الفصل 2
الفصل الثاني.
____
في غرفتها اللي تقضي فيها طول يومها تقريبا، إلا أوقات الأكل وأوقات دراستها.
راقدة على سريرها وتطالع في السقف بشرود.
الهدوء يعم المنزل، اللي بهالوقت يصير موحش جدا.
دايم موحش، لكن بعد العشاء أكثر وحشة أكيد.
حتى صوت حشرات الليل تكون مسموعة بوضوح.
هذه الحياة اللي تعودتها من وهي صغيرة، تكون في مكان هادئ طول اليوم، موحش بالليل!
ما كان يقطع عليها هالوحشة والهدوء المزعجين إلا أخوها اللي ما هو موجود جنبها الحين.
واللي دايم تدعي إنه يرجع لهم سالم.
صحيح ارتباطها بآسر ما أسعدها، لكن انتقاله لبيتهم فرحها شوي.. ظنت إنها وأخيرا راح تلقى من يسليها.
لأن والدينها دايم مشغولين بأعمالهم وبعلاقاتهم اللي تجزم بالمليون إنها كلها قائمة على مجاملات بسبب المصالح!
لكن اللي صار عكس اللي توقعته تماما، صارت تضطر تحبس نفسها بغرفتها أكثر من أول!
غمضت عيونها بضيق وهي تتذكر الأشياء اللي صارت خلال الأربعة وعشرين الماضية.
حظرها زيد عشان آسر، وآسر آخذها للمقهى الجديد، واللي ما كان غير ملك لمشاعل.
جلست بقوة وهي تزفر بملل.
وقفت ورفعت شعرها بعشوائية، قبل لا تخرج من غرفتها.
عضت شفتها بضيق لما طاحت عيونها على الدرج المظلم، اللي يودي للدور العلوي.
وقفت في مكانها للحظات تتأمله وهي تبلع ريقها، من بدأ أبوها يجيب العمال عشان يرممون الشقة اللي ناوي يعطيها إياها، ما راحت لها أبد.
ما كانت متحمسة ولا كان عندها فضول تشوفها.
لكن بعد اللي قاله آسر صار عندها فضول فجأة.
اتجهت للدرج بخطوات بطيئة، وشغلت فلاش جوالها وهي تصعد.
حتى وصلت قدام الشقة، وشغلت الكهرباء بتردد.
فتحت الباب اللي ما كان مقفل بالمفتاح الحمد لله.
توسعت عيونها وهي تشوف هالمنظر اللي ما توقعت تشوفه أبد!
الصورة اللي كانت في بالها جدران نظيفة مطلية بطلاء جديد، غرف نظيفة، أرضية من الرخام الأبيض اللامع.
لكن اللي شافته مختلف تماما!
صدمها صدق.
الصالة اللي كانت مليانة تراب وأغراض مستعملة، وأشبه بمستودع.. تحول لصالة منظرها يسر الناظرين.
من الجدران المطلية بالألوان الفاتحة، والأثاث اللي ألوانه معاكسة لألوان الطلاء.
أثاث فخم وفاخر، تذكر إنها قد شافتها بمكان!
بمحل راحت له مع أمها قبل فترة، يوم راحت تغير غرفة نومها.
سألتها عن اللي عاجبها.. والحين كل اللي اختارته قدامها!
دارت بالشقة كلها وهي مذهولة ومصدومة، من غرفة النوم والمطبخ والمجلس البسيط.. حتى ركن القهوة كان جاهز.
جلست على واحد من الكراسي بالصالة وهي تضحك بغير تصديق.
آسر معاه حق يوم عصب عليها بهالطريقة.
كيف ما يزعل وما يحس بالإهانة وهو يشوف عمته وزوجها يجهزون بيته من دون علمه، ومن دون استشارته، وبدون ما يسألون هل هو عادي يسكن معاهم ولا لا!
عضت شفتها وهي تناظر حوالينها من جديد، جدا أعجبها التصميم، والأثاث.. كل شيء، الشقة بما فيها جميلة.
كل شيء موجود فيها يناسب ذوقها أكيد.
ابتسمت لما لمعت في بالها فكرة، ووقفت بعد ما شغلت الكاميرا.
بدأت تصور فيديو من عند الباب لداخل، لين وصلت للمطبخ، طاح الجوال على الأرض بقوة وهي تسمع صوته الهادئ فجأة:
- وش تسوين؟
التفتت له وهي تصرخ من الفجعة، تحط يدها على صدرها:
- آسر فجعتني الله يسامحك.
ضحك من شكلها وانحنى يأخذ جوالها من الأرض:
- مندمجة مرة وانتِ تصورين بيت المستقبل؟
أخذت منه بتول الجوال وهي منحرجة:
- ما أصوره لنفسي.
جلس على واحد من الكرسي وهو يطالع فيها ببرود:
- أمس عصبتِ لأنك ما تدرين شيء، والحين تصورينها ومبسوطة، لدرجة انك ما انتبهتِ لي، دخلت من بديتِ تصورين.
دخلت بتول الجوال بجيبها:
- قلت لك ما أصور لنفسي، أول مرة أشوف الشقة وعاجبتني، قلت أصور لمحسن عشان يتحمس ويرجع لنا بسرعة.
رفع حاجبه:
- أشك انه راح يرجع.
تغيرت ملامحها وهي تلمس نبرة السخرية في صوته، شهقت فجأة وهي تشوف يده اليمنى ملفوفة بشاش أبيض، قربت منه بخوف:
- وش فيها يدك آسر؟
- رزان، ضربتني بفازة.
زمت شفتها وهي تمسك يده وتطالع فيه بحزن:
- تعورك؟ تعورك كثير؟
وقف وهو يبتسم:
- عسل على قلبي، بس خايفة على غزل، أخاف تأذيها، تقول شغالة هالأيام ضرب وعض.
- صحيح، الله يكون بعونها.
ناظر آسر عيونها يقول:
- آمين، ويكون بعونك بعد كم شهر.
رفعت عيونها له باستغراب:
- وش قصدك؟
حرك كتوفه:
- الشيء الطبيعي والبديهي اللي المفروض يكون في بالك، إنه البنت بعد زواجها تنتقل لبيت زوجها، مو الزوج هو اللي يجي يسكن في بيت أهلها.
ظلت تطالع فيه بصمت، لما رفع يده ورجع خصلة شعرها ورى أذنها:
- يعني يا زوجتي العزيزة راح نسكن مع رزان وغزل، في بيتي، بيت أبوي.. مو هالشقة الفخمة، تمام؟
بلعت ريقها بخوف من فكرة العيش مع رزان في بيت واحد، وما تدري كيف قدرت تقول اللي قالته بحدة:
- يعني قدرت تتركهم وتجي تعيش في ملحق بيتنا قبل الزواج، ليش ممنوع بعد الزواج؟
ضحك آسر:
- غصبا عني، عشان أمك الحنونة لازم تعرف تقيمني صح وتثق فيني قبل لا تسلمك لي، وتسمح لك تعيشين معي طول العمر.
بتول بغيظ:
- يعني تتوقع انك كسبت ثقتها الحين؟ وانت ما قد احترمتها ولا تكلمت معاها بأدب؟
دخل يده السليمة بجيب بنطلونه:
- والله هي مو هامتها طريقة تعاملي معاها، أهم شيء عندها اني أعامل بنتها كويس.
ضحكت بسخرية وأعصابها بدت تتلف:
- وتعاملها كويس؟
- برضوا هالشيء مو مهم، لأنها ما تدري.. المهم انه زوجتي قاعدة تنقل عني صورة حلوة، وتقوم بالمهمة على أكمل وجه.
طالعت فيه بذهول، وفتحت فمها تبي ترد عليه بقسوة زي ما يسوي هو، بالنهاية فضلت تترك هالجدال اللي راح تطلع منه خسرانة ومجروحة.
رفعت يدينها بقلة حيلة واختفت عن عيونه بسرعة البرق بدون ما تقول شيء.
نزلت لغرفتها وقفلت الباب وراها.
جلست على كرسي مكتبها وهي تمسك رأسها بيدينها من الصداع اللي داهمها من مجرد تفكيرها انها راح تضطر تعيش مع رزان!
