سجين في بيتي - مطلقة - بقلم نهيلة شاكوك | روايتك

اسم الرواية: سجين في بيتي
المؤلف / الكاتب: نهيلة شاكوك
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: مطلقة

مطلقة

في هذا البيت، لم تكن كلمة "مطلّقة" تُقال بل تُرمى كحجرٍ في وجه لا يملك حقّ الدفاع. كنت أسمعها ترتطم بالجدران، لا ككلمة، بل كصفعة تعيد من وقع عليها إلى مكان لم تختاره. ما إن وطأت قدماها عتبة البيت، لم تدخل كعروس، بل كقضية يتزاحم الجميع حولها، ليس لفهمها، بل لإصدار الحكم. كان الحكم جاهزًا، والإعدام مؤجّلًا إلى حين. ما زاد الطين بلة أن خصمها هذه المرة لم يكن غريبًا، بل امرأة نُعِتت بالحماة، وكأن الكلمة وحدها كفيلة بإسكات كل دفاع وسقوط كل حق. يُقال إن المرء لا يُقاس بأفعاله مع القريب، بل مع الغريب، وكان هذا الوصف الأقرب إلى زوجتي. امرأة بألف رجل، قوية وحاضرة، لا تُهزم في حديثها، ولا تتراجع أمام رأي، تنهال بالكلام على الأكثر علمًا، وكأن الحكمة حليفتها الدائمة. ومع أولادها، كانت تلبس قناع الأم الحنونة، الحارس الذي لا ينام، والصاحب الذي لا يُستغنى عنه. لكنها في الداخل تحمل شيئًا آخر، قوة تتحول أحيانًا إلى قسوة، وحكمة تتحوّل أحيانًا إلى حكم صارم، يفرض نفسه على كل من حولها. وكان ذلك كافيًا ليُضعف صورتها في عيني، ويمنحني بصمت خبيث مبررا أعلّق عليه خطيئتي القديمة. كانت قائدًا لا يُخالَف، صوتًا لا يُكسر، وقرارًا لا يُراجع. وحين قرر الابن الأكبر الزواج بالمرأة التي اختارها قلبه، لم ترَ فيه حبًا، بل رأت خروجًا عن النص. لم ترَ فيها زوجة، بل خيبة لا تشبه الصورة التي رسمتها في ذهنها منذ ولادته؛ صورة المرأة الطائعة، المنحنية، المحدودة بدورها في البيت، لا تلك التي تختار، تتجادل، وتسكن البيوت كما تشاء. أتذكر اليوم الذي وطأت فيه الفتاة عتبة المنزل لأول مرة، ترتدي فستانًا أبيض، ناعمًا وشفافًا، كأنها أميرة خرجت من حلمٍ بعيد. خطاها كانت خفيفة، وابتسامتها خجولة. وقف الأولاد صامتين، لم ينبسوا بكلمة، ولم تنطق ألسنتهم بخبث، لكن عيونهم حملت رفضًا لم يُخف، ونظراتهم كانت حادة كسهامٍ صامتة. أمّا أنا، فرفعت صوتي، ببطء وحنان، كما يفعل من يلتزم بالحق: — "مبروك زواجكم، بنتي… الله يكمل بالخير." لم تمر سوى ثوانٍ قليلة حتى قررت الزوجة أن تُعيد ترتيب الأمور وفق سلطتها المعتادة؛ طالبت الفتاة بتغيير ملابسها، مدعية أن اليوم مخصصًا لنظافة البيت، وأشغلتها بغسيل متراكم منذ أسبوع كامل، كأن كل تلك الطاقات والابتسامات يجب أن تُخفى خلف جدران واجبٍ رتيب. في بيتنا، لم تُقاس النساء بأفعالهن، بل بما نريد نحن أن يكنّ، وما لم يتوافق مع هذه الصورة، كان يُرمى على الفور كذنب لا يُغتفر. تعرضتُ للطرد قبلها، لكن بجرم اقترفته بمحو الإرادة. أما هي، فذنبها أنها اختارت الفرار بما تبقى من شتات قلبها. هربت من رجلٍ لم يُكمل معها