الفصل الأول
في قريةٍ حدوديةٍ هادئة،
حيث لا يسمع سوى صوت الرياح وهي تعبر بين الأشجار،
عاشت أسرة صغيرة تحاول الهروب من ماضٍ لا يُنسى.
كان قيس، رجلٌ عمل طويلًا في جهاز الأمن والمخابرات،
قد اختار تلك القرية بعناية…
بعيدة عن العيون،
بعيدة عن الأعداء،
بعيدة عن كل شيء قد يؤذي عائلته.
أما زوجته ليان،
فكانت على وشك أن تلد،
تحمل في بطنها شهرها التاسع،
وقلبها ممتلئ بالقلق والرجاء.
في أحد الأيام،
كان قيس يسير في الغابة القريبة، يحمل بندقيته،
يصطاد لزوجته كما اعتاد…
وكانت الحياة، رغم بساطتها،
هادئة… دافئة… وكأنها وعدٌ بالسعادة.
وعندما عاد،
جلس بجانب ليان، ووضع يده على بطنها المنتفخ، وقال بابتسامة خفيفة:
"سيكون قويًا… أشعر بذلك.
طفلنا لن يكون عاديًا…
سيكون كـ الأسد… قلبه لا يعرف الخوف."
ابتسمت ليان بصمت،
وكأنها تصدق كلماته… أو ربما تتمنى فقط أن تكون صحيحة.
وفي تلك الليلة…
وُلد الطفل.
صرخته الأولى مزقت سكون القرية،
وكأنها إعلان بداية شيءٍ لا يُعرف.
كان جميلًا بشكل غير عادي،
بشرة بيضاء كالحليب،
عينان زرقاوان تلمعان ببراءة غريبة،
وشعر أشقر ناعم يحيط بوجهه الصغير.
حمله قيس بين يديه،
نظر إليه طويلًا…
ثم ابتسم ابتسامة لم يعرفها منذ سنوات.
وقال بصوتٍ حاسم:
"سأسميه… ضرغام."
ضمّه إلى صدره بقوة،
وكأنه يحاول أن يحميه من العالم كله.
لكن…
العالم لم يكن بعيدًا كما ظن.
مرّت السنوات بهدوءٍ خادع…
وكأن الحياة في تلك القرية قررت أن تنسى ما يختبئ خلفها من أخطار.
حين بلغ ضرغام عامه الخامس،
بدأ والده قيس يأخذه معه إلى الغابة.
لم يكن مجرد صيد…
بل كان تدريبًا صامتًا على شيءٍ أكبر.
كان الصغير يسير خلف والده بخطوات مترددة،
يحاول أن يقلد مشيته،
طريقته في النظر،
حتى صمته.
أما ليان…
فلم تكن تحب ذلك أبدًا.
كانت تقف عند باب المنزل،
تراقبهما وهما يبتعدان بين الأشجار،
وقلبها مثقل بالخوف.
أحيانًا كانت تغضب،
وأحيانًا تصمت لأيام…
لكنها في كل مرة،
كانت تنتظرهما.
وحين بلغ ضرغام عامه السابع،
تغيّر كل شيء.
في صباحٍ بارد،
أعطاه قيس بندقية صغيرة،
أكبر قليلًا من يديه الصغيرتين.
نظر إليه ضرغام بدهشة،
بين الخوف والحماس.
انحنى قيس أمامه،
ووضع يده على كتفه، وقال بصوت منخفض:
"اسمع يا ضرغام…
الصيد ليس ضغطًا على الزناد فقط…
الصيد صبر… تركيز… وصمت."
ثم أشار إلى الغابة أمامهما:
"الغابة لا ترحم الضعفاء…
ومن لا يتعلم كيف يصطاد…
سيكون هو الفريسة."
ابتلع الطفل كلماته بصمت،
وكأنها لم تكن مجرد نصيحة…
بل قانونًا للحياة.
رفع البندقية بيدين مرتجفتين،
وحاول أن يثبتها كما علمه والده.
راقبه قيس بصمت…
بعينين تحملان شيئًا غريبًا،
ليس مجرد فخر…
بل خوف.
🔥
أ
حين بلغ ضرغام عامه العاشر،
لم يعد ذلك الطفل الذي يختبئ خلف والده.
اشتدّ عوده،
وقويت ملامحه،
وأصبحت عيناه… تحملان تركيزًا لا يناسب عمره.
ثلاث سنواتٍ متواصلة،
بين الأشجار،
بين الصمت،
وبين صوت الطلقات…
صنعت منه شيئًا مختلفًا.
لم يعد يتعلم الصيد…
بل أصبح يجيده.
في البداية،
كان يرافق والده قيس في كل خطوة،
يراقب، يقلد، ويتعلم.
لكن مع مرور الوقت…
بدأ يذهب وحده.
يدخل الغابة دون خوف،
يتحرك بين الأشجار كأنه يعرفها جيدًا،
يراقب فريسته بصبر،
ثم… يطلق.
لم يكن يفشل كثيرًا.
في إحدى المرات،
عاد وهو يحمل صيدًا بيديه الصغيرتين،
وعيناه تلمعان بشيءٍ غريب…
ليس فرحًا فقط…
بل فخر.
نظر إليه قيس طويلًا،
ثم ابتسم ابتسامة خفيفة،
ووضع يده على رأسه وقال:
"هكذا يكون الأسد."
ثم أضاف بصوتٍ أعمق:
"تذكّر يا ضرغام…
الأسد لا يأكل إلا مما يصطاده بنفسه…
لا يعتمد على أحد…
ولا ينتظر أحدًا ليطعمه."
سكنت الكلمات في داخله،
لم تمر مرورًا عابرًا…
بل استقرت… كقانون.
ومنذ ذلك اليوم،
لم يعد الصيد مجرد مهارة…
بل أصبح
هويته.
🔥