طبعا غزل ما هي هينة، بس رزان ما هي طبيعية، رزان مريضة وممكن تأذيها بأي لحظة!
توه يقول انه خايف على غزل لا تأذيها رزان، وهي متعودة عليها وترعاها طول الوقت.
كيف يفكر يأخذها؟ وهي ما عمرها تعاملت مع ناس غريبين.
غير كلامه اللي يسم البدن.
فعلا تبي تعرف آسر من وين جايب كل هالقسوة؟
كيف عايش وهو ما يحس بالناس ولا يراعي شعورهم أبد؟
______
صباح الأحد..
أمس بالليل ودعت أولادها بالدموع، بكت كأنها ما راح تشوفهم مرة ثانية بنهاية الأسبوع.
ضمت عهد بكل قوتها، واللي كانت متعودة تشوفها كل صباح بالمدرسة، لكن من هالأسبوع الوضع مختلف، ما عاد راح تشوفها يوميا.
صحيح ما تفرق بين أحد من عيالها، ولا قدر عهد عندها أكبر من قدر باقي عيالها.. لكن هي الوحيدة اللي كانت تشوفها يوميا.
لذلك شعورها كان مختلف تجاهها، أو يمكن لأنها كانت خايفة تكون الثانية زعلانة منها؟
تحمد الله مليون مرة إنه عهد بالرغم من صغر سنها، إلا انها عاقلة وذكية جدا.
تقدر تتعامل مع كل الظروف، مهما كانت صعبة.
ما تنسى اللي قالته قبل لا تطلع من البيت ( ثمرة تربيتك لنا يا أمي راح تبان الحين واحنا لوحدنا بدونك، راح أثبت لك إنك خلفتِ عيال نادرين جدا، ومو مثل أي أحد، راح أثبت لك إننا قد المسؤولية، كلنا مني لإياد، وراح أثبت لك إنك ما غلطتِ أبد بأي شيء، عشان كذا ريحي بالك وارتاحي، لا تعوري راسك بالتفكير ولا تشيلي همنا أبد).
بس خلصت عهد عبارتها بكت أكثر.
حتى لو كانت واثقة بعهد، وواثقة بتربيتها لهم.. طبيعي راح تكون خايفة وشايلة هم ومعاهم إنسانة غريبة، دخلت في بيتهم تبي تستغل ضعف وائل؟
خاصة لو كانت هالإنسانة هي بدور، الخوف أكبر وأعظم.
بنفس الوقت متطمنة من ناحية إنها خلتهم يحسوا بالمسؤولية من هم صغار.
خلتهم يعتمدوا على نفسهم.
لأن والدهم أبدا ما يُعتمد عليه.
بنفس الوقت لو كان هو ما يفرط في حبهم ما تركتهم أكيد.
وقفت قدام المرايا تتأفف وتتذمر من تفكيرها الزايد اللي صدعها.
قعدت على كرسي التسريحة تطالع في وجهها بإحباط، لما شافت خط هالات بسيط تحت عيونها من التفكير، والأرق اللي حرمها من النوم طول الليل.
حطت شيء بسيط على وجهها تخفي التعب.
ثم سرحت شعرها بطريقة أنيقة.
خلال ربع ساعة كانت بالمطبخ، بيدها العباية والشنطة:
- صباح الخير حميدة.
- صباح النور ماما مشاعل.
جلست مشاعل تتأفف:
- يا بنتي أنا ماني أمك، قولي مشاعل وبس.
- تقولين بنتي وما تبين أناديك ماما.
مشاعل بضحكة:
- تمام ما راح أقول بنتي، بس تكفين ما تناديني ماما.
- طيب.
- أمي أفطرت؟
- الحين بحط لها، هي وزيد.
- تمام بسرعة، لازم تأخذ الدوا من بدري.
قامت واتجهت لغرفة أمها بالدور الأرضي، دقت الباب بشويش قبل لا تفتحه وتدخل:
- وش نومك هنا يا البزر؟
زيد اللي كان وجهه منتفخ من النوم، قرب من أمه وحضنها:
- اشتقت لحضنها.
ابتسمت مشاعل وهي تقرب من أمها وتبوس جبينها:
- صباح الخير يمه.
- صباح النور يا بنتي.
فاجأها زيد باللي قاله بحدة لما جلست:
- أمس رحت للكوفي الجديد حقك بشارع الــ………..، أبد ما بغيت أموت من الصدمة.
عضت مشاعل باطن شفتها ثم ابتسمت:
- لو ما كانت بعيدة كنت أخليك تديرها بنفسك.
- بلا كذب، ما خليتيني أدير حتى أقرب فرع من هنا.
مشاعل بهدوء:
- اهدأ زيد، أنا أبيك تتعلم الشغل زين، لو صرت عارف كل شيء وصرت جاد مثل آسر بعطيك أكثر من محل تشرف عليهم، لكن انت أبد مانت مهتم، كل اللي تبيه الإسم والاحترام من العاملين، صح ولا أنا غلطانة.
احمر وجهه من الغيظ:
- ما أدري مين أقرب لك منا، أنا ولا آسر، ومو عارف إيش ناوية عليه بالضبط وانتِ تفضلين عدوي عليّ.
ضربته أمه على رأسه:
- وين الاحترام يا زيد؟
- أنا محترمها يا يمه بس فعلا أفعالها مو مبررة، شلون تسوي كذا؟ كيف تخلي آسر يتصرف في المقهى كأنه هو المالك وبنى المكان بدم قلبه!
مشاعل بحدة:
- زيد لا تكبر الموضوع، أنا بس حبيت أساعده لأنه خسر شغله، المطعم اللي قعد سنين يبنيه وتعب عليه، بس يرجع يفتحه بعد الترميم راح يرجعه لي.
ضحك بسخرية:
- متأكد مليون بالمية انه راح يستغلك كويس ويخليك تفلسين ثم يروح.
أخذت مشاعل علبة المناديل اللي كانت على الأرض وقذفتها عليه:
- تأدب زيد، وبلاش دراما.
قام معصب:
-أجل خليه ينفعك، هاللي ما يتسمى، وإذا فات الأوان قولي زيد قال.
ابتسمت بألم وهي تشوف هالتصرف السيء منه، والتفتت تناظر أمها بقلة حيلة.
- مو محزنني إلا تعلقه ببتول، وإنه مو قادر ينساها حتى وهي على وشك الزواج.
أمها بهدوء وصدق:
- اللي مزعلك شيء ثاني يا مشاعل، تزعلين لما يرفع صوته وينسى نفسه قدامك.
تنهدت بعمق وعضت شفتها تكتم احساسها بالجرح.
أمها صادقة، أكثر شيء يزعلها لما زيد ينسى نفسه ويقلل احترامه لها.
حتى لو كان الموضوع يستاهل عصبيته وقلة أدبه.
ما تحب تشوفه كذا، لأنه ما عاد صغير.. ولا عاد الطفل اللي يجهل طبيعه علاقته معها.
انتبهت من شرودها على صوت حميدة:
- زيد ما راح يفطر؟
مشاعل:
- خليه بكيفه إذا يبي ينزل.
أمها بعد ما حطت حميدة الصحن وخرجت:
- وانتِ بعد خفي عليه يا بنتي، لا عاد تقهريه بآسر، صدمته ما كانت عادية.
مشاعل ببرود عكس اللي تحس فيه:
- لازم يتجاوز هالمرحلة عشان يصير انسان قوي، ما راح أسمح لبنت مثل بتول تطيحه بهالشكل.
- ما راح يصير مثل ما تبين إذا قهرتيه وزعلتيه.
بلعت مشاعل لقمتها بصعوبة.
كانت متوقعة زعل زيد وعصبيته من الموضوع، لكن ما كانت متوقعة انها راح تتضايق بهالشكل.
بعد ما خلصت فطورها قامت تحمد الله، سلمت على أمها وخرجت وهي تتصل بزيد.
اللي رد عليها على طول وقال بجمود:
- أنتظرك بالسيارة.
_____
من البداية وهي تحاول تتقبلها، أو تتقبل الوضع عشان اخوانها على الأقل.
