الفصل السابع
لم تكن نظرات أيهم نظرات ترحيبٍ فحسب، بل كان فيها بريقُ مَن وجد أخيراً "المفتاح" الذي سيتحرر به من لعنةٍ دامت ألف عام. سارت ليليان بجانبه فوق الأرض الزجاجية السوداء، وكانت كل خطوة تخطوها تترك خلفها أثراً لقطرات مطرٍ حقيقية تتألق كالألماس وسط صحراء النيران، وكأن وجودها "الطيني" يرفض الانصياع لقوانين هذا العالم.
فجأة، توقف أيهم، واهتزت جيوشه كأن زلزالاً ضرب الأرض. انشقت السماء النحاسية ليظهر منها "حراس الرماد"؛ كائنات عملاقة من دخانٍ كثيف، بلا وجوه، تحمل سيوفاً من برقٍ أبيض.
صاح أحدهم بصوتٍ هزّ أركان المملكة:
"أيهم! لقد خالفتَ ميثاق العصور.. أحضرتَ نَفَس الطين إلى مهد النار؟ القلادة التي في عنقها ملكٌ لنا، وبها سيعود 'سجن الرماد' ليغلق أبوابه عليك وعليها إلى الأبد!"
اشتعلت النيران في عيني أيهم لدرجة أن الوميض الذهبي صار يخرج منهما كالشواظ، وبحركةٍ سريعة دفع ليليان خلف ظهره، ليمتص بظهره ضربة برقٍ كانت موجهة لقلبها.
أيهم بزمجرةٍ أرعبت الحراس:
"لقد كسرَت هي القفل بشجاعتها، ولم يعد للرماد سلطانٌ علينا! ليليان.. أمسكي بالقلادة، لا تتركيها مهما شعرتِ بالاحتراق!"
بدأت المعركة؛ تلاحم الدخان مع النار، وكانت ليليان في المنتصف، ترى أيهم يقاتل بضراوة ملوك الجن، يحميها بجسده الناري من كل جانب. لكن القلادة في صدرها بدأت تتحول من اللون الذهبي إلى الأسود القاتم، وشعرت ببرودةٍ قاتلة تخرج من قلبها وتنتشر في جسدها، وكأن المملكة تحاول امتصاص "حياتها" لترمم سجن أيهم.
ليليان بصراخٍ وسط دوي الانفجارات:
"أيهم! القلادة.. إنها تأخذ مني كل شيء! أصبحتُ أشعر بالجليد في عروقي!"
التفت أيهم إليها، ورأى وجهها الشاحب يزداد بياضاً، وشعرها الفاحم يبدأ بالتطاير كأنه رماد. أدرك في تلك اللحظة الحقيقة المرة: بقاء ليليان في عالمه يعني فناء روحها البشرية، وبقاؤه هو في عالمها يعني انطفاء ناره.
تقدم أيهم نحوها وسط هجوم الحراس، وأمسك بوجهها بيدين ترتجفان من شدة القوة التي يبذلها. همس لها والدموع (التي كانت عبارة عن قطرات من ذهب سائل) تنهمر من عينيه:
"كنتُ أظن أنني سأتحرر بكِ.. لكنني سأخسركِ. الحب بين العالمين يا ابنة الطين هو انتحارٌ جميل. اختاري الآن.. إما أن تتحولي لنارٍ خالدة وتنسي بشريتكِ، أو أعيدكِ للمطر وتنسينني كأنني كنتُ مجرد حلمٍ عابر."
في تلك اللحظة، كان الحراس قد أحاطوا بهما تماماً، والسيوف البرقية ارتفعت لتجهز عليهما.
ليليان، بعينيها البنيتين اللتين لم تفقدا تساؤلاتهما، نظرت إليه وقالت كلمتها الأخيرة التي قلبت موازين المعركة...