عامًا، رجلٍ تعلّم الخيانة كما يتعلم البعض حرفةً، يتنقّل من مدينةٍ إلى أخرى، تاركًا خلفه نساءً يحملن اسمه وندبةً لا تُمحى. كنت أقف في الظل، أراقب كل شيء. لم تكن كلمتي مسموعة هنا، ولم يكن لي أثر مباشر في الحكم على حياتها. ومع ذلك، انتابني حزن دفين. لم أستطع أن أسمح لها بأن تمر بما مررتُ به أنا. في داخلي، شعرت بحاجة غريبة أن أكون سندها، الحضور الصامت الذي يخفف من وطأة العزلة والقسوة التي تلقتها. علمت أنها قوية، قادرة على المواجهة، لكنها كانت وحيدة في سجنها. وكنت أنا، مكسورًا منذ خطأي القديم، لا أستطيع أن أكون رمز القوة الذي يحتاجه البيت، لكنني كنت أبًا في الظل، مراقبًا، ممتدًا بالشفقة والحنان، أقاوم أن أرى ذبولها. وهكذا، كان رابط الشفقة بيننا يبنى بصمت، كما تُبنى الجسور على مياه هادئة، صامتة لكنها متينة، تحملنا معًا فوق صخب هذا البيت، رغم أن كل واحد منا سجينه. كان عامهما الأول من الزواج مليئًا بصخبٍ لم يهدأ، إذ أرغمتهم زوجتي على المكوث في الطابق السفلي، قريبين منا أكثر مما ينبغي، كأنها لم تحتمل فكرة أن يبتعد عنها ابنها البكر الذي لم تشبع حبّه بعد، وكأن وجوده إلى جانبها ضرورة لا يمكن التنازل عنها، لا رغبةً تُراجع. أما هي، فقد رأت فيها العروس الأولى للعائلة، تلك التي ستعلو بها في شؤون البيت، وتزيح عن كاهلها بعض الأعباء التي أثقلتها السنين. لم تنظر إليها كابنتها الثالثة كما كانت تدّعي، بل كدورٍ يجب أن يُؤدّى، وكصورةٍ يجب أن تكتمل وفق ما رسمته في ذهنها منذ زمن. بينما رأيتُ فيها أنا شيئًا آخر تمامًا، رأيتُ فيها مكان تلك الابنة التي غادرت المنزل منذ سنوات عقب زواجها، وتركت خلفها فراغًا ظلّ معلقًا في داخلي. زرتها في الشقة السفلى بعض المرات، وكانت في كل مرة تبدو لي وكأنها تحاول أن تُعيد ترتيب العالم من حولها، لا البيت فقط؛ تحبّ النظام حدّ التعلّق، وتجد في الأشياء المرتّبة نوعًا من الطمأنينة التي لا تقولها، تعشق الألوان وكأنها تهرب بها من بهتانٍ يحيط بها، وتملأ المكان بموسيقى كلاسيكية هادئة، لا يسمعها سواها كما لو أنها تتحدث معها بصمت. كانت رقيقة، قليلة الكلام، تتحرك بخفة، وتُسارع إلى المساعدة كلما سنحت لها الفرصة، كأنها تبحث عن موضع قدمٍ ثابت داخل هذا البيت، رغم تلك النظرات التي كانت تلاحقها في كل مرة تمرّ فيها أمام أحدٍ من العائلة، نظرات مشبعة بشيءٍ من النفور. أتذكر مشهد الرغيف الذي أرغمني للمرة الأولى على الدفاع بالكلام بدل المشاهدة من بعيد. كان يومًا عاديًا، حتى زارنا أحد الضيوف الذي أصر على حبه للرغيف؛ إنسان محبوب ذو مكانة مهمة لدى أهل البيت. لم تكن زوجتي ولا ابنتي بارعتين في أمر الرغيف، ولم تقوَ أي منهما على الاعتراف بذلك. بدأت كل منهما بدمج المكونات من طحين وزيت واتباع الوصفة الموجودة في الكتاب، لكن بعد بضع ثوانٍ أدركتا أنهما في ورطة. فتنازلت