أو عشان أمها اللي وصتها على أبوها، وصتها إنها ما تقلل احترامها له بسبب زواجه، أو تأذيه بعقوقها.
عشان كذا كانت تتحمل حركات بدور الغير مقبولة، حاجات كثيرة سوتها عشان تستفزها من أول يوم دخلت فيه هالبيت، حتى لو كانت هالحاجات بسيطة.. طبيعي ما راح تتقبلها بما إنها صادرة من زوجة أب، ومن إنسانة دخيلة على حياتهم اللي كانت جدا هادئة!
لكن بما انها بطبعها صبورة وتقدر تكظم غيظها، زيادة على محاولتها لإقناع نفسها إنه مو كل زوجات الآباء شريرات مثل ما يصور لنا الإعلام، أو مثل القصص اللي تسمعها.
كانت تسكت وتتحمل.
والظاهر هالشيء هو اللي استفز بدور.
قهرها صبر عهد!
توقف قدام أبوها ووجهها محمر من الغيظ، تمسك يد أختها الصغيرة اللي تبكي.
ابتسمت بسخرية بعد الصمت الطويل اللي ساد المكان إلا من صوت بكاء ميس:
- يعني إيش يا يبه؟ مانت قادر تتكلم؟ تفتح فمك تقول شيء لهذي الواقفة جنبك ولا كأنها مسوية شيء؟
فتحت بدور فمها بترد، لكن عهد سكتتها بصوت عالِ:
- أصص انتِ ولا كلمة، ما أبي أسمع صوتك.
توسعت عيون بدور بصدمة، ورفعت هي صوتها أكثر:
- لا والله صمخت، وائل تسكت بنتك ولا أسكتها.
عهد بغيظ:
- تبيه يسكتني ويسوي فيني اللي سويتيه بأختي؟ ما عندك رحمة انتِ؟ ما عندك قلب؟ طفلة صغيرة وش فهمها؟ ما كانت متعمدة تطيح المويا، كيف قدرتِ تمدين يدك عليها وتضربين؟
رفعت عيونها لأبوها بقهر، واللي كان واقف وساكت يناظر فيها بنظرات غامضة.
كأنه محتار ومو عارف، هل لازم يوقف معاها عشان بنته الصغيرة ولا لا!
بدور:
- إيه الحين طفلة صغيرة، يوم تقلون أدبكم عادي صح؟
قربت منها عهد كم خطوة:
- ما قد قلينا أدبنا معك، تجين تحارشين ونرد عليك، ليش مقهورة؟ ولا تبين تطلعين أي علة علينا عشان تخلين أبوي يقطنا برة.
وطالعت في أبوها وهي مو حاسة بنفسها من البركان اللي بصدرها:
- طبعا ما راح يتردد يسوي هالشيء إذا تبليتِ علينا راح يصدقك على طول وراح يحاول يخرجنا، بس تخسين والله ما نسمح لك تحققين مرادك يا عديمة الحيا، هذا بيت أمي، انتِ تطلعين مع زوجك وولدك، واحنا راح نقعد.
بدور اللي فقدت أعصابها تماما من كلام عهد اللي ما توقعته، بنفس الوقت حاسة بانتصار.
كانت فعلا تبيها تطلع عن طورها عشان تلقى فرصة تبين فيها لوائل إنه بنته مو هينة، وإنها مستقبلا راح تحاول تطلعها من هالبيت بأي لحظة.
كانت محظوظة هالمرة، محظوظة حيل لأنه وائل موجود!
قربت من عهد من دون ما تحس ورفعت يدها، إلا انها وقفت في الهواء، وصرخت لما لوتها عهد بقوة ووجهها كأنه على وشك الانفجار من كمية الدم اللي تجمعت فيه.
التفتت لوائل بعصبية:
- إيش واقف تتفرج؟ سوي فيها شيء خليها تعقل، كيف تجرأت ورفعت يدها؟
تكلم وائل أخيرا بعد ما حلّ صمت قصير، ونزلوا سامر وإياد من غرفتهم لما وصلتهم الأصوات:
- أنا من البداية قاعد أحاول أمسك نفسي يا بدور، اطلعي غرفتك لا تطلع عصبيتي عليك؟
احمرّت عيونها من الغضب:
- ليش ما شاء الله؟ ليش أنا؟ هم يقلون أدبهم وتعصب عليّ أنا؟
وائل بحدة ما توقعتها منه:
- أول شيء مديتِ يدك على ميس وسكتت، بعد كذا رفعتيها على عهد.. وهذي المرة الأولى والأخيرة اللي ترفعين فيها يدك على أحد من عيالي، مفهوم؟
حست بالكتمة من القهر والعصبية، خاصة لما نزلت دمعتها ورفعت يدها بسرعة تمسحها تحت أنظار الكل، الشيء اللي تمنت لو تموت ولا يصير!
التفتت عنه وطاحت عينها على عهد اللي ميلت فمها بسخرية وتكتفت.
توعدتها بداخلها وهي تحس بنار في صدرها من الغيظ.
ابتعدت عنهم وصعدت لفوق وصوت كعبها يصدح في البيت كله.
تنهد وائل بضيق ثم طالع في بناته، تفاجأ من ناظرته عهد بعتاب ومسكت يد أختها وطلعت هي الثانية.
تألمت عهد لما شافت نظرته المصدومة، يمكن توقع انها بتوقف تشكره على بطولته اللي أظهرها قدام بدور، وعلى انه دافع عنهم هم دون بدور!
صحيح أسعدها هالشيء وحست بالانتصار، لكنه هو قهرها بسكوته الطويل قبل لا يقرر إيش الصح!
الحقيقة واضحة وضوح الشمس من البداية، ليس كان محتار؟
ليش كان صعب عليه يدافع عن بناته قدام زوجته الثانية؟
دخلت غرفتها وقفلت الباب وراها بعد ما دخلوا وراها اخوانها.
ساعدت ميس ترقد، واللي لا زالت تشهق بصوت واطي خوفا من عهد اللي إذا عصبت ما تعرف أحد.
صحيح ما تعصب إلا نادر، لكن عصبيتها عمياء.
عقدت حواجبها بضيق لما سمعت سامر يقول:
- شفتِ؟ عطيتيها وجه وخليتِ رأسها يكبر لين صارت تمد يدها عليكم.
اكتفت بالسكوت وهي تجلس على كرسي التسريحة وتفتح شعرها تمشطه.
انقهر سامر من برودها:
- أنا أكلمك.
عهد بهدوء:
- إيش تباني أسوي الحين؟ أصفق لك عشان كلامك طلع صحيح؟
طالع فيها بقهر من دون ما يقول شيء.
التفتت له عهد تكمل بنفس النبرة الهادئة:
- بغض النظر عن اللي صار، قدرت أقلب الوضع لصالحي يا سامر وخليتها هي الغلطانة، هي طبعا غلطانة بس على الأقل أبوي دافع عنا احنا، ما في داعي نقلق أو نخاف من شيء.
سامر اللي ما له خلق يفكر بالمنطق، ولا يقدر يستوعب مثل هالمواضيع مثل أخته.
تأفف وجلس جنب الصغيرة:
- من وين ضربتك؟ يعورك شيء؟
ميس:
- ضربتني على يدي بقوة، تعورت شوي.
مسك سامر يدها وانقهر وهو يشوف البقعة اللي احمرت من قوة الضربة.
وقف بعصبية، قبل لا توقفه عهد وهي تقول:
- اهدأ ما صار شيء، أنا أعرف كيف أتعامل معاها، الحين روح تجهز لا تتأخر على المدرسة.
طالع فيها سامر بقلة حيلة قبل لا يخرج ويقفل الباب وراه بقوة.
تنهدت هي الثانية وعضت شفتها بزعل.
مسكت راسها لما وقفت وحست بالصداع.
سكتت سامر وهدأته، لكن هي من يهديها ويخفف هالقلق اللي تحس فيه؟
ماحد يدري شكثر حست بالخوف لما سمعت صوت صراخ ميس الجاي من تحت، وهي عارفة انه ما في أحد هناك غير ميس وبدور.
