الفصل 4
وقف سيارته بالمواقف ودخل للجامعة بخطواته الواثقة.
مشيته اللي ما تغيرت أبد، من لما كان طالب بنفس الجامعة قبل 15 سنة، حتى الآن وهو أستاذ فيها.
واثق لأنه عارف انه ملفت للانتباه، وانه هيبته تطغى على أي مكان يكون فيه.
حتى لو كان غريب عن البلد نفسه، إلا انه قدر يفرض نفسه على كل من يعرفه أو حتى يسمع عنه.
دخل لمكتبه وحط أغراضه على الطاولة.
وعقد حاجبه وهو يشوف ظرف آخر على فوق الملفات.
وش سالفة الظروف هالأيام؟ ومين يكون هذا اللي يتجرأ كل بداية شهر ومن فترة مو طويلة ويحط مثل هالظرف الملون بمكتبه!
كل شهر لون مختلف، وكل شهر رسالة مختلفة عن اللي قبلها.
عبارة مختلفة، لون مختلف، شكل مختلف.. حتى الخط مختلف!
جلس وهو يتأفف بملل من هالحركة الغبية، ومن هالمجهول اللي يموت ويعرف مين هو!
أخذ الظرف وشقه، خرج الورقة المطوية بداخلها، ومعاها صورة!
أول مرة يرسل صورة مع رسالته الغبية هالمجهول!
اتسعت عينه وهو يشوفها، عبير واقفة بواحد من المحلات التجارية، قدامها شاب أجنبي، تضحك له!
فتح الورقة بسرعة وضغطه مرتفع من جرأة صاحب الرسالة، اللي تعدى حدوده هالمرة!
قرأ المكتوب بذهول، ثم شق الورقة وهو يضحك، وعيونه ما تشوف إلا الضباب من غضبه الشديد.
دخل الصورة بجيب شنطته، ثم وقف وخرج.
اتجه لغرفة الأمن بخطوات شبه سريعة.
صبّح على الموظف، ثم طلب منه يرسل له لقطات كاميرا المراقبة الخاصة بالممر الموجود فيه مكتبه.
تركه واتجه للقاعة وباله مشغول، ومزاجه معكر تماما.
شخصيته الباردة اللي كانت في الصباح تحولت وتغيرت.
وهو كل شوي يتذكر المكتوب بخط عشوائي على ورقة دفتر ( وافق شن طبقه، ما في شيء غريب بالصورة، رخيص تزوج رخيصة ).
______
فتحت عيونها ورفعت يدينها تتمغط وهي تبتسم من الراحة الغريبة اللي تحس فيها، حلم غريب راودها وهي نايمة.. الا انه خلاها تبتسم أول ما فتحت عيونها.
جلست وهي تأخذ جوالها، شهقت لما شافت الساعة.. كانت 6 ونص.
نزلت من السرير بسرعة واتجهت للباب بخطوات متعثرة.
وقلبها يخفق بعنف، خايفة لا تكون رزان صحيت من النوم وجابت العيد.
اتجهت للمطبخ تجري، لما سمعت أصوات الملاعق والصحون.. أكيد قلبت المطبخ فوق تحت.
وقفت عند الباب تحط يدها على صدرها وتتنهد براحة:
- الحمد لله.
التفتت لها رزان بابتسامة هادئة:
- صباح الخير غزل.
ابتسمت غزل بسعادة وهي تقرب منها:
- صباح الورد يا وردة حياتي انتِ.
قالتها وضمتها بقوة.
هذا واحد من الأيام النادرة اللي ترجع فيها رزان لحالتها الطبيعية.
تغتسل بنفسها وتلبس أحلى ما عندها، تسوي شعرها وتحط مكياج بسيط.. ثم الروج الزهري اللي ما تستغنى عنه، تتعطر وتطبخ لأختها وأخوها كل ما لذ وطاب.
بالنسبة لغزل هالأيام هي عيدها.
