القاتل البريء - الفصل الثاني - بقلم إبراهيم موسى - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: القاتل البريء
المؤلف / الكاتب: إبراهيم موسى
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: الفصل الثاني

الفصل الثاني

كانت الليلة هادئة… هادئة أكثر من اللازم. القمر معلق في السماء، والريح تمر بين الأشجار كهمسٍ خافت. داخل المنزل، كانت ليان ترتب بعض الأشياء، بينما جلس قيس بصمتٍ غير معتاد. كان يشعر بشيء… شيءٍ لم يستطع تفسيره. ضرغام، كان في زاويته، ينظف بندقيته الصغيرة بعناية، كما علمه والده. فجأة… صوت. خطوات… ليست واحدة. توقّف قيس. رفع رأسه ببطء. عيناه تغيّرتا. "ادخل الغرفة… الآن." قالها بصوتٍ منخفض، لكنه حاد. نظر ضرغام إليه باستغراب، لكن شيئًا في نبرة صوته… جعله يطيع دون سؤال. أمسك بيد أمه، ودخل الغرفة. لكن قبل أن يُغلق الباب… انفجار. تحطم الباب الرئيسي بقوة، ودخل رجال… بوجوهٍ باردة، وأعينٍ لا تعرف الرحمة. خرج قيس إليهم ببطء، بندقيته في يده… لكن ملامحه لم تكن خائفة. كانت… مستعدة. "انتهى هروبك يا قيس." قال أحدهم. صمت قصير… ثم… إطلاق نار. في الداخل، كانت ليان ترتجف، تضم ضرغام بقوة، تحاول كتم صوته… وصوتها. لكن عيني الطفل… كانتا مفتوحتين. يسمع. يفهم. ولا يستطيع فعل شيء. صرخة. ثم… صمت. لم يحتمل. فتح الباب قليلًا… ونظر. رأى والده… يسقط على الأرض. رأى الدم. رأى الرجال. ورأى العالم… يتكسر أمامه. فجأة… التقت عينا قيس بعينيه. رغم الدم… رغم الألم… ابتسم. بصوتٍ متقطع، قال: "ضرغام…" تجمد الطفل. "أنت… أسد…" دمعة نزلت من عينه الصغيرة. "والأسد… لا يهرب…" سعال… دم… "ولا يعتمد على أحد…" اقترب أحد الرجال. "يأكل… مما يصطاده…" طلقة. سقط قيس… وسقطت معه… كل براءةٍ في قلب الطفل. صرخت ليان… لكن صوتها اختنق سريعًا. لم تمر لحظات… حتى ساد الصمت. في زاوية الغرفة، كان ضرغام جالسًا، عيناه مفتوحتان… لكن… بلا دموع. في تلك الليلة… لم يمت والده فقط… بل وُلد شيءٌ آخر. شيءٌ لا يعرف الرحمة. وُلد… الأسد. 🐺🔥 👁️🔥 🔥 كانت ليان تعرف أن الفرار هو الخيار الوحيد، فأخذت ضرغام من الباب السري، وهربت به إلى الغابة. كان الصغير يحمل قناص والده، الوحيد الذي ورثه… قطعة من ماضيه، قطعة من هويته التي بدأ العالم يسحقها. تسلقت الأم الأشجار بخفة، يحميها خوفه وحذرها، حتى توقفوا على فرع عالٍ… حيث أصبح منزلهم الصغير واضحًا بين الأشجار. لكن ما رأته عينا الطفل… كان أكثر من كابوس. رجالهم… أعداؤهم… جاءوا إلى البيت… دماء… صرخات… وحوش بلا قلب. تجمّدت ليان للحظة، وربّتت على كتف ابنها الصغير: "اصطد… لتعيش." وبالفعل… بدأ الصغير ضرغام، بعيونٍ واسعة، قلبه ينبض بالخوف… ولكن يداه ثابتتان… يطلق الطلقات، واحدًا تلو الآخر. كل ضربة… كل صوت انفجار… كل صرخة… تراكمت داخل قلبه… مزيج من الحزن والبرود… ومع كل هدف يصطاده… كان يقتنص قطعة من هويته الضائعة. حتى أكملهم جميعًا… وهو لا يزال في الخامسة من عمره. عندها… عاد إلى والده، الدم يغطي كل جزء من جسده الصغير، عيناه واسعة، لا يفهم إن كان ما فعله هو صحيح أم لا. لكن قيس لم يتراجع، احتضنه كما لو فقد كل هويته… وشعر بآثار ما تركه العالم على قلب ابنه. أما ليان… فقدت كل شيء. انفجر قلبها بصدمة… ورحلت إلى الأبد. – طفولة تنتهي، الأسد يولد كان الصباح قاتمًا… الضباب يلتف بين الأشجار كما لو يحاول إخفاء العالم عن نظره. جلس ضرغام على صخرة صغيرة، بندقيته في يده الصغيرة، وعيناه لا تزالان واسعتين، تتأملان الغابة التي أصبحت الآن ملعبه ومكان صيده الأول. لكن قلبه كان مثقلاً… ليس بالخوف… بل بالحزن والصدمة… وبحقيقة أنه لم يعد طفلًا. تذكر كل شيء… صرخات والدته الأخيرة، دماء أصدقائه، صوت بندقيته الذي أصبح صديقًا وخطرًا في آن واحد، نظرات والده وهو يحضنه، وكأن العالم كله قد انهار حولهما. وقف على جذع شجرة، يراقب منزلهم القديم من بعيد. كان واضحًا الآن… كل تفاصيل المكان… لكن بالنسبة له، لم يعد ذلك البيت مأوى… بل رمزًا لكل ما فقده. نظر إلى يديه المغطاة بالدم… شعر ببرودة تسري في عروقه… وفي داخله… شيء مات للأبد. همس بصوت خافت… لا أحد يسمعه: "لم أعد طفلاً… لم أعد أستطيع البكاء… الأسد لا يأكل إلا ما يصطاده بنفسه… ولن أسمح لأحد أن يأخذ مني حياتي مجددًا." في تلك اللحظة، لم يعد ضرغام مجرد ابن… لم يعد مجرد طفل. لم يعد هناك خوف، ولم يعد هناك براءة. كان يقف على حافة الغابة، يحمل بندقيته، وعيناه تلمعان بما يشبه عقدة الانتقام الأولى… ومن تلك اللحظة… وُلد القاتل المأجور. 🔥