كأنها وهي نازلة تسمع بأذنها هالعبارة ( بداية العاصفة- بداية الصراع)!
من شافت وجه بدور والملامح الماكرة والحادة اللي تميزها عرفت انها مو هينة.
لذلك ما قدرت تتقبلها.
كل يوم تأكد لها بتصرفاتها المتعالية انها فعلا ماكرة ومو هينة، لكن اليوم أيقنت وبقوة انها خبيثة.. وما راح تتركهم يتهنون.
أبوها أضعف من انه يقدر يخوف بدور أو يوقفها عند حدها بمجرد نطقه كم كلمة، ينتظرها هي واخوانها الكثير في الأيام الجاية.
______
مهما حاول يفكر ويلقى سبب منطقي للي سواه ما يشوف شيء يخليه يقتنع.
غباء، وشيء من التهور!
أو يمكن.. خطوة جديدة أكثر خطورة من سابقتها، وما قد مرت على باله من قبل.
شيء ممكن يضعف خصمه ويخليه يعيش المعاناة صدق!
تأفف من حس بالجوع يقرص بطنه، آخر شيء أكله كانت خفايف طبختها غزل عشانه، وما قدر يتعشى لأنه كان شبعان.
واليوم أول ما صحي جا هنا.
اعتدل بجلسته لما انفتح باب البيت اللي وقف سيارته بعيد عنه شوي.
كان وائل زوج مشاعل، شايل بنته الصغيرة ميس.
وراه سامر اللي مشاعل كانت تحكيه عنه، وانه أخذ هو الثاني من تصرفاته كثير، عصبي ومزاجي وما يبتسم إلا قليل.
بعده الولد الصغير إياد، يتذكره كويس.. زيد ما كان يروح لمكان أيام صحبتهم إلا ويأخذه معاه حتى وهو طفل صغير، يحبه بشكل مو طبيعي.
استغرب لما قفل الباب وراه وهي ما خرجت!
ما بتداوم؟ ولا تنتظر زيد زي هذاك اليوم؟
طبعا إذا جا زيد وشاف سيارته راح يصير هو في عداد الموتى.
تحركت سيارة وائل وابتعدت، وتنهد هو بملل.. تأفف بسبب المشوار اللي ضربه عشانها بالنهاية ما شافها.
عدل جلسته وشغل السيارة، أول ما نوى يحركها تفاجأ بباص كبير يوقف قدام البيت ودق الهرن.
انفتح الباب مرة ثانية وخرجت هي..
تأملها من دون ما يحس بنفسه، كان طولها متوسط، بس هذا اللي قدر يميزه من مظهرها بالعباية.
غير مشيتها الواثقة اللي ذكّرَتَهْ بمشاعل.
أكيد البنت ما تختلف عن أمها!
حرك السيارة أخيرا بعد ما اختفى الباص عن عيونه، وأخذ جواله اللي كان يرن.
تأفف وهو يقفل الخط بعد ما خبره عمه إنه بتول ما عندها من يوصلها الجامعة قبل الساعة 8.
كان ناوي يمر على اخواته يتطمن عليهم حتى لو شافهم أمس.
لكن لما عمه يأمره بشيء ضروري يقول له سمعا وطاعة، حتى لو كان كاره هالشيء.
اتصل عليها لما قرب من بيتهم، ونزلت هي فورا.
ألقت السلام بصوت خافت أول ما ركبت، ورد هو بصوت أخفض.
كان واضح من صوتها إنها زعلانة، وكثير!
بس طبعا زعلها آخر همه.
ممكن تحرك فيه شيء بسيط أحيانا، ويعتذر هو فعلا إذا حس إنه زودها.
لكن أبدا هي ما تشغل حتى حيز صغير من قلبه عشان يعتذر على كل شيء يسويه.
يمكن هذا الشيء اللي خلاها تبغضه دايم.. بنفس الوقت مضطرة تتحمله.
له دين كبير على عاتقها هي وأهلها كلهم.
فجأة حن قلبه ولان، لما مر من الشارع اللي فيه المقهى الجديد.
ابتسم وهو يوقف السيارة ويقول بهدوء:
- يمدحون قهوة الصباح عندنا.
استغربت بتول من حركته، الا إنها قالت:
- أي قهوة الحين؟ بتأخر.. محاضرتي بعد نص ساعة.
- راح توصلين قبل المحاضرة بخمس دقايق، انتظري ما راح أطول.
قالها ونزل.
تأففت بتول وهي تحط يدها على خدها وتسند رأسها على الشباك تنتظر بملل.
عواصف من المشاعر المختلطة اجتاحتها وهي تشوف اللي ما توقعته قدام عيونها.
شوق وحنين وخوف وإحساس بتأنيب الضمير!
كل هالأشياء خلتها تعتدل بجلستها وتفتح الباب وتترجل من السيارة من دون ما تحس.
عدم إحساسها هذا خلاها تناديه بإسمه، وتوقف الكون حوله هو الثاني:
- زيد.
زيد اللي جا للمقهى مرغم وغصبا عنه لما مشاعل طلبت منه تمر عليه.
وهو كاره المكان جدا بعد ما سمع انه صار لآسر.
دخلت مشاعل لداخل من عشر دقايق، وظل هو ينتظر بالسيارة.
حتى شاف سيارة آسر تتوقف ورى سيارته وينزل منها ويدخل المقهى، على وجهه راحة عجيبة ما شافها زيد فيه من مدة طويلة.
هالشعور خلاه هو الثاني يحس بالقهر وينزل، فيه طاقة غريبة تحثه على ضرب آسر وإن كان يكره يسوي هالشيء في رفيق عمره.
لكن فعلا الخذلان اللي خلاه يحس فيه، الخيانة العظمى اللي تركه يتجرع مرارتها، الشعور المؤلم بعد العشرة الطويلة.. كل هالأشياء مو قادر يتخطاها.
غير قهره من مشاعل واللي سوته لما فضلت آسر عليه هو أخوها.
لكنه أول ما نزل وخطى أولى خطواته ناحية المقهى، حس بالدنيا تتوقف وكل شيء يختفي من حوله، إلا صوتها!
اجتاحته صدمة قوية وهو يسمع اسمه بصوتها بعد هالفترة الطويلة.
التفت لها بملامح جامدة، وحس قلبه يعوره وهو يشوفها واقفة جانب السيارة، تضم كفوفها ببعض بقوة.
الوقفة الضعيفة الخاصة ببتول، واللي مستحيل تتغير.
كان وده يتكلم، يعاتب، يخاصم يقول أي شيء يريحه، لكن حرفيا لسانه انعقد وما قدر ينطق بحرف واحد.
وجات المبادرة منها مرة ثانية، لما قالت بصوت واطي:
- زيد أنا……..
سكتت، مو عارفة بإيش تكمل.. إيش كانت ناوية تقول، أو أساسا ليش نزلت من السيارة ونادته ما تدري.
كل اللي تعرفه انها مشتاقة له بشكل ماحد يتخيله.
ابتسم بسخرية لما طال صمتها:
- انتِ إيش؟ هل انتِ آسفة؟ طبعا لا، والدليل انك واضح جدا مرتاحة مع رفيقي الخاين، وتتهميني بحرق محله، توقفين قدامي الحين بكل وقاحة بعد ما خنتيني، ناوية تخونين صديقي بعد؟ اعذريني يا اختي أنا ماني قذر زيكم عشان ألعب بطريقتكم، ارجعي للسيارة ولا عاد أشوفك مرة ثانية، ما ودي انك توجعين صديق عمري.
حست بسكاكين تنغرز بصدرها وهي تسمع هالكلام المسموم منه.
تدري انه يستهزئ فيها هي وآسر، يبي يوجعها بأقسى طريقة ممكنة على اللي سوته.
لكن حلال عليه، اللي شافه منهم مو هين.
حبيبته وصديق عمره على قولته.
رجع زيد لسيارته بدال لا يدخل المقهى، وهو حاس بألم غير طبيعي.
حتى رأسه أوجعه من ذكرى هذيك الليلة اللي خسر فيها كل شيء حلو بحياته، صديقه آسر ومحبوبته بتول.
