الفصل الثامن
نظرت ليليان إلى الحراس الذين يطبقون الخناق عليهما، ثم إلى أيهم الذي بدأت ناره تبهت لأول مرة وكأنه يستمد قوته من بقائها حية، وقالت بصوتٍ زلزل أركان مملكة الرماد:
"لن أختار النسيان، ولن أترك بشريتي.. سأكون الجسر الذي يحرق المسافات!"
بمجرد نطقها لهذه الكلمات، أمسكت ليليان بالقلادة بكلتا يديها وضغطت عليها حتى جرحت كفها الصغير. اختلط "دم الطين" الأحمر بـ "حمم القلادة" الذهبية، وحدث ما لم يتوقعه جن ولا بشر.
انفجرت موجة من الضوء الأبيض الشفاف، ليست ناراً تحرق ولا طيناً يثقل، بل كانت قوة "الروح" التي تجمع بين العالمين. تراجع الحراس وهم يصرخون من شدة النور الذي لم يعهدوه، وبدأت الأرض الزجاجية السوداء تتحول إلى مرجٍ من أعشابٍ خضراء تنبت وسط النيران.
أمسكت ليليان بيد أيهم، وشعر هو لأول مرة ببرودة المطر اللذيذة تسري في جسده الملتهب، بينما شعرت هي بحرارة الشمس تمنحها حياةً أبدية. لم تعد ليليان مجرد فتاة، ولم يعد أيهم مجرد كائن من نار؛ لقد اندمجا في كينونة واحدة تحدت قوانين الطبيعة.
أيهم بصدمة وذهول:
"ليليان.. لقد خلقتِ عالماً ثالثاً! عالم لا هو بالنار ولا هو بالطين.. إنه عالم 'العناق الخالد'."
تلاشى الحراس كالدخان أمام هذا التوازن الجديد. وفي لحظة خاطفة، وجدا نفسهما واقفين من جديد في غرفة ليليان المحترقة. المطر بالخارج كان لا يزال يهطل، لكنه كان يلمع ببريق ذهبي.
نظرت ليليان إلى المرآة، لم تعد شاحبة؛ بل أصبح في عينيها بريقٌ نحاسي غامض، وشعرها الفاحم صار يفوح منه عطر البخور والبرق. أما أيهم، فقد صار جسده أكثر "واقعية"، ملامحه المنحوتة فقدت غطرستها وحلّ مكانها هدوء المحب الذي وجد موطنه.
قال أيهم وهو يقف خلفها، وظلهما الآن في المرآة واحد:
"الآن بدأت الرواية الحقيقية يا ليليان. العالم بالخارج لن يتركنا وشأننا، فالقوانين التي كسرناها ستطالب بدمائنا. هل أنتِ مستعدة لتكوني ملكةً في عالمٍ لا يعترف بوجودنا؟"
ابتسمت ليليان وهي تلمس القلادة التي أصبحت الآن هادئة ودافئة على صدرها، وقالت:
"طالما أن ناري في قلبك، ومطري في روحك.. فليحاولوا استرداد ما فقدوه."
وفي تلك اللحظة، طُرق باب الغرفة بقوة، وصوتٌ غريب من خلفه يقول:
"افتحي الباب يا ابنة الطين.. نحن نعلم أن 'الهارب' معكِ."
التفتت ليليان نحو أيهم، واشتعل الوميض الذهبي في عينيهما معاً، معلنين بداية حربٍ لم يشهدها تاريخ العالمين من قبل.