ظلت حاضنة أختها لوقت طويل.
مسحت رزان على شعرها بحنان، وهي عارفة وش تحس فيه غزل بالضبط.
بعدتها عنها بلطف ومسكتها من يدينها:
- حبيبتي غزل روحي مشطي شعرك وغسلي وجهك، وتعالي افطري معانا.
غزل باستغراب:
- مين انتوا؟
- آسر نايم بالصالة، ما شفتيه؟
ضحكت غزل بفرح:
- الله ، وش هاليوم الحلو.. بس ما عليه خليني أحضنك شوي بعد.
ضمتها مرة ثانية بقوة وهي تدعي في سرها انه رزان تطول على هالحالة وما ترجع تفقد صوابها.
مو بس عشان تريحها هي، لا.. لأنها فعلا اشتاقت لرزان، ولأمها اللي تشوفها فيها لما ترجع طبيعية.
تنحنح آسر وهو مبتسم ابتسامة واسعة لما شاف رزان بهالحالة:
- يا الله صباح خير، وش عندك يا البزر تبكين؟
غزل اللي ما تركت رزان:
- أقول ما البزر غيرك انت والله، خلني أنا وأختي شوي.
ضحك آسر وقرب منهم وعيونه على رزان اللي تبتسم.
وعيونها كاسيها الحزن بالرغم من جمال الموقف.
حضنهم آسر ثنتينهم مع بعض.. وهو حاس بالراحة مثله مثل غزل، ويتمنى لو يحس بهالشعور للأبد.
بعد نص ساعة كانوا آسر ورزان جالسين على السفرة، تسأل عن أحواله هو وبتول.
لما خرجت غزل من غرفتها:
- الله على هالريحة الحلوة، من زمان ما شميتها.. تسلم يدينك الحلوة رزان.
مسحت رزان على ذراعها بحنان:
- عوافي على قلبك حبيبتي.
سألتها بعد لحظات:
- إيه وش اللي بكاك أمس يا غزل؟ مين اللي زعلك؟
رفعت غزل عيونها بصدمة:
- بسم الله وش دراك؟
رفعت رزان حاجبها:
- والله؟ ما في داعي أسمع من أحد، عيونك منتفخة.
عضت غزل شفتها وهي تطالع في آسر بطرف عينها:
- ماحد، بس كذا اكتأبت فجأة وبكيت، تعرفيني ياختي أنا نفسية من زمان ههههههههه.
ارتبكت وهي تشوف نظراتهم المصوبة عليها، وما ضحكوا معاها:
- امممم تراني صادقة.
آسر:
- هين يا غزل، بشوف إلى متى تقدري تكذبي علينا.
ابتسمت لهم بغباء وكملت فطورها من دون ما يحركوا عيونهم من عليها.
توترت أكثر، رفعت وجهها وناظرتهم بزعل:
- ياخي خلاص، قلت ما فيني شيء.
كملت بعد ما تنهدت بضيق:
- تمام، بقول لكم بعد ما أخلص أكل، ترى بموت من الجوع.
غمضت عيونها وهي حاسة انها تورطت لما هزوا رؤوسهم بايجاب.
أبدا ما عندها نية تعلمهم عن جية هاجر، ما ودها انهم يعرفون عن نية عمتهم السيئة.. واللي ما تعرف سببها.
ولا تعرف السبب اللي يخليها تخبي عنهم هالشيء.
يمكن لأنه جزء كبير من رغبتها توافق على كلام هاجر مع انها ما تعرف وش نيتها بالضبط، أو ليش جات بعد هالفترة تفاتحها بالموضوع!
مر بعض الوقت بعد ما خلصوا فطورهم وجلسوا يسولفون.
كانت غزل متطمنة إنهم ما فاتحوها بالموضوع ولا سألوها من جديد.
ظنتهم نسوا، إلا انه آسر فاجأها من جديد:
- غزل مو ناوية تتكلمين؟
تنهدت غزل بملل:
- خلاص بقول، عمتكم جات أمس.