رجعت بتول لسيارة آسر وهي تحاول قد ما تقدر إنها تمسك نفسها ولا تبكي من الضيق اللي تحس فيه.
ما تبي آسر يرجع ويعرف انها كانت واقفة مع زيد قبل شوي.
حتى زيد ما يبي مشاعل ولا آسر يدرون انه كان واقف معاها.
لكن اللي ما يعرفوه هم الاثنين، انه الاثنين اللي بالداخل كانوا شاهدين للموقف.
آسر من الدور السفلي من الواجهة الزجاجية، ومشاعل اللي كانت في الدور العلوي تشوف التغييرات البسيطة اللي أجراها آسر في المكان كله.
______
يتبع..
Like
رد مع اقتباس إقتباس متعدد لهذه المشاركة الرد السريع على هذه المشاركة
#8 أضافة تقييم إلى فيتامين سي تقرير بمشاركة سيئة
قديم 13-08-20, 11:52 PM
الصورة الرمزية فيتامين سي
فيتامين سي فيتامين سي غير متواجد حالياً
مراقبة عامة ومشرفة منتدى الروايات المنقولة
في مكان آخر بعيد عن الشخصيات المذكورة..
خرجت من المصعد وبيدها الكثير من الأكياس الثقيلة اللي أحنت كتوفها وظهرها، مشت بسرعة لناحية باب شقتها حتى وصلت وحطت الأغراض على الأرض.
غمضت عيونها تتنفس بعد هالتعب.
من السوبر ماركت للعمارة، ومن المصعد لباب شقتها.. المسافة ما هي بعيدة أبدا، لكن الأغراض مو قليلة.
فتحت الباب بمفتاحها، وما استغربت من الهدوء اللي يعم المكان الشقة بالرغم من أن الوقت حاليا بعز النهار.
فتحت جزمتها عند الباب ودخلت تاركته مفتوح، تناديه بصوت عالِ وهي متأكدة انه صاحي لكن مشغول مثل دايم:
- محسن الأغراض عند الباب، ووالله اني مو مدخلتها ولا مقفلة الباب حتى لو دخلوا الحرامية.
محسن اللي كان جالس بالصالة وممدد رجوله على الكنبة الطويلة، رفع عيونه عن البحث اللي بيده:
- بالله؟
طالعت فيه بغيظ:
- إيه، يكفي اني رحت أجيبها كلها من السوبر ماركت وراعيت انشغالك، دخلها على الأقل، ظهري بينكسر والله.
رمت شنطتها الصغيرة على الأريكة الفاضية ودخلت غرفتها تتذمر.
رفع حواجبه باستغراب من عصبيتها، واللي المفروض يكون متعود عليها بما انها دايم كذا، إلا انه أبدا ما يتوقع ولا يعتقد انه تصرفاته ما تعصب أحد!
قام من مكانه بملل وتوجه للباب، دخل الأغراض وقفل الباب وراه.
التفت لها لما خرجت من الغرفة بعد ما فكت حجابها:
- يا ليت ترتبهم بعد، لأني تعبانة وبنام لبكرة الصبح.
دخلت قبل لا يرد وتركته واقف في مكانه محتار.
صحيح إنه مزاجها غالبا ما يكون معكّر، لكن اليوم واضح فيها شيء.
قطب جبينه لما طاحت عينه على شنطتها المفتوحة، بداخلها ظرف عليه طابع.
ابتسم بسخرية وضحك وهو رايح صوب الشنطة، مين الحين يرسل رسائل ورقية؟
أخذ الظرف وقلبه بيده، استغرب لما قرأ المكتوب خلف الظرف الأنيق ( دعوة زواج ).
خرج اللي بالداخل بسرعة، الحين عرف ليش هي معصبة كذا.
اتجه للغرفة وما استغرب لما لقاه مقفل بالمفتاح.
رفع يده يدقه بخفة:
- افتحي يا عبير.
ما جاه أي رد، ظل يدقه بنفس الوتيرة لعدة دقائق، حتى خرجت له ووجهها محمر ومنتفخ:
- نعم، قلت لك بنام اتركني.
تأملها شوي قبل لا يضحك ويرفع الظرف:
- هذا السبب؟
طالعت فيه بصدمة وسحبته:
- انت مين سمح لك تفتش شنطتي؟
تكتف وسند كتفه على طرف الباب:
- ماحد، هو طاح بنفسه من الشنطة.
ناظرته بغيظ ورجعت للسرير، رقدت وتغطت:
- تمام ما فيه داعي نتناقش ونتكلم عن الموضوع، دامني عارفة رايك من البداية.
تقدم محسن بخطوات بطيئة:
- حرام ليش تتوقعي مني أحرمك من عرس أخوك؟
فزت عبير وجلست تناظر فيه بصدمة وفرح بنفس الوقت:
- تتكلم جد؟
تغيرت ملامحه الهادئة وصارت حادة فجأة، لدرجة انها خافت:
- هذا اللي توقعتِ تسمعيه مني؟ أنا أدري يا عبير تعمدتِ تسوين هالحركات وتخلي الشنطة مفتوحة عشان أنتبه وأجي أقول لك بنفسي اني أسمح لك تروحين، لكن تحلمين.
أدمعت عيونها غصبا عنها، الا انها قدرت تمسك نفسها بطريقة عجيبة.
لما ما ردت عليه ورجعت ترقد وتتغطى، حس محسن بشيء من العصبية.
إلا انه هو الثاني قرر يسكت ولا يكبر الموضوع زيادة.
بما انها سكتت ورضت، أو مغصوبة انها ترضى.. ما يبي يجرحها ويزعلها أكثر.
جاها منه اللي يكفيها طول سنوات زواجها منه.
خرج من الغرفة وقفل الباب وراه، حمل الأكياس وأخذها للمطبخ.
راح يرتبها لها زي ما طلبت، وراح يطبخ لها العشا كمان.
حاس بالذنب وتأنيب الضمير، لكن فعلا مو بيده.. ما يقدر يطاوعها ويخليها تسافر الحين.
في الغرفة..
كانت شادة على طرف اللحاف وتبكي بصمت.
حاسة بالصداع يفتت خلايا مخها من الإنفعالات اللي كبتتها.
ودها تصرخ وتبكي بقوة، تهاوشه وتلومه.
لكن مو من حقها هالشيء، هي اللي عودته يتحكم بمثل هالقرار من زمان.
وعدته ووعدت اهلها ما تسافر لهم إلا برضاه ومعاه هو، وهي كانت عارفة انه مستحيل يترك هالمكان قبل لا يكمل فيه عشرين سنة على الأقل.
كل هالسنين تكسر الظهر وتهد الحيل.
لكن الغلط أبدا مو غلطه، غلطها هي اللي طاوعته بكل غباء وراحت وراه لآخر الدنيا، بس عشان ترضي نفسها وغرورها اللي خلاها تغدر بصديقة عمرها، عشان الشخص اللي حرمها من أهلها ومن حياتها الطبيعية، لسنين طويلة !
___
تجلس على الأرض بتعب وترفع ذراعها تمسح العرق النازل من جبينها، غمضت عيونها للحظات قبل لا ترفع اليد الثانية وتشوف الساعة.
تأففت والدموع بعيونها من الملل والتعب اللي تحس فيه.
عضت شفتها بقلة حيلة وهي ترجع تمسح الأرضية بكل جهدها علها تخلص بسرعة.
تقريبا لها ساعة كاملة وهي تشتغل محنية ظهرها.
ظهرها اللي تحس انه بعد كم يوم راح ينكسر فعليا من كثر ما تمسح هالأرضية بالمعقمات، يوميا من الصباح.
أحيانا تضطر تمسحها مرتين أو ثلاث باليوم.
خلصت أخيرا، ورفعت يدها تناظر الساعة مرة ثانية.
رمت القماش القطني بالحوض وهي تقول:
- ساعة و13 دقيقة تماما يا غزل، ساعة و13 دقيقة كمان راحت من حياتك وانتِ ما حققتِ حتى جزء بسيط من حلمك! ساعة و13 دقيقة!
نزلت عنها المريلة وعلقتها في مكانها المخصص، قبل لا تتجه لغرفتها.