الحماة لأول مرة ونادت على زوجة الابن من طابقها السفلي، رغبة في المساعدة. لم تكن مرحبًا بها في المناسبات العائلية، فلم تُعتبر من العائلة، بل وصمة عار يجب إخفاؤها عن أعين الضيوف. استجابت النداء، ككل مرة، وتسَلَّقت السلم مهرولة. تم تقديمها للمطبخ بدل الضيوف. بقيت المسكينة حبيسة المطبخ لساعات لإنهاء طهي كل ذلك الرغيف. فلقد كانت طباخة ماهرة، حتى أن زوجتي اعترفت بذلك خلسة مع بعض الجيران. وما إن انتهت، حتى رغمت على العودة لطابقها، ولم تتذوق قطعة واحدة من عرق جبينها. ذهبت بملامح يعتليها الانكسار، وعينان تتلألأان بدموع كانت تحاول مقاومتها كجندي لا يريد الاستسلام، حتى لا تسقط على وجنتيها. لم ترفع صوتها، لم تصرخ، ولم تعترض، لكنها كانت تقول كل شيء بعينيها. كنتُ أقرأ فيها كل ما لم تسمعه الكلمات، كل ما لم تسمعه القلوب الجافة في هذا البيت. قررت الاقتراب، بصوت منخفض، وكأنّي أخاف أن أكسر هدوءها: — "هل… كل شيء بخير؟" رفعت رأسها ببطء، والتقت عيناي بعينيها. لم تقل شيئًا، لكن ابتسامتها الخفيفة كانت جوابًا صامتًا، أكثر صدقًا من أي كلمة. كنت أشعر بغصة، وكأنني أشاركها الألم بصمت، وكأن كل رغيف، وكل ساعة قضتها في المطبخ، وكل لحظة رفضت فيها أن تُذل أمام الآخرين، كان لها وقعٌ أكبر من أي صراخ أو اعتراض. شعرت بأن ما حدث هو أكثر من مجرد درس في الطهي؛ كان اختبارًا للصبر، اختبارًا للكرامة، اختبارًا لإرادة من يعيشون في ظلال الآخرين. سمع صوتي وأنا أعاتبهم كرجل بيتٍ انسحب منه هذا الدور منذ زمن بعيد، لكن استرجعته اليوم بعدما شعرت بالانكسار تجاه من اعتبرتها ابنة: — "حشومة عليك، من الصباح وهي معذبة، ولم تدع لها فرصة لتذوقها!" فأجابت بحدة: — "ليس من شأنك، بعد من سوق النساء!" أخذت أنا بعض الرغيف خلسة، وطرقت باب بيتها برفق وببطء، حتى لا تسمعني الزوجة. لم تنظر إليّ حين أخذت قطعة الرغيف، ولم تلفت انتباهي إلا بعد أن أغلقت الباب خلفها. كان وجهها يحمل انكسارًا خفيًا، لكنه لم يكن استسلامًا. كان صدق القوة في صمتها، قوة تجعل من ينظر إليها يشعر بثقل المسؤولية، وبأن ما أمامه ليس مجرد فتاة صغيرة، بل روحا ناضجة تُجبرك على التوقف قبل أن تحكم. أدركت شيئًا مهمًا: أن هذه المرأة، رغم كل القيود، والرفض، والوصم، والظلال التي حاولت العائلة وضعها عليها، كانت تصنع لنفسها مكانًا في العالم، مكانًا مستقلًا عن قسوة الآخرين. وأنا، الذي شاهدتها من بعيد طوال هذه السنة ، شعرت لأول مرة بأن حضوري كان مهمًا لها، كان سندًا غير معلن، كان اعترافًا بأنها لم تكن وحيدة بالكامل. ومن تلك اللحظة، بدأت أرى في هذا الصمت رابطًا بيننا، رابطًا لا يحتاج إلى كلمات، رابطًا يبقى صامدًا رغم كل صخب البيت، رغم كل أحكامه المسبقة. رابط يحمل بين طياته الحنان، الشفقة، الاحترام، والحاجة إلى حماية من لا يملك إلا نفسه ليواجه به العالم.