الفصل 3
الفصل الثالث
__
حطت يدها على بطنها اللي يقرصها من الجوع، ضحكت وهي توقف.
ماهي من النوع اللي تتحمل الجوع لوقت طويل.
الشيء خلاها تكسب شيء من الوزن.
مشت على أطراف أصابعها، وفتحت الباب بشويش وخرجت عشان لا تصحى الصغيرة.
نزلت لتحت بنفس الخطوات الهادئة.
استغربت لما شافت نور المطبخ مفتوح، وتسمع أصوات.
كان أبوها قاعد يطبخ شيء على النار، التفت لها متفاجيء لما حس فيها:
- عهد ما نمتِ يا بنتي؟
هزت رأسها بالنفي:
- لا، ما قدرت أنام من الأرق، وش تسوي انت الحين؟ الساعة وحدة.
ارتبك وائل وما قدر يرد، ابتسمت وهي عارفة انه بدور جوعانة وقاعد يسوي لها أكل، تقدمت منه عشان ما تحرجه أكثر:
- لسه نتشارك في هالشيء بابا، نجوع مع بعض بآخر الليل، ونتسلل بدون ما يحس فينا أحد ههههههههههههه.
ابتسم وائل وحس براحة عجيبة وهو يسمع ضحكتها أخيرا بعد وقت طويل.
قرب منها وحط يده على وجهها:
- تعبانة فيك شيء؟
هزت رأسها:
- لا، ما فيني شيء.. خلني أكمل عنك وأسوي لي بعد.
وائل باعتراض وهو مبسوط انها قاعدة تكلمه بهالروح بعد اللي صار:
- لا أنا بكمل، اجلسي ارتاحي انتِ.
جلست عهد فوق الطاولة تراقب أبوها من ورى، حست فيه لما انبسط وبغى يطير من الفرحة بس لأنها ضحكت له.
كان يلتفت يطالع فيها كل شوي ويبتسم.
الشيء اللي خلاها تندم على معاملتها الجافة له.
حزنت وهي تتذكر وصية أمها الدائمة من تركت البيت قبل كم شهر ( المشكلة بيني وبين أبوك بس، انتوا ما لكم دخل، أبوكم يحبكم ومستحيل يأذيكم بيوم من الأيام، زيي بالضبط.. عشان كذا خلوكم بارين فيه على طول ولا تضايقوه ما دامه ما آذاكم ).
كان لازم تسمع كلام أمها وتطبقه حرفيا، لأنه فعلا ما آذاهم ولا ضايقهم أبد.
بالعكس يحاول يسعدهم على طول.
لكن من حملت بدور في وقت قريب، صار اهتمامه فيها أكبر منهم هم.
وهالشيء اللي زعلها وضايقها كثير.
غير اللي صار اليوم طبعا.
موقف اليوم عن ألف موقف.
بس برضوا ما تقدر تتحمل ضيقته وحزنه.
ابتسمت له لما جلس على الكرسي وحط قدامها صحن:
- الله، الريحة تشهي، ما عرفت انك تطورت كذا.
ضحك وائل:
- هههههههههه صدق؟ عاد إن شاء الله مو بس الريحة لوحدها حلوة.. والطعم يكون مضبوط.
- ما عليك واضح من الشكل.
وقفت وهي تأخذ صحنها عشان تخلي أبوها يأخذ راحته:
- تسمح لي أروح آكل في غرفتي؟ أخاف ميس تصحى وما تلقاني.
هز وائل رأسه بالإيجاب، كان مبسوط ومتورط بنفس الوقت.
عارف انه بدور راح تزعل إذا تأخر.
طلعت عهد لغرفتها، قبل لا تقفل الباب ضحكت وهي تشوف بدور تنادي أبوها من عند الدرج:
- وائل وينك طولت؟
قفلت الباب بهدوء وجلست على سريرها، فتحت النور الصغير جنب سريرها.
فتحت جهازها ناوية نكمل حلقتها وهي تأكل، إلا انها لما سمعت ضحكة بدور وأبوها سرحت.
تتذكر اليوم اللي رجعت فيه من المدرسة وراحت لأمها في المطبخ:
- يمه غريبة فجأة قررتِ ما تداومين، فيك شيء تعبانة؟
هزت مشاعل راسها بالنفي وهي معطيتها ظهرها:
-لا يا قلبي ما فيني شيء بس حبيت أفاجئكم وأسوي الغدا بنفسي، روحي غيري لبسك وغيري لـ ميس وانزلوا بسرعة.
كانت نبرتها غريبة، نبرة أول مرة تسمعها.
بالرغم من انها ما كانت واضحة، إلا انها حست بقرصة في قلبها:
- طيب.
نزلت بعد ما غيرت لبسها وهي ماسكة يد ميس.
كان الكل جالس حول السفرة، يأكلون بصمت.
حتى أبوها اللي دخل لما كانت هي فوق.
كان السكوت والهدوء وقت الأكل واحد من قوانين مشاعل اللي لازم يمشي على الكل، لكن سكوت اليوم كان غريب.