وقفت قدام غرفة أختها وهي تهمس وتدعي بداخلها:
- يا رب تنامين نومة أهل الكهف يا رزان وتريحيني شوي، آمين.
دخلت لغرفتها ووقفت قدام المرايا تمسح العرق عن وجهها.
ابتسمت لنفسها وهي تتخصر وتتمايل بوقفتها ثم ترسل لنفسها قبلة على المرايا:
- قمر يا غزل والله قمر، بس متى بيجي الفارس على الجواد الأبيض، هف.
بعد مرور بعض الوقت كانت توقف قدام المرايا مرة ثانية تمشط شعرها المبلل وتدهن يدينها بمرطب معطر.
قطبت جبينها باستغراب لما سمعت صوت الجرس، ناظرت الساعة، كانت 10 ونص صباحا.
آسر بيكون مشغول الحين!
خرجت من غرفتها وهي تسأل بصوت عالِ:
- مين؟
تأففت لما سمعت صوتها:
- عمتك هاجر.
كشرت بقرف تهمس لنفسها:
- أمحق عمة.
فتحت الباب وهي راسمة ابتسامة واسعة:
- يا حيّ الله عمتي هاجر، أخيرا قررتِ تنورينا وتزورين بيتنا المتواضع؟
ابتسمت لها هاجر ابتسامة صغيرة وهي تسلم عليها.
انقهرت غزل لما حست انها تسلم بترفع كأنها مجبورة.
- من زمان ودي أزوركم يا بنتي، بس تعرفين الاشغال واجتماعات الشغل نفسها ما تخلص.
غزل بوزت ومدت شفايفها بسخرية وهي تقفل الباب بما انه هاجر وراها.
ابتسمت لها لما سألت:
- إيه يا غزل وين أجلس؟
دخلت غزل للصالة وأشرت بيدها للكنبة الفردية:
- تفضلي هنا، وتطمني تراني توني معقمة كل البيت من شوي، ارتاحي.
حركت هاجر حاجبها وناولت اللي بيدها لغزل.
قبل ما تجلس بهدوء وتحط رجل على رجل، تمرر أنظارها على البيت كله.
فعلا كان مرتب جدا، تفوح منه ريحة النظافة اللي تشرح الصدر.
ولا كأنه في البيت في إنسانة مجنونة!
أخذت غزل الأغراض وحطتها على طاولة المطبخ البسيطة قبل لا تكش بيدها ناحية الصالة:
- الحين أنا فاضية أضيف هاللي شايفة نفسها بعد؟ الواحد ما يرتاح! أوف.
حضرت القهوة خلال لحظات ورتبت الحلويات اللي جابتها هاجر على صحن صغير، رتبت لبسها وشعرها وشالت الصحن.
خرجت للصالة بنفس الإبتسامة المصطنعة:
- يا حيّ الله عمتي هاجر، نورتِ بيتنا.
ابتسمت لها هاجر بتكلف وعدلت جلستها:
- وين رزان ما لها حس؟
جلست غزل تتنهد بتعب:
- توها نامت قبل ساعتين تقريبا.
طالعت فيها هاجر من رجلها لرأسها وهي تحس بشيء من الشفقة تجاهها.
حتى ارتبكت غزل وابتسمت:
- ما عرفت سبب زيارتك، شوق ولا في شيء ثاني؟
هاجر وهي تتأمل فيها وتنزل فنجال القهوة من فمها:
- صراحة جاية أتطمن عليك انتِ وأختك، آسر بعد اللي صار له أكيد انه مشغول وما قدر يجيكم كثير.
رفعت حواجبها وهي تتحاشى النظر فيها، حست بشيء غريب في قلبها، إلا انها تظاهرت وكأنه الموضوع عادي، وهو مو عادي أبدا بما إنه الكلام طالع من فم هاجر:
- لا تشيلي هم، آسر يجينا كل يوم، حتى أمس كان هنا.. وأعتقد راح يجي بعد شوي بعد.
ابتسمت هاجر:
- كويس، الصراحة عندي موضوع أبي أكلمك فيه.
- تفضلي أسمعك.
هاجر وهي تمثل التردد قبل لا تقول:
- اختك رزان، ليش ما تتعالج بمستشفى المجانين؟
ناظرت فيها غزل بصمت لعدة ثوانِ، قبل لا تتوسع عينها ثم تغطي فمها وتضحك:
- نعم؟ وش قلتِ عمتي؟ عفوا يمكن سمعتك غلط!
ابتسمت هاجر بهدوء وهي كانت متوقعة ردة فعل أسوأ:
- خليني أكون صريحة معك يا غزل، رزان لها وقت طويل على هالوضع، آسر اهتم فيها لفترة، وانتِ من عرفتِ نفسك وانتِ تخدمينها ليل نهار، لا دراسة ولا حياة مثل باقي البنات بعمرك، يعني تقريبا شبابك بيروح وانتِ قاعدة في البيت عشان اختك اللي ما في أمل انها تتحسن أو ترجع طبيعية في وقت قريب.
كملت وعينها بعيون غزل:
- أكيد تتمنين تعيشين حياة حلوة تكونين حرة تجين وتروحين وتدلعين نفسك مثل العالم، وأكيد عندك أحلامك الخاصة كمان، وانتِ تستحقين هالشيء، حتى لو رزان راحت للمستشفى ما راح يكون ظلم لها لأنهم ما سووا مثل هالمستشفيات إلا لأمثالها، ولا أنا غلطانة؟
تأثرت غزل كثير وارتبكت وهي تسمع مثل هالكلام لأول مرة من انسانة غير نفسها هي، إلا انها ردت بهدوء عكس الشعور اللي تحس فيه والرغبة القوية اللي تحتاجها عشان تطلع برة هالبيت وتعيش بحرية:
- بس أختي مو مجنونة تماما يا عمتي، تعرفين انه في أوقات ترجع فيها لحالتها الطبيعية، يعني ما هي بحاجة للمستشفى أصلا.
حركت هاجر حاجبها:
- طيب يا غزل إلى متى؟ بتتركين حياتك على جنب عشانها؟ أدري انها اختك الوحيدة وانك تحبيها وتتمني لها الخير، بس لنفسك عليك حق، وهالشيء كان المفروض يصير من زمان.
عدلت جلستها بعد ما تنهدت تقول بكل خبث أمام نظرات غزل اللي لانت وملامحها تغيرت من التأثر:
- آسر كان مهتم كثير ولسنين طويلة، لكن شوفيه الحين خطب بنتي وعايش حياته، مهتم بشغله لدرجة انكم صرتوا ما تشغلون غير جزء بسيط من يومه، يجي ويروح بعد ما يقضي حاجاتكم، حتى مشاعل.. صحيح تطلقت بس حياتها زي الفل، صارت سيدة أعمال لها مليون شيء تستثمر فيه، يعني تقريبا بس انتِ الوحيدة اللي قاعدة بمكانك وما غيرتِ شيء.
أخرس كلامها لسان غزل تماما للحظات، وعيون هاجر مصوبة عليها.
وهي مبسوطة انها قدرت تأثر عليها.
سألت غزل من دون ما تطالع فيها:
- ممكن أعرف سبب هالكلام؟ وليش الحين بالضبط؟
رفعت رأسها تناظرها بحدة:
- طول عمرك انتِ وعمي وكل العايلة ما طالعتوا فينا، ليش فجأة جيتِ الحين تقولين هالكلام الغريب؟ طز في آسر وفي مشاعل خليهم يسوون اللي يبونه، لو صاروا انجح اثنين بالعالم وظليت أنا في الحضيض أخدم أختي وأنظف وراها لين ينكسر ظهري ماحد له دخل، خاصة انتِ وعايلتك.
هاجر باستغراب:
- أفاا يا غزل، ما جيتك ولا قلت هالكلام إلا لأني أتمنى لك الخير، يعني تتوقعين لي غرض ورى دخول أختك للمستشفى غير اني أبيك ترتاحين وتعيشين حياة طبيعية؟ صحيح لهينا بحياتنا عنك وعن أختك لفترة، لكن صدقيني أعتبرك مثل بنتي بتول.
