء، فالإرهاق الذي شعرت به لم يكن جسديًا فقط، بل كان أعمق من ذلك، كأن عقلها ظل يعمل طوال الليل دون توقف، يعيد ترتيب تلك اللحظات الغريبة ويحاول فهمها دون أن يصل إلى نتيجة واضحة، ومع ذلك لم تستطع تجاهل أن شيئًا ما قد تغير، ليس في العالم من حولها فقط، بل في داخلها أيضًا، وكأنها أصبحت أكثر انتباهًا لكل تفصيل صغير، وأكثر حساسية لأي حركة أو صوت. تحركت ببطء داخل غرفتها، وكل شيء بدا كما هو، الأثاث في مكانه، الضوء يتسلل من النافذة، والأصوات العادية التي تدل على بداية يوم جديد، ومع ذلك لم تستطع التخلص من ذلك الشعور الغريب الذي لازمها منذ الليلة الماضية، شعور بأن هناك شيئًا غير طبيعي يحدث خلف هذا الهدوء الظاهري، وكأن الواقع الذي تراه ليس سوى طبقة سطحية تخفي ما هو أعمق وأكثر تعقيدًا، وكلما حاولت إقناع نفسها بأن الأمر مجرد توهم، عاد ذلك الإحساس ليظهر بقوة أكبر، وكأنه يرفض أن يتم تجاهله. عندما خرجت إلى الشارع في طريقها إلى المدرسة، لاحظت تفاصيل لم تكن تنتبه لها من قبل، مثل نظرات بعض المارة التي بدت أطول من المعتاد، أو الصمت المفاجئ الذي يحدث أحيانًا دون سبب واضح، وحتى الأصوات اليومية التي كانت مألوفة أصبحت تحمل نبرة مختلفة، وكأن العالم من حولها بدأ يتغير بطريقة لا يمكن تفسيرها بسهولة، ولم تكن تعرف إن كان هذا التغير حقيقيًا أم أنه مجرد انعكاس لما يحدث داخلها، لكن الإحساس بعدم الارتياح كان واضحًا ولا يمكن إنكاره. وصلت إلى المدرسة وهي تحمل ذلك الثقل الداخلي، وحاولت أن تتصرف بشكل طبيعي حتى لا تثير انتباه أحد، لكن تركيزها كان مشتتًا بشكل واضح، فكلما جلست في مكانها شعرت وكأن هناك من يراقبها، ليس بنظرة عادية عابرة، بل بنظرة ثابتة تحمل شيئًا من القصد، وكأنها مستهدفة لسبب لا تعرفه، ورغم محاولاتها تجاهل ذلك الإحساس، إلا أنه كان يزداد قوة مع مرور الوقت، حتى أصبح من الصعب عليها أن تتجاهله أو تفسره على أنه مجرد صدفة. ومع مرور الحصص، بدأت تلاحظ أمورًا صغيرة لكنها غير مريحة، مثل تأخر استجابة بعض التلاميذ عند مناداتهم، أو نظرات سريعة تُلقى نحوها ثم تُسحب بسرعة وكأن أصحابها لا يريدون أن يُكشف أمرهم، وحتى ذلك التلميذ الذي لفت انتباهها في اليوم السابق عاد ليظهر من جديد، بنفس النظرة الغامضة التي لا تحمل تعبيرًا واضحًا، لكنه لم يكن الوحيد هذه المرة، بل شعرت وكأن هناك أكثر من شخص يشارك في هذا الصمت الغريب، وكأنها أصبحت محور اهتمام غير معلن. عند انتهاء الدوام، حاولت مغادرة المكان بسرعة، وكأنها تريد الهروب من ذلك الجو الثقيل، لكن الإحساس بالمراقبة لم يختفِ، بل رافقها خارج المدرسة أيضًا، وأثناء سيرها في الطريق شعرت مرة أخرى بتلك الخطوات غير المرئية، نفس الإحساس الذي يجعلها تتأكد أن هناك من يتبعها دون أن يظهر، ومع كل خطوة كانت تتسارع دقات قلبها أكثر، ليس فقط بسبب الخوف، بل بسبب الغموض الذي يحيط بكل ما يحدث، وكأنها دخلت في لعبة لا تعرف قواعدها. وعندما وصلت إلى منزلها، توقفت للحظة قبل أن تدخل، شعرت وكأنها تترك خلفها شيئًا غير مرئي، أو ربما تدخل إلى مكان لم يعد آمنًا كما كان من قبل، ومع ذلك لم يكن أمامها خيار آخر، فدخلت ببطء وأغلقت الباب خلفها، محاولة أن تجد بعض الطمأنينة داخل المكان الذي اعتادت أن تشعر فيه بالأمان، لكن ذلك الإحساس لم يعد كما كان، بل أصبح ضعيفًا، وكأن شيئًا ما قد اخترق هذا الأمان دون أن تلاحظه. جلست في غرفتها، وأخذت تفكر في كل ما حدث خلال اليومين الماضيين، محاولة ربط الأحداث ببعضها، لكن كل محاولة كانت تنتهي بمزيد من الأسئلة، دون أي إجابات واضحة، ومع ذلك بدأت فكرة معينة تتشكل في ذهنها، فكرة أن ما يحدث ليس عشوائيًا، بل منظم بطريقة ما، وكأن هناك من يراقبها منذ فترة، ينتظر اللحظة المناسبة ليبدأ، ولم تكن تعرف من يكون أو ماذا يريد، لكن الإحساس بوجوده كان واضحًا أكثر من أي وقت مضى. ومع غروب الشمس، بدأ الظلام يعود تدريجيًا، ومعه عاد ذلك الشعور الثقيل الذي رافقها في الليلة السابقة، وكأن الليل يحمل معه شيئًا لا يظهر في وضح النهار، شيئًا يقترب ببطء، يراقب، وينتظر، ولم تكن ليان تدرك أن ما تمر به الآن ليس سوى مرحلة أولى، وأن ما سيأتي بعد ذلك سيكون أكثر وضوحًا… وأكثر خطورة. وفي تلك اللحظة تحديدًا، وبينما كانت تحاول استيعاب كل ما يحدث، بدأ شعور جديد يتسلل إليها، لم يكن مجرد خوف، بل كان إحساسًا أقرب إلى اليقين، يقين بأن هناك سرًا كبيرًا يقترب من الانكشاف، وأنها، بطريقة ما، أصبحت جزءًا منه دون أن تختار ذلك. ومع هذا الإدراك، لم يعد بإمكانها العودة إلى حياتها السابقة كما كانت، لأن كل شيء بدأ يتغير، ببطء… ولكن بثبات.