حين إختفت الحقيقة - الفصل الأول: بداية لا تُرى - بقلم هديل بن عياد - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: حين إختفت الحقيقة
المؤلف / الكاتب: هديل بن عياد
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: الفصل الأول: بداية لا تُرى

الفصل الأول: بداية لا تُرى

لم تكن تلك الليلة تشبه غيرها من الليالي التي اعتادت ليان أن تمر بها في هدوء عادي لا يثير القلق ولا يترك أثرًا في النفس، بل كانت مختلفة بطريقة خفية يصعب تفسيرها، وكأن شيئًا غير مرئي كان يتحرك في تفاصيلها الصغيرة، يزرع شعورًا غريبًا لا يمكن تجاهله. جلست ليان قرب نافذتها، تحدق في السماء التي غابت نجومها خلف غيوم داكنة، وكان الصمت يحيط بالمكان إحاطة تامة حتى إن صوت أنفاسها بدا واضحًا في الغرفة، ولم تكن تدري لماذا شعرت بذلك الانقباض في صدرها، ذلك الإحساس الذي يجعل القلب أثقل دون سبب واضح، وكأن حدسًا داخليًا كان يحاول تحذيرها من أمر قادم. لم تستطع النوم رغم محاولاتها المتكررة، فكلما أغلقت عينيها عادت لتفتحهما بسرعة وكأن شيئًا يوقظها قبل أن تغفو، ولم يكن في الغرفة ما يثير الخوف، ومع ذلك ظلت تنظر إلى الأركان وكأنها تنتظر ظهور شيء ما، إلى أن قطع سكون الليل صوت هاتفها الذي اهتز فجأة على الطاولة، فالتفتت إليه بتردد واضح، إذ لم تكن تتوقع اتصالًا في مثل ذلك الوقت المتأخر، وعندما اقتربت منه ورأت رقمًا مجهولًا شعرت بتردد أكبر، لكن فضولها تغلب عليها في النهاية، فرفعت الهاتف ببطء وضغطت زر الإجابة. لم تسمع في البداية سوى صمت ثقيل، صمت لم يكن عاديًا بل بدا وكأنه يحمل شيئًا داخله، وكأن الطرف الآخر كان موجودًا لكنه يتعمد عدم الكلام، ثم بدأ صوت خافت يشبه التنفس يصل إليها، صوت بارد وغير مريح جعلها تشعر بقشعريرة تسري في جسدها، فانتظرت للحظات دون أن تتحرك، لكن الصوت لم يتغير، إلى أن انتهى الاتصال فجأة دون مقدمات، تاركًا وراءه شعورًا غامضًا لا يمكن تفسيره، وكأن تلك اللحظة لم تكن مجرد اتصال عابر بل بداية لشيء أعمق. قضت بقية الليل في حالة من القلق والتفكير، تحاول إقناع نفسها أن ما حدث لا يستحق كل هذا الخوف، لكن ذلك الشعور لم يختفِ، بل بقي ملازمًا لها حتى الصباح، وعندما ذهبت إلى المدرسة بدا كل شيء عاديًا في الظاهر، ضجيج التلاميذ، أصوات الخطوات في الممرات، وضحكات تتردد هنا وهناك، إلا أن ليان لم تستطع الاندماج في ذلك الجو كما كانت تفعل دائمًا، فقد شعرت وكأنها منفصلة عن كل ما حولها، وكأنها تراقب المشهد من بعيد دون أن تكون جزءًا منه. جلست في مكانها داخل القسم وهي تحاول التركيز في الدرس، لكن أفكارها كانت تشتت انتباهها باستمرار، فعادت مرارًا إلى تلك اللحظة التي رن فيها الهاتف، وإلى ذلك الصوت الغريب الذي لم يكن يحمل كلمات لكنه كان كافيًا ليترك أثرًا واضحًا في داخلها، ولم تستطع تفسير سبب خوفها، هل كان الأمر مجرد توهم؟ أم أن هناك شيئًا حقيقيًا يحدث؟ وبينما كانت غارقة في أفكارها، شعرت بنظرة موجهة نحوها، فرفعت رأسها ببطء ونظرت حولها بحذر، ولم تلاحظ في البداية شيئًا غير طبيعي، إلى أن استقرت عيناها على أحد التلاميذ في آخر القسم، كان ينظر إليها مباشرة دون أن يحاول إخفاء ذلك، وعندما التقت أعينهما لم يحول نظره كما يفعل الآخرون، بل استمر في التحديق بطريقة جعلتها تشعر بعدم الارتياح، وكأن تلك النظرة تحمل معنى لا تفهمه. حاولت تجاهل الأمر وإقناع نفسها أنه مجرد تصرف عادي، لكن الإحساس بالمراقبة لم يختفِ، بل ازداد وضوحًا مع مرور الوقت، حتى بعد انتهاء الدوام وخروجها من المدرسة، حيث قررت العودة إلى المنزل بسرعة، علّها تتخلص من ذلك الشعور المزعج، لكن أثناء سيرها في الطريق أحست بشيء غريب، وكأن هناك من يتبعها، لم يكن الأمر واضحًا في البداية، لكنه تكرر أكثر من مرة، فكلما توقفت شعرت أن الحركة خلفها تتوقف، وكلما واصلت السير عاد الإحساس نفسه، مما جعل قلبها ينبض بسرعة أكبر، وزاد من توترها. توقفت فجأة واستدارت بسرعة محاولة التأكد مما تشعر به، لكنها لم تجد أحدًا، كان الطريق شبه فارغ، وكل شيء يبدو طبيعيًا، إلا أن ذلك لم يطمئنها، بل زاد من حيرتها، وكأن ما يحدث لا يمكن رؤيته بسهولة، وبينما كانت تحاول تهدئة نفسها لاحظت وجود ورقة صغيرة على الأرض بالقرب منها، لم تكن موجودة قبل لحظات، أو ربما لم تنتبه لها، لكنها شعرت بانجذاب غريب نحوها، فانحنت والتقطتها ببطء، ثم فتحتها بحذر، لتجد بداخلها عبارة قصيرة لكنها كفيلة بإعادة ذلك الشعور الثقيل إلى قلبها. بقيت تحدق في الكلمات دون أن تتحرك، وكأن عقلها يحاول استيعاب معناها، لكنها لم تجد تفسيرًا واضحًا لما يحدث، هل الأمر مجرد مزحة ثقيلة؟ أم أن هناك من يراقبها فعلًا؟ ولماذا هي بالذات؟ أسئلة كثيرة بدأت تتزاحم في ذهنها دون إجابة، ومع كل لحظة كانت تشعر أن الأمور تزداد تعقيدًا، وأن حياتها التي كانت تسير بشكل طبيعي بدأت تدخل في مسار مختلف تمامًا. عادت إلى المنزل وهي غارقة في أفكارها، تحاول تجاهل ما حدث، لكن ذلك لم يكن سهلًا، فقد أصبح الشعور بالمراقبة أقوى من أن يتم تجاهله، وكأن شيئًا ما بدأ بالفعل، شيئًا لن يتوقف بسهولة، ولم تكن تعلم أن ما عاشته في ذلك اليوم لم يكن سوى بداية بسيطة، وأن الأيام القادمة ستحمل معها أحداثًا أكثر غموضًا، وأشد تأثيرًا، أحداثًا ستجبرها على مواجهة حقيقة لم تكن مستعدة لها، حقيقة ستغير كل شيء دون استثناء.