ضحكت غزل بسخرية وتكتفت:
- مثل بتول ههههههههه عموما عمتي سواء كنتِ صادقة ولا لا، جزاكِ ربي خير على اهتمامك فيني وزيارتك سليتيني صراحة، وجوابي الصريح جدا.. اني ما أقدر أفرط بأختي ولو شوي، لأني مو آسر، ولا مشاعل.
وقفت متكتفة تقول بكل ثقة:
- والحين لو سمحتِ يا عمتي، لو ما عندك شيء مهم، هذا الوقت الوحيد اللي أقدر أريح فيه نفسي قبل لا تصحى رزان.
ناظرتها هاجر بتعجب، ما توقعتها تكون بهالوقاحة، ضحكت بغير تصديق:
- تطرديني يا غزل؟
ابتسمت لها باستفزاز:
- أي أحد ممكن يشك بنواياي وحبي لأختي، أو ممكن يتوقع اني بحاول أتخلى عنها بعد هالعمر والوقت الطويل، أو يحاول يغير نظرتي للموضوع بعامله بطريقة أسوأ من كذا، لكن انتِ مميزة شوي لأنك عمتي وحماة أخوي.
وقفت هاجر تلف طرحتها وهي تضحك من الصدمة:
- ما ألومك يا غزل، يمكن عقلك ضرب من كثر ما تخدمين وتقعدين مع اختك المجنونة.
كتمت غزل غيظها باعجوبة، ومسكت نفسها عن لا تشد شعر هالعجوز لين طلعت من البيت بكل غرور وثقة، وسكرت الباب وراها.
طاحت غزل على الكنبة جالسة ورجولها ما تتحملها من المشاعر اللي عصفت بها في هاللحظات القليلة.
غمضت عيونها بقوة وتنهدت، تبللت خدودها.. وصارت تبكي بهدوء.
ما تعرف وش تسوي أو كيف تتصرف حتى تتخلص من هالشعور السيء!
جزء كبير من عقلها يوافق كلام هاجر تماما، لكن قلبها يرفض!
_____
وقف قدام باب غرفتها بتردد.
يرفع يده وينزلها، كرر الحركة أكثر من مرة.
حتى هو ما يدري وش حاس فيه بالضبط.
بس عنده رغبة قوية في انه يشوفها.
كذلك رغبة في انه يبرد حرته بعد اللي شافه اليوم في الصباح.
كيف ما يدري، بس قهره يروح!
دق الباب بشويش بعد تردد، كالعادة ما سمع منها أي رد.
بتول تنام بأي وقت، ما يهمها إذا نومها يكون متعدل أو لا.. أهم شيء تأخذ كفايتها من النوم.
الشيء الثاني اللي يستغرب منه، إنها دائما وأبدا تخلي باب غرفتها مفتوح.
فتح الباب بملامحه الجامدة، دخل وقفله وراه.
كانت الغرفة مظلمة وباردة، ما فيها إلا صوت المكيف.. وإضاءة خافتة جنب سريرها.
كانت هي نايمة ومتلحفة، مو باين غير وجهها وشعرها.
مشى بخطوات بطيئة وهادئة لين وقف عند راسها، تغيرت ملامحه وعقد حواجبه وهو يشوف وجهها المعرق خاصة جبينها من عند منابت الشعر، وملامحها باين عليها الإنزعاج كأنها تشوف كابوس.
جلس على طرف السرير ومد يده على وجهها ينبهها.
فزّت وفتحت عيونها بقوة تمسك يده بيمينها.
كانت تلهث بتعب كأنها بذلت مجهود بدني من شوي.
ناظرته بضياع وتعب وهي مو عارفة إيش اللي قاعد يصير بالضبط.
حتى نبهها مرة ثانية يقول بصوت واطي:
- إيش فيك؟ ليه معرقة كذا؟
بلعت ريقها وغمضت عيونها بضعف وهي تترك يده، فتحتها بعد ثوانِ ثم جلست ببطء.
ريحت ظهرها على المخدة بعد ما عدلتها وراها، قالت وهي ترفع شعرها:
- شفت كابوس مزعج، انفجعت يوم حسيت بيدك.
ناظرها لعدة ثوان قبل لا يسأل مرة ثانية بهدوء:
- وش كان؟
لانت ملامحه لما شافها تحاول تمسك دموعها وتقوي نفسها.
لكن التوتر والإرتباك واضح عليها جدا.
رفعت أنظارها له بقلة حيلة كأنها ما تبي تتكلم، إلا انها لما شافت الإصرار بعيونه ما قدرت تسكت:
- هذي مو المرة الأولى يا آسر، من زمان وأنا أشوف مثل هالكابوس.. أشوف، أشوف الحريق اللي صار ببيتكم.
رفع حواجبه باستغراب ثم قال:
- يعني.. وش تشوفين بالضبط؟
بتول وهي تمسح وجهها بتعب:
- ما أذكر التفاصيل، بس أشوف النار.. وأسمع صرخات كثيرة، أشوفك وانت جاي تخرجني من هناك، أنا وغزل ورزان.
سكتت شوي ثم كملت بصوت خافت:
- أحس اني صدق أنخنق، أحس اني لسه هناك وأمر بنفس الموقف.
قالتها ومسحت وجهها مرة ثانية تبتسم ابتسامة باهتة:
- بغيت شيء آسر؟
آسر اللي بهاللحظة نسى كل شيء، قهره وعصبيته من اللي صار اليوم في الصباح، ونسى انه جاي يحاسبها، سألها:
- أكيد يتعبك هالشيء؟
مدت شفايفها بحيرة:
- صحيح، بس خلاص هذا مو واقع اليوم، بفضل الله ثم انت قدرت أعيش إلى هاليوم.
طوّل وهو يناظر فيها ويتأمل عيونها بطريقة غريبة.
لدرجة انه اطرافها ارتجفت من الارتباك.
فاجأها لما رفع يده لجبينها وأبعد شعرها، ثم قبّلها بعمق.
بلعت ريقها بتوتر وعيونها متوسعة من حركته اللي صدمتها مو بس فاجأتها.
حاوط وجهها الصغير بيدينه ثم قال:
- أنا آسف.
بتول اللي تجمعت الدموع بعيونها وحبستها، إلا انه لمعتها كانت واضحة خاصة انه آسر قريب منها جدا:
- على إيش؟
- على كل شيء، هذاك اليوم… لما احترق محلي، أكيد.. كنتِ متأثرة؟
بلعت ريقها مرة ثانية وهي تتذكر، ثم بعدت عيونها عنه تحرك كتوفها بحيرة.
حضنها آسر برقة وحنية وضمها بقوة وسط ذهولها وصدمتها.
أرخت ذقنها على كتفه، وأطلقت العنان لدموعها.. وهي فعلا بحاجة للي يواسيها ويطبطب عليها ويخفف عنها شعورها بالذنب.
كانت تظن انه حزين بس عشان سالفة الحريق.
ما تدري بالمشاعر اللي عصفت بقلب آسر وآلمته.
حتى انه قرر ما يحاسبها ولا يسألها عن وقفتها مع زيد.
______
مشاعر صادقة ونقية وطاهرة.
نظيفة ما تشوبها شائبة، كيف لا وهو طفل؟ وهي بعد طفلة!
صحيح الحب مو معقول بسنهم، لكن مشاعرهم لبعض كانت صادقة.
على الأقل من جهته هو، كانت كذابة ولا صادقة ما يدري.. ولا عاد يهمه هالشيء.
الجرح اللي جاه ما كان هين، والألم فظيع.. خلاه يتبلد تماما.
ما يحب يسمع عن السالفة ولا يتكلم، حرفيا من الوقت اللي سمع فيه عن ملكة آسر وبتول ما اهتم أبدا.
ما سوى شيء غير انه قاطع آسر، ما يقدر يطالع فيه.. ما يقدر يشوف وجهه ويتذكر الخيانة بكل مرة.
القصة اللي بدأت وهم صغار، انتهت بأبشع صورة.. قبل خمس شهور.
آسر صديقه المقرب وأخوه اللي ما جابته أمه، عاشوا وكبروا مع بعض حتى وصلوا لهالعمر.
قُربه من آسر.. قرَّبه من بتول، بنت عمته الصغيرة.