استغرب آسر:
- أي عمة؟ هاجر ؟
- طبعا في غيرها؟
آسر بحدة، عصب لما ربط جيتها ببكاء غزل:
- وش تبي؟
حركت غزل كتوفها:
- تقول ودها لو ننقل كلنا ونعيش في بيتهم بما انه واسع حيل وفاضي، منها تخلي بنتها جنبها ومنها نرجع نصير عائلة وحدة.
رفع آسر حاجبه باستغراب، إلا ان الموضوع مشى عليه، بما انه عارف انه هاجر مستحيل تخلي بنتها الوحيدة تعيش مع رزان:
- طيب؟ ما أشوف إنه الموضوع يبكي.
ابتسمت غزل بتوتر:
- لا يعني فكرت انه مثلا لو سمعنا كلامها ورحنا، أكيد راح أفقد بيتنا هذا.
طالع فيها آسر بحيرة، عذرها أبدا مو معقول.
يصدقها ولا يكذبها.
وقفت رزان فجأة وهي تقبض على الجوال اللي بيدها:
- عن اذنكم شوي.
اختفت عن عيونهم خلال ثوانِ، وقبل لا يلتفت آسر لغزل ويستفسر عن الموضوع أكثر، قاطعهم صوت الجرس:
- مين يجي بهالوقت؟
وقف واتجه للباب يسأل:
- مين؟
وصله صوتها الناعم واللي حس على طول انه مخنوق:
- أنا خالتك.
فتح آسر الباب وهو مبتسم:
- يا هلا والله تو ما نور البيت خالتي.
دخلت وضمته بقوة بعد ما قفلت الباب.
استغرب آسر لما حس فيها تبكي وتنتفض:
- عسى ماشر خالتي؟ فيك شيء؟
شهقت غزل وقربت منهم:
- خالتي وش فيك؟ ليه تبكين؟ مين زعلك؟ لا يكون وائل من جديد؟ والله راح يكون موته على يدي إذا زعلك.
_______
نفسيتها اليوم أحسن من أمس.
تحس بالراحة والطمأنينة، يمكن لأنها أخيرا قدرت تبكي وتفضفض لأحد عن الشيء اللي أزعجها من فترة طويلة!
تروشت ولبست فستان بسيط يناسب البيت.
تعطرت وابتسمت لنفسها برضا، قبل لا تفتح الشباك وتغمض عيونها وهي تسحب الهواء النظيف لرئتها.
هالحركة تهدئها فعلا وتريحها كثير.
قفلته وخرجت من غرفتها، نزلت لتحت بخطواتها الهادئة.
ابتسمت بحنين لزيد اللي تذكرته فجأة، يوم شاف مشيتها الناعمة قال لها ( تنافسين الورد برقتك ).
كان فعلا يحسسها بقيمتها، يشبع حاجتها للكلام الحلو والغزل اللي تستحقه.
مع انه الموضوع بكبره كان غلط، إلا انه حبهم لبعض أحلى شيء صار بحياتها حتى الآن.
كل ما تذكرت إنها وافقت على آسر بضغط من أهلها، واحساسها بأنه ضروري ترد الدين والمعروف بموافقتها عليه.. تحس انها أحقر شخص على وجه الأرض.
لأنها وقتها ما فكرت إلا بنفسها، وانها لازم تكون ممنونة للشخص اللي أنقذها من الحريق!
بعد مرور الوقت صارت تفكر ليه آسر سوى كذا؟ ليه خطبها وهو داري انه أعز أصحابه وأقرب شخص له بالدنيا يحبها!
وليه خطبها وهو داري عن علاقتها بزيد؟ وكيف كانت قوية حتى وهم أطفال!
ليه ضحى بعلاقته القوية بزيد!
وليه مشاعل رغم كل اللي سواه آسر بأخوها ما تركته؟
كل هالأسئلة جات في عقلها دفعة وحدة وأزعجتها كثير.
