الفصل الرابع
فجأة، بدأت القلادة القديمة على صدرها بالاهتزاز، وصار المعدن يهمس بصوتٍ معدنيّ خافت، وكأن هناك ترساً في ساعة زمنية قديمة بدأ بالدوران بعد توقفٍ دام قروناً. لم يكن همساً بشرياً، بل كان يشبه "فحيح الرياح" في الصحراء.
نظرت ليليان إلى النافذة، المطر لم يتوقف، لكن قطراته لم تعد تنزلق كالسابق؛ بل كانت تتجمد للحظات على الزجاج كلما اقتربت من محاذاة وجهها، مشكلةً رموزاً غريبة تشبه لغةً لم تُكتب يوماً في كتب البشر.
تمتمت ليليان وهي تشد قبضتها على القلادة:
"أيهم.. هل رحلت حقاً، أم أنك أصبحت الآن جزءاً من هذا المكان؟"
جاء الرد ليس بصوته، بل بظلها هي على الحائط. رأت ظلها يمتد بشكلٍ غير طبيعي، وينفصل عن حركتها، ليتخذ هيئة رجلٍ طويل القامة يحيط بها من الخلف دون أن يلمسها. تجمدت الدماء في عروقها حين شعرت بنفحة حرارة خلف أذنها، وصوت أيهم يهمس بكلماتٍ زلزلت كيانها:
"لم أرحل.. أنا الآن 'ظلكِ' الذي سيحميكِ من بني جنسي، و'لعنتكِ' التي ستطاردكِ في أحلامكِ. أنتِ الآن تحملين وسماً نارياً، وكل كائنٍ تحت الثرى أو فوق الغمام سيعرف أنكِ تخصينني."
انفتحت النافذة فجأة بقوة، لتعصف رياح المطر الباردة في أرجاء الغرفة، وتطفئ الشموع "الذهبية" التي كانت تشتعل. حين استعادت ليليان توازنها وأغلقت النافذة، نظرت إلى المرآة مرة أخرى.
لم يكن هناك أثر للنور على وجنتها، ولا ظل خلفها.. لكن القلادة كانت قد تغيرت. الفص الحجري الذي يتوسطها، والذي كان باهتاً لسنين، أصبح الآن ينبض بقطرةٍ صغيرة من "الحمم السائلة" في قلبه، تشتعل كلما تذكرت ليليان تلك العينين الجمرتين.
أدركت حينها أنها لم تعد "ليليان" الفتاة الحالمة التي تقرأ الكتب فحسب، بل أصبحت "كتاباً" يكتبه كائنٌ من نار، بمدادٍ من غيرةٍ واشتياق لا ترحم.