اللي كانت تلفت انتباهه دايم بخجلها وحيائها، هدوءها وشخصيتها.
صحيح كانت ضعيفة من زمان ويقهره ضعفها.
إلا انه هالضعف هو اللي خلاه يهتم فيها.
لما يزعلها أحد ولا يبكيها يدافع عنها، ينجن لو شاف دموعها.
كانت بيوتهم كلها قريبة، بيت مشاعل وأمها وبيت أبو آسر وأبو بتول.
يصحون مع بعض ينامون مع بعض يلعبون كلهم بحوش واحد.
كأنهم عائلة واحدة.
لين صارت المشكلة اللي خلت مشاعل تفترق عنهم في البداية.
ورغم كل المشاكل اللي صارت بهذاك الوقت إلا انه صداقتهم استمرت، وظل هو وآسر يجون ويروحون عند بعض، الشيء اللي خلى علاقة زيد ببتول تتوطد أكثر، وخلاها هي تتعلق فيه زيادة.
كان هو الوحيد اللي علاقته حلوة بعائلة آسر، أما مشاعل كان الكل يكرهها ويحقد عليها.
إلا انها كانت قوية وما تخاف من أحد، ولا يهمها رأي أحد فيها.. طول عمرها بقوة الحجر وأقسى.
إلا في موضوع واحد، كانت ضعيفة.. ضعيفة حيل.
وكان هالموضوع يخصه هو.
ابتسم بسخرية وهو يرتشف من قهوته ويقول في نفسه ( ما تضعف إلا بالمواضيع اللي تخصني ).
رفع راسه لما سمع صوت خطواتها، ناظرها شوي ثم رجع يتفرج التلفزيون.
تنهدت مشاعل وهي تشوف هالملامح اللي تنطق بالضيق وبوضوح.
جلست على نفس الكنبة من دون ما تحرك عيونها من عليه، ابتسمت تقول بهدوء:
- ما بتقهويني يا زيد؟
عوره قلبه أكثر وهو يسمع نبرتها هذي، نبرة مليانة حنية وحب.. إلا إنه ما يقدر يتقبلها منها، يحسها ثقيلة حيل على قلبه.. خاصة بعد ما شاف بتول.
كتم تنهيدته بصدره وهو يحط فنجانه على الطاولة الصغيرة ثم يصب لها.
أخذت منه الفنجان وصارت تشرب منه والصمت يعم المكان، ودها تتكلم وتسأله عن أي شيء، عن اللي ضايقه بهالشكل وخلى وجهه أسود من الهموم.
تدري عن السبب، لكن ودها لو يتكلم ويفضفض عله يرتاح!
قطع هو الصمت أخيرة بنبرة ساخرة:
- شفتينا أنا وبتول.
تفاجأت من اللي قاله والتفتت له:
- وش دراك؟
ضحك:
- عرفت من حركاتك، صايرة تبين تراعين شعوري، لأنك تدرين اني مظلوم، واني قاعد أتألم من ورى الشيء اللي صار.
تنهدت بداله وهي تحط فنجانها:
- زيد يا حبيبي أرجوك، حاول ما تفكر بالموضوع أكثر، أدري انك……………
قاطعها ببرود:
- ماني مهتم، هي جاتني بنفسها وأنا صديت عنها، انتهى الموضوع، قلت لك هالكلام عشان لا تفكرين كثير ولا تحسين بالذنب، تدرين اني ما أرضى لك الحزن والضيم يا …… مشاعل.
ضحكت مشاعل وهي تتجاهل ألم قلبها وتقول:
- راح تأخذ الأوسكار في الدق بالكلام يا زيد.
حرك زيد حاجبه:
- ما عندي إلا لساني، ولا قلبي ما هو مثل قلب آسر الحمد لله، تدرين وش قلت لبتول؟ قلت لها اني ما أبي أخون صاحبي ولا أوجعه بوقفتي معها ههههههههههههه صدقيني أنا أكثر واحد ودي أشوفه يعاني.
تغيرت ملامح مشاعل من كلامه اللي ما أعجبها، كمل زيد بهدوء:
- لكن لما شفت مطعمه ينحرق ويروح تعب سنينه، وأنا اللي وقفت معه بكل خطوة، يشهد الله اني توجعت أكثر منه، وتمنيت لو اني كنت مكانه ولا شوف حلمه ينهدم قدامه بهالطريقة البشعة.
عضت مشاعل شفتها بضيق وهي مو عارفة كيف ترد عليه.
ضحك زيد مرة ثانية:
- صدقيني يا مشاعل أنا ما راح أسعى لشيء، بس بشوف آسر لأي حد راح يوصل، لكن اللي متأكد منه انه راح يعاني كثير وراح يشوف نتيجة اللي سواه فيني، هو وبتول.. مثل ما قاعد أعاني حاليا لأني تعديت حدودي وكنت أكلم بتول وهي ما تحرم لي.
ابتسمت مشاعل بألم وهي تتأمل ملامحه ثم تمد يدها ناحيته وتمسك كفه وتضغط عليها:
- ما عليه زيد يا حبيبي، ربي راح يعوضك باللي أحسن منها أكيد.
زيد:
- طبعا، في كثير أحسن منها بهالدنيا، أنا حاليا أستغرب من نفسي كيف حبيتها، وش لقيت فيها بالضبط هذي الخاينة؟
- بس يا زيد، انت عارف انه غصبا عنها، لا تظلمها.
حط عينه بعينها يقول بحدة:
- تلاقين للكل أعذرا، إلا أنا.
تلعثمت مشاعل وما عرفت إيش تقول.
وقف زيد يضحك بسخرية على حاله:
- بروح أنام تعبان، أتمنى أصحى وألقى آسر ماسك له فرع ثاني.
أنهى عبارته واختفى من الصالة.
تارك خلفه مشاعل اللي ضحكت من شدة الألم ووجهها يحمر من الانفعال، ثم تدمع عيونها.
وما منعت نفسها من البكاء بصمت هالمرة.
عارفة انها قاعدة تجني ثمار أفعالها في الماضي.
زيد لوحده قادر يقلب المواجع، ويخليها تغرق في بحر من الندم والآلام اللي ما راح تخلص.
ما تدري متى راح يوقف زيد بالضبط؟ متى راح يتوقف عن جرحها؟
الشيء اللي متأكدة منه، انها تستحق كل شيء قاعد يصير فيها حاليا.
والله يكون بعونها.
____
بوقت متأخر من الليل.
قامت من فراشها تتذمر وتتأفف.
الأرق اللي مصاحبها بالفترة الأخيرة حارمها من النوم.
من الزعل والضيق اللي حاسته تجاه أبوها وكل اللي صار، ما كان لها نفس تأكل شيء.
قربت من سرير ميس، جلست بطرفه وهي تحط يدها على جبينها تتحسسه.
ضاق صدرها حيل، الحرارة لسه زي ما كانت في العصر.. ما نزلت أبد.
البنت من خوفها وزعلها ارتفعت حرارتها ومرضت.
ما تدري كيف تتصرف بالضبط.
تدري انه أبوها ما راح يقصر إذا علمته، بس فكرت تنتظر شوي ولا تتعبه.
حتى لما كلمتها أمها قبل ساعة ما علمتها.
حطت لها ضمادات وخافض حرارة، تتمنى لو تتحسن قبل لا تشرق شمس بكرة.
حطت يدها على بطنها اللي يقرصها من الجوع، ضحكت وهي توقف.
ماهي من النوع اللي تتحمل الجوع لوقت طويل.
الشيء خلاها تكسب شيء من الوزن.
مشت على أطراف أصابعها، وفتحت الباب بشويش وخرجت عشان لا تصحى الصغيرة.
نزلت لتحت بنفس الخطوات الهادئة.
___
انتهى.
موعدنا مساء الأربعاء القادم بإذن الله، استودعكم الله.
___
اللهم ارحم مارية وأعمامي وأجدادي وجميع أموات المسلمين، اغفر لهم وعافهم واعفُ عنهم، برد قبورهم وأرِهم مقاعدهم في الجنة يارب العالمين، اللهم آمين.
اللهم صلِّ وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.