الفصل الثالث
حبست ليليان أنفاسها، وشعرت بـ "أثر النور" الذي تركه خلفه يتغلغل في مسامها، ليس كحرقٍ مؤلم، بل كدفءٍ مفاجئ يسري في عروقها المتجمدة من برد الغرفة. القلادة التي على صدرها زادت ضرباتها، وكأنها قلبٌ ثانٍ يحاول الانعتاق من سجن المعدن.
أيهم ظلّ قريباً، تفصله عنها إنشات قليلة من الهواء المهتز، وبصوتٍ أكثر انخفاضاً، كحفيف النار في ليلةٍ ساكنة، قال:
"أنتِ تلمسين ما لا يُلمس، وتستنطقين حزناً لم يجرؤ أحدٌ من قبيلة النار على ذكره. هل تظنين أن الشجاعة تحميكِ منّي؟"
تجاهلت ليليان رعشة يدها، وثبّتت عينيها في جمر عينيه، وقالت بنبرةٍ هادئة لم تعهدها في نفسها:
"لا أحتاج للحماية من كائنٍ اختار أن يتجسد ليراني، لا ليؤذيني. لو أردتَ احتراقي، لفعلتَ ذلك قبل أن تنطفئ الشموع."
ابتسامة غامضة، باردة وقاسية كحجر الصوان، ارتسمت على شفتي أيهم. وفجأة، تراجع خطوة إلى الخلف، وبدأ جسده يفقد تماسكه المادي، ليصبح مجرد ظلالٍ تتراقص مع ضوء البرق الذي يضرب الأفق.
"لقد فُتحت الأبواب يا ليليان.." قالها وصوته يتردد من كل زاويا الغرفة في آنٍ واحد، "والقلادة التي ترتدينها لم تعد مجرد ذكرى من عائلتكِ.. إنها القيد الذي سيسحبكِ إلى عالمي، أو يربطني للأبد بعالمكِ المتهالك ومع آخر وميضٍ للرعد، اختفى أيهم تماماً. عادت الشموع لتشتعل من تلقاء نفسها، لكن لهبها لم يكن أصفراً كما المعتاد، بل كان يميل إلى اللون الذهبي، نفس لون الوميض الذي سكن عيني أيهم.
وقفت ليليان وحيدة، لكنها لم تعد تشعر بالوحدة. نظرت إلى المرآة، فرأت أثر أصابعه على وجنتها لا يزال يتوهج بخفوت، كوشمٍ غير مرئي أخبرها أن حياتها كـ "ابنة للطين" قد انتهت، وبدأت رحلتها في عالم النار.