وكبر فيها الشعور بتأنيب الضمير على خيانتها لزيد المسكين.
ماحد غيره خسر من اللي صار، معناته آسر له شيء عند زيد.
هل صار بينهم شيء؟ شيء قوي خلاه يستغل انقاذه لبتول من الحريق ويخون صاحبه!
ويوجع قلب المرأة اللي ساعدته ووقفت معه طول عمرها!
تنهدت تبعد هالأفكار عنها وهي تقرب من أمها وتبوس راسها:
- صباح الخير يمه.
- صباح النور، وأخيرا نزلتِ لنا يا الأميرة؟
جلست بتول:
- كنت تعبانة يمه، شفتيني.
هاجر بعتاب:
- مو بس أمس، دايم تحبسين نفسك بغرفتك ولا تفكرين بأمك المسكينة اللي تضطر تقعد لوحدها طول اليوم.
بتول باعتذار:
- سوري يمه بس من جد البيت هذا يخوفني، ليتكم ما نقلتوا من بيتنا القديم وظلينا احنا وبيت خالي جنب بعض.
رفعت هاجر حاجبها باستغراب:
- يا ليت؟ وانتِ جايتني قبل أمس ترجفين من الخوف بس عشان آسر قال لك بتسكنين ببيته مع خواته؟
بتول بخفوت:
- يمكن لو تعودت على رزان وهي بهالحالة ما خفت، بس انتِ منعتيني عنهم شسوي.
طالعت فيها هاجر بطرف عينها، ثم قالت بلا مبالاة:
- على العموم لا تشيلين هم يا بتول، إن شاء الله رزان راح تكون في المكان المناسب، وانتِ تروحين تسكنين في بيت زوجك، ترتاحين وترضينه بعد.
توسعت عيونها بصدمة:
- شلون؟
هاجر:
- الموضوع مو مؤكد لسه، بس أقدر أضمن لك هالشيء.
سكتت بتول لثوانِ قبل لا تسأل:
- وش سويتِ يمه؟
- ما سويت شيء، بس أبي كل شيء يكون بمكانه الصحيح.
بتول بعصبية:
- بس يا أمي تدرين رزان مكانها مو بمستشفى المجانين، ومستحيل آسر يرضى بهالشيء.
هاجر:
- أنا قلت لك انها بتروح لمستشفى المجانين؟ قلتيها بنفسك معناته انك فكرتِ في هالشيء من قبل.
غمضت بتول عيونها بقلة صبر ثم قالت:
- يمه أرجوك، لا تتدخلي بهالموضوع أرجوك، آسر يدري إيش الصح من الغلط، أنا مو ناقصة تكفين.
هاجر بحدة:
- مو ناقصة إيش يا بتول؟ لا تقولين إنه آسر يزعجك ولا يأذيك!
ارتبكت بتول:
- لا يا يمه ما أقصد.
هاجر ببرود:
- ما همني قصدك الحين، كل همي تكونين مرتاحة طول عمرك، انتِ الوحيدة اللي باقية لي بهالحياة، بعد ما تخلى عني ذاك اللي ما يتسمى.
بتول بضيق من الطاري:
- تعوذي من الشيطان يمه، إن شاء الله ربي يهديه ويصلحه ويرجع لنا قريب.
اكتفت هاجر بابتسامة ساخرة، وقلبها ميت شوق على بكرها.
سألت بتول بتردد:
- طيب.. مو المفروض عبير تكون هنا خلال هاليومين؟ وصلتني دعوة على الواتس من اختها تعزمنا على عرس أخوهم.
وقفت هاجر منزعجة من طاريهم:
- مدري عنهم.
تنهدت بتول بضيق ثم عضت باطن شفتها بحزن.
تنتظر بس وتتمنى هالفوضى اللي صايرة تتصلح بسرعة، ويرجعون هم لحياتهم الطبيعية.
___
يتبع..