من غرابة ملامح أمها وأبوها.
اللي كان واضح فيها الضيق وحاجات ثانية ما عرفتها.
جلست تأكل بهدوء لين خلصت أمها وقامت، قالت وهي طالعة لغرفتها:
- وائل أبي اتكلم معك لو سمحت.
ناظرتهم بطرف عينها، أمها القائدة.. ووائل يمشي وراها بكل خضوع.
مر باقي اليوم بهدوء فظيع، وظلام حلّ على البيت كله.
بعد ما تركه أبوهم وراح.
اليوم اللي ماتت فيه روح بيتهم.
وظلت أمها ساكتة، تشتغل أكثر من أي يوم آخر.
من عرفت أمها وهي مشغولة بتجارتها وعملها برة البيت، إلا انها ما قد فرطت فيهم ولا أهملتهم.
تقدر تحلف وتقسم انه أمها أنجح امرأة بالعالم، وأكثر وحدة تقدر توفق بين بيتها وعيالها وعملها.
حتى شغلها في المدرسة، كانت تشتغل فيها مرشدة طلابية.
دايم تحب تسمع للبنات وتساعدهم بكل شيء تقدر عليه، الشيء اللي خلى كل الناس تحبها وتقدرها، تقصد من غير عائلة أمها.
بالرغم من انها ماهي فاضية أبدا ولا محتاجة لدخل زائد كراتب من المدرسة، بس حبها لمساعدة غيرها خلاها تشتغل.. خاصة انه الصباح وقت مناسب جدا، عيالها يكونون بالمدرسة، وهي تكون فاضية.
تعرف انه أمها تحب تساعد البنات المراهقات وتحل مشاكلهم؛ لمشكلة واجهتها هي شخصيا لما كانت بعمرهم أو أصغر.
المشكلة اللي قوتها بهالشكل، وخلاها ( امرأة حديدية ) حرفيا .
مشكلة متعلقة بزيد وآسر وخواته.
حاولت كثير انها تعرف، لكن فشلت.
وهي أكيد انها ما تتجرأ تسأل أمها حالياً.
في حاجات غريبة تدور حولهم، أمها وخالها زيد.. وآسر وخواته.
تنهدت وهي ترفع حاجبها وتحاول ترجع تركز بالمسلسل.
_____
في ساعات الصباح الأولى.
والجو هاديء قبل شروق الشمس.
السماء تمطر هتان خفيف جمّل المنظر أكثر.
من الدور الخامس عشر للعمارة.
اختار الشقة بنفسه عشان يصحى على هالمنظر الحلو كل يوم من غرفة نومه.
صلى الفجر ورجع قبل شوي من المسجد الصغير، واللي يبعد عن العمارة شارع واحد بس.
حضّر قهوته ودخل للغرفة، لقاها على سجادتها تسلم من صلاتها.
بعد ما خلصت تجاهلته وراحت ترقد.
ابتسم بهدوء واتجه للشباك، فتحه ووقف عنده.
أمس بالمساء وبعد ما خلص من تحضير العشا، راح يناديها تاكل معه.
عاندته ورفضت ولا رضت تقوم.
لما راح يتعشى لوحده جات بعد وقت بسيط، جلست وهي تقول بتذمر:
- بطني ما له ذنب.
ضحك وخلاها على راحتها.
خلصت ورجعت تنام، والحين بعد رجعت تنام.. بس تنام!
وش عندها أصلا شيء ثاني غير النوم تسويه؟
خلص من قهوته وقفل الشباك، لبس وتأنق.
التفت لها قبل لا يخرج وحط بطاقته على الكومدينة:
- روحي المول تسوقي يمكن يتعدل مزاجك شوي.
خرج بعد ما ناظرها للمرة الأخيرة.
جلست بقوة بعد ما خرج وعينها على البطاقة، تحس انها راح تنفجر من الغيظ والقهر.
حركته هذي تنرفزها جدا.
كل ما زعلت قال لها روحي السوق واشتري اللي بخاطرك!
يعتقد انه يراعي خاطرها ويراضيها بهالطريقة!
إلى الآن يعتقد انها تنازلت عن كل شيء وعن حياتها وحريتها وخضعت له عشان الفلوس!
إلى الآن ما يدري، أبدا ما يدري انها تحبه وتموت فيه.
لدرجة إنه الخيانة اللي تبغضها هانت عليها، عشانه هو!
لكن طبعا هو ما يدري، ولا راح يدري.
بما انه يعتقد انها تسوي كل هالأشياء عشان الفلوس بس.
بس طبعا ما هي عبير إذا خيبت ظنه!
تزعل من حركته، بس ما تقصر أبد.. تسوي مثل ما يقول، وتروح السوق تشتري اللي تحتاجه واللي ما تحتاجه.
خلال وقت قصير كانت توقف بالشارع تأشر للتاكسي يوقف لها بعد ما لبست وتحجبت بسرعة ونزلت.
وقتها بس قدر محسن يحرك سيارته ويتجه للجامعة وهو يضحك بسخرية.